الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 تبعثرت تحف تاريخ العراق، التي لا تقدر بثمن، نثرات بعشرات الألوف على أرض متحف بغداد. لقد تنقل الناهبون من رف لآخر بطريقة منهجية منظمة ليسحبوا التماثيل والأواني والقوارير، التي تعود لعصور الأشوريين والبابليين والسومريين والميديين والفرس والاغريق ، ليرشقوا بها الجدران والأرض الاسمنتية ويحطموها. كانت اقدامنا تدوس حطام تماثيل رخامية وحجرية وأوان تعود لخمسة آلاف عام استطاعت أن تنجو من كل حصار عرفته بغداد وكل غزو تعرض له العراق طوال التاريخ لنجدها محطمة حينما قدم الأميركيون حتى «يحرروا» المدينة. العراقيون فعلوا ذلك. لقد فعلوا ذلك ضد تاريخهم هم، دمروا الدليل المادي الذي يشهد لحضارتهم، ابنة ألوف السنين. منذ قامت حكومة طالبان بحملتها التدميرية ضد تماثيل بوذا في باميان، وفي متحف كابول، وربما منذ الحرب العالمية الثانية أو قبل ذلك، لم يجر مثل هذا التدمير الأرعن والممنهج لهذا العدد من الكنوز التاريخية. قال لي رفيقي العراقي بعباءته الرمادية ونحن نوجه مشاعلنا الكهربائية نحو أكوام حطام ماكانت قبل ذلك أواني سومرية وتماثيل اغريقية كاملة في مخزن المتحف الوطني العراقي وفقدت الآن رؤوسها وأذرعها: «هذا ما فعله شعبنا لتاريخنا. نحتاج للجنود الأميركيين حتى يحرسوا ما تبقى لنا. نحتاج لوجود الأميركيين هنا. نحتاج للشرطة. كل ما عاشه حارس المتحف عبدالستار عبدالجابر بالأمس كانت المعارك بالسلاح بين اللصوص وأبناء المنطقة، كانت الطلقات تئز فوق رؤوسنا خارج المتحف، وتخترق جدران المباني السكنية المجاورة. قال لي وهو يلتقط من الارض قطعة كبيرة من الفخار كانت ابريقاً كبيراً بطول قدمين انتهى جمال عنقه وزخارفه، حينما تحطم لأربع قطع: انظر لهذا لقد كان إناء أشوريا و«الاشوريون» كانوا بناة حضارة حكمت العراق قبل 2000 عام من الميلاد تقريباً. لكن ما الذي كان يفعله الأميركيون وهم الحكام الجدد لبغداد؟ لماذا كانوا يجندون رجال صدام المكروهين لاستعادة النظام والقانون نيابة عنهم. كان آخر جيش فعل ذلك هو جيش ماونتباتن في جنوب شرق آسيا حينما استخدم الجيش الياباني المهزوم للسيطرة على شوارع سايغون بحراب بنادقهم بعد اعادة السيطرة على الهند الصينية عام 1945. أتى عدد من عناصر الشرطة السابقين ليقفوا صفاً أمس أمام فندق فلسطين في بغداد، بعد أن سمعوا نداء اذاعياً يستدعيهم لاستئناف «مهامهم» في الشوارع. وقبيل المغرب كان على الأقل ثمانية ضباط شرطة كبار سابقون يرتدون كلهم بزاتهم الرسمية الخضراء، وهو اللون نفسه الذي كان يرتديه اعضاء حزب البعث في العراق، قد ظهروا ليعرضوا خدماتهم على الاميركيين مصحوبين بجنود المارينز. لكن لم تكن هناك أي اشارة تنم عن أن احدهم سيرسل إلى المتحف. غير أن «التحرير» قد تحول لاحتلال فبمواجهة العراقيين الغاضبين في ساحة الفردوس المطالبين بحكومة عراقية جديدة لحمايتنا وأمننا وسلامنا، وقف جنود المارينز الذين يفترض أنهم يوفرون هذا الأمن جنبا إلى جنب في مواجهتهم وبنادقهم جاهزة. إن الحقيقة التي لم يفهمها الأميركيون، وبالطبع رامسفيلد بينهم، هي أن الفقراء والمحرومين في ظل صدام حسين كانوا في معظمهم من المسلمين الشيعة، أما الطبقة الوسطى فكانت في معظمها من المسلمين السنة، ولهذا فإن السنة هم الآن من يعانون النهب. وبالتالي فإن القتال بالبنادق الذي اندلع، مؤخراً، بين اصحاب البيوت والمحلات من ناحية واللصوص من ناحية أخرى عملياً قتال بين السنة والشيعة والأميركيون الآن بعدم عملهم على انهاء هذا العنف وبدفعهم نحو الكراهية الطائفية انما يقومون الآن بالنفخ في نار حرب أهلية في بغداد. تجولت بسيارتي في المدينة لأكثر من نصف ساعة لقد اصبحت مئات الشوارع تنتشر فيها حواجز من القرميد والسيارات المحترقة وجذوع الاشجار، ويراقبها رجال مسلحون مستعدون لقتل الغرباء، الذين يهددون منازلهم ومتاجرهم، على هذا النحو تماماً بدأت الحرب الأهلية في بيروت عام 1975. بضع دوريات للمارينز تجرأت على دخول الاحياء، مؤخراً، لتأخذ مواضع لها قرب المستشفيات التي تعرضت للنهب لكن النار لاتزال تندلع في كل ارجاء المدينة، مبنى البلدية كان يحترق والأفق فوق النار كانت تشقه اعمدة الدخان لأميال في السماء. جهد محدود جداً ومتأخر جدا، مؤخراً كانت مجموعة من المهندسين الكيميائيين وعمال تعقيم المياه ترجو قيادة المارينز ان توفر لهم الحماية ليتمكنوا من العودة لأعمالهم، كما أتى ايضا عمال الكهرباء، غير أن بغداد كانت قد اصبحت بالفعل مدينة حرب تحت رحمة المسلحين واللصوص. ليست هناك كهرباء في بغداد، مثلما ليس هناك ماء ولا قانون ولا نظام، ولهذا كنا نتعثر في ظلمة قبو المتحف، ونطأ التماثيل المقلوبة، ونتعثر بالثيران المجنحة المحطمة وحينما وجهت مشعلي نحو أحد الرفوف انحبست انفاسي كل قدر وكل ابريق (3500 قبل الميلاد) كما تقول لوحة في زاوية الرف، كان محطماً الى قطع. لماذا؟ كيف أمكن لهم فعل ذلك؟ حينما كانت المدينة تحترق، حينما اطلق العنان للفوضى، بعد اقل من ثلاثة اشهر من اجتماع خبراء الآثار الاميركيين ومسئولي البنتاغون للتباحث في كنوز العراق الأثرية ووضع متحف بغداد للآثار على قواعد البيانات العسكرية، لماذا سمح الاميركيون للرعاع بتدمير ارث وادي الرافدين الذي لا يقدر بثمن؟ وكل هذا حدث فيما كان وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد يرفع صوته امام المؤتمرات الصحفية زاعماً ان الفوضى اندلعت في بغداد. منذ مئتي عام واكثر، يعمل علماء الاثار الغربيون والعراقيون على جمع بقايا مركز الحضارة والمدنية القديم هذا من القصور والزقورات والقبور التي يعود عمرها لثلاثة آلاف عام اليوم تتناثر آلاف البطاقات المكتوبة بالانجليزية وبخط يدوي اصيل يعود للقرن التاسع عشر، بعد اخراجها من ملفاتها بين الآثار المحطمة التقطت واحدة كان مكتوباً على جانبها الداخلي بقلم الرصاص: «اواخر القرن الثاني، رقم 1680». ليصلوا الى المخزن، حطم الرعاع الابواب الفولاذية الضخمة ودخلوا من فناء المتحف الخلفي ونقلوا الكنوز والتماثيل الى السيارات والشاحنات. كان اللصوص قد غادروا المكان قبل بضع ساعات من وصولي ولم يكن لدى اي احد بعد، بمن في ذلك حارس المتحف، اي فكرة عن حجم الخسارة، وجدت صندوقاً زجاجياً محطماً ومفتوحاً كان يحتوي قطعة حجرية واشكالاً من الصوان تعود الى 40 ألف عام كان فارغاً لا احد يعرف ما حصل للقطع الآشورية المستخلصة من قصر خورز آباد الملكي او الاختام التي تعود لخمسة آلاف عام ولا الاقراط الذهبية شجرية الشكل التي دفنت مع الاميرات السومريات قبل 4500 عام سيحتاج الامر عقوداً لتصفية حساب ما حدث وما تركوا وراءهم تماثيل حجرية محطمة وكنوز من المدافن وبقايا الحلي التي تتلألأ بين الأواني المحطمة. الرعاع الذين اغاروا على المتحف ربما ليست لديهم فكرة عن قيمة هذه الاواني والتماثيل وما فعلوه وكأنه نتاج الجهل والحنق وفي مكتبة المتحف الضخمة، لم تفقد سوى بضعة كتب معظمها اعمال اثرية من القرن التاسع عشر. اللصوص لم يجدوا اهمية كبيرة في الكتب. في المكتبة وجدت مجموعة كاملة من مجلة «جيوغرافيكال جورنال» من عام 1893 الى عام 1936 لاتزال على حالها والى جانبها كتاب عنوانه «بغداد مدينة السلام» غير ان آلاف البطاقات التعريفية للمحتويات نثرت من صناديقها على الادراج والممرات. كان لعلماء الآثار البريطانيين والفرنسيين والألمان دور ريادي في اكتشاف هذه الكنوز وكانت المستعربة الشهيرة والمتآمرة الدبلوماسية والجاسوسة البريطانية غيرترود بيل «الملكة غير المتوجة للعراق» والتي يوجد قبرها غير بعيد عن المتحف، داعمة متحمسة جداً لأعمال هؤلاء والألمان هم من بنوا هذا المتحف المعاصر على شاطئ دجلة والذي اعيد افتتاحه امام العامة عام 2000 بعد اغلاقه تسع سنوات عقب حرب الخليج الثانية 1991. وحتى حينما كان الاميركيون يحاصرون بغداد، كان جنود صدام حسين بالقدر نفسه تقريباً من الاستهانة بكنوزها التي سطى عليه اللصوص، فخنادقهم ومواقع مدفعيتهم المهجورة الآن لا تزال واضحة في المروج التي تحيط بالمتحف، بل ان احدها محفور بجانب تمثال حجري ضخم لثور مجنح. ومنذ بضعة اسابيع فقط وصف جابر خليل ابراهيم، مدير اللجنة الحكومية للآثار العراقية، موجودات المتحف بأنها «تراث الأمة» وقال انها «ليست مجرد اشياء تنتظر من يراها ويستمتع بها، بل اننا نستمد القوة منها لنتطلع للمستقبل، انها تمثل مجد العراق». غير ان ابراهيم اختفى، شأن الكثيرين من الموظفين الحكوميين، ولم يبق سوى عبدالجابر وزملائه لمحاولة الدفاع عما بقي من تاريخ البلد، ومعهم بعض بنادق الكلاشنكوف قال لي عبدالجابر: «لا نريد حمل البنادق، لكن على الجميع حملها الآن يجب ان ندافع عن انفسنا لأن الاميركيين سمحوا بحدوث ذلك، لقد شنوا هذه الحرب ضد رجل واحد، لماذا اذن أوقعونا في هذه الحرب مع هؤلاء المجرمين؟». بعد ساعة ونصف الساعة اتصلت بوحدة الشئون المدنية في قوة المارينز الاميركية الموجودة في شارع صدام واخبرتهم بالعنوان الدقيق للمتحف وبحالة محتوياته وقال لي ملازم منها: «ربما نذهب الى هناك» انه متأخر جداً فتاريخ العراق سحق، وانتهى تحت اقدام اللصوص، الذين اطلق الاميركيون لهم العنان في المدينة خلال «عملية التحرير». بالأمس صرخت سيدة بالانجليزية في وجهي معتقدة اني اميركي: «انتم ايها الاميركيون عودوا لبلادكم اخرجوا من هنا لا نريدكم هنا، نكره صدام والآن نكره بوش الذي يدمر مدينتنا» انها لرحمة لها انها لم تتمكن من زيارة المتحف لترى ماذا حصل لتراث بلادها ايضاً الى جانب ما حصل لمدينتها المدمرة. بقلم: روبرت فيسك _ عن «اندبندنت»