الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 كان «حائط العار» يقسّم برلين إلى قسمين، رمز انقسام العالم ما بين المعسكر الغربي الرأسمالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الشرقي الذي يقوده الاتحاد السوفييتي. بلغ طول هذا الجدار 155 كيلومتراً وزاد ارتفاعه عن ثلاثة أمتار ونصف المتر. وقد بُطّن بـ 106 كيلومتراً من الخنادق و 61 كيلومتراً من الأسيجة والحباك المعدنية يُدعّمها 293 مرقباً والعدد نفسه من مراكز كلاب الحراسة، وحقول من الألغام وأجهزة أوتوماتيكية للرماية النارية. بُني الجدار في أغسطس عام 1961 حتى يكون حائلاً أمام الهروب المكثف للألمان الشرقيين المستفيدين من قانون الاحتلال الرباعي المتساهل نسبياً ـ الذي سنّه بعد هزيمة هتلر الروس والأميركيون والإنجليز والفرنسيون ـ نحو الغرب، إلى الجمهورية الفيدرالية، منهكين بذلك الجمهورية الديمقراطية وباقي الدول الأخرى الأعضاء في حلف وارسو، حيث فاق هذا النزيف البشري الثلاثة ملايين ونصف من الأفراد من بين حوالي عشرين مليون ساكن. فقد كان جدار برلين يشكل الحصن المتقدم المنيع لـ «سجن الشعوب» الجديد الذي استحال إليه الاتحاد السوفييتي وريث الإمبراطورية القيصرية. وقد ظل هذا الجدار على مدى ثلاثين عاماً يؤدي وظيفته، فقد كان اجتيازه صعباً وخطيراً خارج حالات العبور النادرة المخصصة للأفراد الأجانب المقيمين بألمانيا، وبشكل استثنائي للزيارات العائلية القصيرة من الجزء الغربي إلى الجزء الشرقي من البلاد. ولكن ما إن حلت السنوات الأولى من الثمانينيات حتى بدأت أركان المعسكر الشرقي في التشقق والتصدع بفعل الضغوط الغربية خاصة التي كانت تجر الاتحاد السوفييتي في سباق محموم نحو التسلح الذي أضر أيّما ضرر بنموه الاقتصادي والاجتماعي وبنمو حلفائه، وأثقل كاهل شعوبه. ففي أروبا الشرقية، من القوقاز إلى آسيا الوسطى بل وفي روسيا نفسها صارت مظاهرات الاحتجاج والتذمر تتصاعد يوماً بعد يوم. الأولوية الخاطئة في موسكو بدأ القادة الشيوعيون يدركون أن دوام سلطتهم وسلطانهم لن يؤمنه سوى إقدامهم على بعض الإصلاحات، لكن بعضهم لم يتفق مع البعض الآخر حول سعة هذه الإصلاحات ولا حول كيفيات إنجازها. انطلق أندروبوف ذلك الرجل اللامع الذي لم يطل بقاؤه في الحكم بعد بريجنيف والذي أصبح خرفاً قبل سنوات من اختفائه، في تحديث عصرنة الحياة العمومية، ولكن المرض الذي ظل متربصاً به لم يمهله، فرحل ولم يحقق من تلك السياسة شيئاً لبلاده. وبعد فترة تشيرنينكو الرئاسية القصيرة جاء ميخائيل غورباتشوف وهو من جيل أصغر سناً وأكثر تفتحاً، فتبنى أفكار أندروبوف، حيث أدخل الاتحاد السوفييتي في سياسة من الوئام السريع مع الدول الغربية، ومن الإصلاحات الداخلية التي تعددت اتجاهاتها وتنوعت مآربها. ولكن غورباتشوف سرعان ما فقد التحكم في تلك السياسة مما جعله يلقي بروسيا «في عهد جديد من الاضطرابات» شبيه إلى حدّ كبير بتلك العهود التي شهدتها البلاد في تاريخها والتي لم تخرج منها إلى الآن. ذلك أن غورباتشوف حتى وإن كان خليقاً بالثناء فقد ارتكب بالفعل خطأ لم يكن ليرتكبه قادةٌ صينيون في تلك الفترة نفسها، بإعطائه الأولوية القصوى للإصلاحات السياسية على حساب الإصلاحات الاقتصادية. ولكن بحكم اختلاف الأوضاع هنا وهناك. فقد يكون الرجل معذوراً بعض العذر إن هو لم يجد أمامه من اختيار غير الذي اختاره ومن رأي صائب غير الذي ارتآه. لكن غورباتشوف لم يجد من يلتمس له مثل هذا العذر ولذلك سرعان ما راحت المعارضة الساخطة تحطم لأول مرة أصغارها وتمزق كماماتها لتنفجر انفجاراً لم يجد المسئولون لاحتوائه. فكانت الثغرة التي أحدثتها هذه الثورة كبيرة التهمت كل الرافضين لسياسة غورباتشوف مما زاد تلك الثغرة عمقاً واتساعاً. وما فتئت عدوى الاحتجاج والرفض هذه أن طالت أيضاً جمهورية ألمانيا الشرقية، قلعة المعسكر الاشتراكي الصناعية، حيث عصفت بها هي الأخرى رياح التغيير بعد أن عاشت أربعين عاماً في قبضة من حديد. ففي ليلة 9 إلى 10 نوفمبر انهار حاجز برلين. ففي حدود منتصف الليل تخلت الشرطة عن المكان تحت ضغط الجماهير التي تجمعت عند ممر «شبكة بوانت شارلي» الشهير وغيره من ممرات الجدار. واندفع سكان برلين الشرقية عبر تلك البوابات لكي يعيشوا ولو صفر اليدين، بعض ساعات حرية الغرب. كان الحدث عيداً غامراً غمرت فيه الفرحة والابتهاج حتى أفراد الشرطة الشيوعية الذين اختفت فجأة ملامح العبوس والتقطيب من وجوههم المكفهرة دوماً. وفي اليوم التالي شرع آلاف الناس من الجهتين في تقويض ذلك الجدار المشؤوم، حجرة حجرة، وحمل كل واحد حجرته معه للذكرى والتاريخ.وعند ظهيرة ذلك اليوم وصل ميستبسلاف روستروبوفيتش الذي كان يعيش في المنفى منذ 1974 والذي جرّد من جنسيته لوفائه المستمر لسولجينستين، إلى عين المكان مع كمانه الشهير، قادماً من باريس في سيارة صديقه الفرنسي أنطوان ريبود الخاصة لكي يقيم احتفالاً شخصياً بالحساسية ويحمد الله على نعمائه. واكتفى بالجلوس عند أسفل الجدار أثناء الهدم وراح يعزف بموسيقى باخ، ترحّماً على أرواح كل الذين سقطوا عند محاولتهم الهروب. وتحت أسر الموسيقى لم يسمع الفضوليون والمتسكعون طرقات المعاول والحفارات. وأكثر من ذلك فلم يسمعوا أصوات امبراطورية روسيا القديمة، أوسع امبراطورية عبر كل العصور وهي تنهار بعد أربعة قرون من التوسع عبر أوراسيا المترامية الأطراف، من إيفان الرابع أول قياصرة الامبراطورية إلى ليونيد بريجنيف آخر القادة السوفييت الغزاة. لقد سجل سقوط حائط برلين نهاية الحرب الباردة. وكان في الأخير يعني أيضاً، لزمن غير محدود على الأقل، نهايةً مغامرة السلاف الأمبريالية الكبرى، وربما كان ذلك هو الأهم في نظر التاريخ، ولكن الموسيقى تسمو على العصور «وسوف تُبعث روسيا من جديد» وهكذا قال روستروبوفيتش على ما يبدو، وهو يعزف ساراباند مدّ وجزر. إعادة التاريخ لأسباب عديدة يتعين على روسيا أن تعيد اليوم تاريخها من جديد، فضمير الروس القومي كان دوماً متميزاً عن الضمير القومي عند مواطني باقي الدول الأوروبية التي تبلورت الهوية عندها خلال قرون من الزمن حول الشعور بالانتماء إلى شعب واحد، داخل حدود تضم أغلبيته تقريباً. فمنذ أصولها الأولى لم تكن روسيا يوماً من الناحية التاريخية دولة أمة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا أو إسبانيا. فقد كانت دوماً امبراطورية متعددة القوميات صارت الأغلبية السلافية فيها تتقلص تدريجياً كلما توغل توسعها الإقليمي في الأراضي الأوراسية الشاسعة حتى أصبحت «عالماً» كما كانت تقول كاترين الثانية. فعلى إثر انهيار الاتحاد السوفييتي طفا على المسرح الدولي أربعة عشر كياناً في شكل دول كاملة السيادة بما فيها روسيا نفسها، في إطار حدودها القديمة كجمهوريات اتحادية، وكان لكل واحدة منها شعبها المهيمن، وهو غير روسي بطبيعة الحال وغير سلافي أيضاً في كثير من الحالات: الدول البلطية الثلاثة (استونيا وليتوانيا ولاتفيا) ودول أروبا الشرقية الثلاثة (بيلوروسيا وأوكرانيا ومولدافيا) ودول جنوب القوقاز الثلاثة (جورجيا وأرمينيا وأذربيجان)، وجمهوريات آسيا الوسطى الخمسة التي كانت تشكل في السابق تركستان القيصرية (كازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان). وفي المقابل فقد شعر الروس في غالبيتهم العظمى بأنهم فقدوا دولتهم الخاصة بهم، تلك الدولة التي اعتبروها دولتهم الفعلية حتى تلك اللحظة، وهي تلك الإمبراطورية العريقة الشاسعة المتعددة القوميات، الموروثة عن قياصرتهم القدماء، والتي ما فتئ البلشفيون يصونونها بل ويوسعونها (بصرف النظر عن «فقدهم» فلندا وبولونيا)، ففي رأيهم أن اتحاد روسيا(أو روسيا الاتحادية) - الذي تقلص إلى حدود امبراطورية القرن السابع عشر وأصبح دون مواصفات حقيقية للدولة، وبعد أن تآكلته طموحات العديد من أقلياته العرقية الانفصالية - سوى قاعدة لانحسار مؤقت حتى وإن ظل بمساحته البالغة 17 مليون كيلومتر مربع - بما يعادل مساحة فرنسا ثلاثين مرة - أكبر بلد في العالم. وعلى العكس من ذلك فإن بعض الدوائر الثقافية «المغرًّبين» (أي المتأثرين بالثقافة الغربية) وحدها هي التي تقدّر أن هذا الانحسار الإقليمي التي ترى أنه انحسار نهائي هو فرصة تاريخية لتحويل روسيا إلى دولة - أمة «عادية» عصرية وديمقراطية. غير أن تأثير هذه الدوائر تأثير هامشي ومحدود بحكم تمثيل شخصياتها الضعيف في الدوما (البرلمان الروسي) الذي أوصلت إليه انتخابات ديسمبر 1995 أغلبية ممّن يحنّون إلى الإمبراطورية القديمة وعلى رأسهم النواة الشيوعيون الذي كانوا أكثر عدداً ونفوذاً في تلك الانتخابات التشريعية. ولا شك أن المسئولين الذين يمسكون بزمام الأمور في موسكو حالياً جد واعين بهذه الذهنية التي يتشاطرونها فيما بينهم إلى حد كبير حتى وإن كانوا يصرّون في الوقت الحالي، مداراةً لشركائهم على الأقل، على ألا يجاهروا بها بأي حال من الأحوال، وفي سياق تاريخي مختلف فإنهم لا يطمحون إلى إعادة بناء الاتحاد السوفييتي، ولكنهم يعدّون في إصرار لميلاد ما قد يشبه ذلك التجمّع الذي سعى الجنرال ديغول لدى عودته إلى السلطة ما بين عامي 1958/1959إلى تثبيته على أنقاض الاتحاد الفرنسي، ما بين فرنسا ومستعمراتها القديمة في إفريقيا السوداء إبان حصول هذه الأخيرة على الاستقلال. وبهذا التصور تحديداً كان تجمع الدول المستقلة الذي قرر يلتسين ونظراؤه في أوكرانيا وبيلوروسيا إنشاءه في اليوم ذاته الذي أعلنوا فيه زوال الاتحاد السوفييتي، تجمعاً انضمت إليه وعلى كثير من العجل جميع جمهوريات الاتحاد القديمة باستثناء بلدان البلقان الثلاثة. ومن الراجح جداً أن لا يكون لهذا التجمع، من الناحية المؤسسية، أكثر حظاً في الاستمرار فترة أطول من تلك التي عاشها الاتحاد الفرنسي الذي شاءه ديغول ولم يكن إلا عابراً. غير أنه حتى وإن لم يكن هذا الاتحاد بدوره في النهاية سوى مرحلة في إعادة بناء العلاقات ما بين موسكو وعواصم العهد السوفييتي من الجمهوريات الفيدرالية القديمة المنبثقة عن غزوات القياصرة فلا ينبغي التقليل من القيمة المثالية لكل الصلات الاقتصادية والثقافية والعسكرية والدبلوماسية الثنائية أو المتعددة الأطراف التي عرفت فرنسا رغم فشل التجمع كيف تصونها أو توطدها فيما بعد. فقد احتفظت فرنسا كيفما كان واتفق بمعظم تلك المستعمرات في فلكها إلى اليوم، وبذلك استطاعت أن ترمي بثقلها المتزايد في قضايا العالم بقوة هي بالتأكيد أعمق وأنفذ مما لو كانت استسلمت منذ العام 1960 للانطواء على نفسها داخل المحور.ولتحقيق سياستها هذه في إعادة بناء منطقتها النفودية فإن في حوزة روسيا بعض الأوراق الرابحة، بشريةً وثقافية واقتصادية وعسكرية ودبلوماسية هي أشبه ما يكون الشبه بما كانت تمتلكه فرنسا في الستينيات وإلى اليوم من أوراق. وعلى مدى هذا القرن أصبحت اللغة الروسية على غرار اللغة الفرنسية لغة الاتحاد الذي لم يبق له أثر اليوم. ومما لا شك فيه أنها سوف تبقى مثلما بقيت وتدعمت الفرنكوفونية على مدى السنوات الأخيرة. ولا ينبغي أن ننسى أيضاً أن القيادات والإطارات الحالية لكافة البلدان الأعضاء في اتحاد الدول المستقلة قد تلقت تكوينها في نفس القالب السياسي البوليسي وأنه إلى جانب المصالح النوعية لكل شعب من شعوبها والتي قد تختلف أو تتضارب فيما بينها فإنه يجمع ما بين هذه القيادات والإطارات الكثير من التواطؤ بل والعديد من المصالح الطبقية التي يصرّون على المحافظة عليها مثلما حافظ النواب والوزراء الأفارقة القدماء في ظل الجمهورية الفرنسية الرابعة على مثل تلك المصالح مع زملائهم الفرنسيين القدماء. وأخيراً هناك أيضاً قوة ونفوذ الأقليات العرقية التي يجب أن يحسب لها حسابها، هناك أولاً الشتات الروسي في معظم الجمهوريات القديمة التي ارتبطت باتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. والذي يميل حالياً إلى التقلص ولا سيما في آسيا الوسطى وبقدر أكبر في الشرق الأقصى والذي مع ذلك قد يشكل في أي وقت من الأوقات ذريعة للتدخل الروسي العسكري لمجرد ما تتوفر الظروف الملائمة لذلك (فقد رأينا ذلك في مولدافيا منذ العام 1991، وقد نراه أيضاً في يوم من الأيام في بلدان البلطيق وفي أوكرانيا، وفي كازاخستان). وهناك أيضاً الأقليات من شعوب الجمهوريات الفيدرالية القديمة التي يمكن أن تصبح يوماً موضع العديد من تحركات موسكو ومناوراتها كما كان ذلك شأنها في مولدافيا مع الانضماميين في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وأدجاريا، أو أن تصبح أيضاً ذريعة للتدخل في الصراع المحتدم ما بين أرمينيا وأذربيجان بخصوص كاراباخ العليا. أوراق رابحة غير أنه على الرغم مما أصابها من ضعف ووهن بسبب سوء تحكمها في سياسة انتقالها إلى الليبرالية فإن روسيا تمتلك أيضاً الكثير من الأوراق الاقتصادية الرابحة القوية، وقد تصبح هذه الأوراق حاسمة في حال نجاحها في الخروج من أزمتها الحالية. فقد كانت اقتصاديات الجمهوريات الاتحادية القديمة جد مترابطة بعضها بالبعض الآخر ولا يزال هذا الترابط كامناً حيث أن قيام اتحاد جمركي يجمع عدداً كبيراً منها أمر وارد في المستقبل على غرار «الألينا» (اتفاق التبادل الحر لأميركا الشمالية الذي يضم كندا والولايات المتحدة والمكسيك). فالاهتمام متزايد في هذا الشأن وقد وقّع في مارس عام 1996 اتفاق في هذا الصدد ما بين روسيا وبيلوروسيا وكزاخستان والقيرغيزستان. وفضلاً عن ذلك تضاعف روسيا في الوقت الحالي الاتفاقات التجارية الثنائية، وأكثرها اتفاقات مقايضة مع شركائها القدماء في اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية ولا تفوتها فرصة استعمال هذه الاتفاقات كوسائل ضغط كلما وجدت سبيلاً إلى ذلك. ففي سياق هذه الضغوط بالذات اضطرت أوكرانيا التي لا تكاد تستغني عن موسكو في تزوّدها بالمحروقات إلى مراجعة أطماعها في الهيمنة على البحر الأسود وإلى التنازل سريعاً عن احتفاظها بقوة نووية على أراضيها.يضاف إلى ذلك كله أن أوراق روسيا الرابحة في المجال العسكري لا يستهان بها أيضاً. فالجيش الروسي الذي أضعفه تقلص أعداده إلى النصف وتخلصه من جزء هام من أسلحته بأرخص الأثمان، وثبّط همّته انسحابه من أوروبا الشرقية وتدهور مستوى حياة ضباطه، لا يزال رغم كل ذلك يمثل قوة لا يستهان بها، ناهيك عن مقدوراته النووية التي تضعه في المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. فلا تزال روسيا ساهرة على كل حدود الإمبراطورية القديمة تقريباً حرصاً منها على البقاء في المحيط الشمالي، وعلى البلطيق، وفي المحيط الهادي، وما بين هذين النقطتين على طول حدود اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية الشاسعة سابقاً مع تركيا وإيران والصين. ومع ذلك تنتفع معظم الدول المستقلة الحديثة من هذه الحماية ولا سيما أصحاب الامتيازات من قادتها الذين يكادون يكونون نفس قادة الحقبة الشيوعية والذين يمثلون حاجزاً في وجه الإسلاميين. وأخيراً تمتلك روسيا أوراقاً دبلوماسية رابحة مؤكدة. فالولايات المتحدة التي تحن، ولو إلى درجة معينة على الأقل، إلى الزعامة المشتركة القديمة لسنوات الحرب الباردة الأخيرة، والاتحاد الأوروبي، وكذلك الصين القلقة من محاولات كسينجيانغ المسلم الناطق بالتركية، الانفصالية، من مصلحتها البديهية أن تحتفظ روسيا بحد أدنى من النظام في امبراطوريتها القديمة حتى وإن كانت بعض الدول وعلى رأسها واشنطن على الأقل، على عكس ذلك مصرة على تكريس تفكيك هذا الفضاء. ولا شك أن موسكو تستثمر ببراعة ومهارة هذه المصلحة الغامضة الملتبسة، كما تستثمر كل المخاوف المبررة أو الواهية التي يثيرها التطرف الإسلامي في «الغرب». وما بين قومية البلدان البلطية المقاومة ومحبة بيلوروسيا لروسيا تقف أوكرانيا بصعوبة على خط متوسط غير مريح هو حل الوسط البديهي للمحافظة على وحدتها المهددة بنيوياً بتباينات إقليمية وثقافية جد قوية. فجزؤها الغربي الذي لم يرتبط قسمه الأكبر باتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية إلا في عام 1939 أو 1945 يتميز بهوية وطنية قوية ليس لها من خلفية تاريخية سوى تلك الجمهورية الفوضوية الزائلة التي تأسست شرقاً ما بين عامي 1918 1920 على أنقاض الإمبراطورية القيصرية ومناورات الجيوش «البيضاء». فشعوبها تؤكد اختلافاتها في كافة المجالات بما فيها الدينية (حيث لا صلة بكاثوليك وأرثوذكس بطركية كييف بكاثوليك وأرثوذكس بطركية موسكو). فعن هذه الشعوب بالذات انبثق معظم السياسيين الذين يطالبون اليوم بتشجيع غير متحفظ من الولايات المتحدة بانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي ومنظمة معاهدة الأطلسي الشمالي - مطالبة تضطرب لها موسكو أيما اضطراب (في 9 يوليو 1997 نجحت أوكرانيا في مدريد في توقيع اتفاقية شراكة مع منظمة ما وراء الأطلسي الكبرى). أما أوكرانيا الشرقية والجنوبية، في المقابل فيتكون سكانها أساساً من الروس ومن الأوكرانيين المروَّسين، وتقوم عليها بعض الحصون المنيعة كحصن منطقة دومباس المنجمية الكبيرة ناهيك عن حصن كريمي التي يرابط بها منذ زمن طويل الأسطول الروسي في البحر الأسود، وهو الحصن الذي سلّمه ستالين لأوكرانيا عام 1956 بدافع ثقته في قادة هذه المنطقة من دون أن يحسب للمستقبل أي حساب. فلا يملك هؤلاء الروس أو المروّسين في وعيهم الجماعي من تقاليد الدولة سوى تقاليد الإمبراطورية القيصرية ثم الاتحاد السوفييتي ولذلك فهم لا يشاطرون بقية مواطنيهم أحلامهم الانفصالية. فهم أكثر وعياً من أولئك بأن بلادهم التي تتحمل عواقب الصدمة التي أحدثها انهيار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية قد ورثت اقتصاداً يعاني اليوم ركوداً كاملاً تابعاً تبعية كاملة لروسيا ولا سيما في مجال تمونها بالطاقة - وتلك بالطبع ورقة رابحة في يد موسكو التي لا تتردّد في استخدامها لتهدئة حماسة الأوساط القومية الأوكرانية المتطرفة المؤيدة للغرب. ولا شك أن جورجيا وأرمينيا وأذربيجان في القوقاز هي المناطق التي انفجرت فيها أكثر الحركات القومية راديكالية لكن هذه الحركات في واقع الأمر لم تكن تسعى إلى التخلص من وصاية موسكو عليها قدر سعيها إلى إعادة البناء الإقليمي والحدودي لهذه المنطقة المعروفة بتعدد أعراقها ودياناتها. وقد استفادت موسكو من هذا الوضع لكي تحافظ أو تعيد بسط نفودها على المنطقة باللعب منهجياً على هذه الخصومات والصراعات المحلية وهي لا تزال تمارس هذه السياسة إلى الآن بقدر كبير من النجاح. ولا شك أن جورجيا وهي موطن ستالين الذي أباد ما يقرب من عشر سكانها (المقدرين اليوم بخمسة ملايين ونصف نسمة) مثال حي عن هذه السياسة الروسية. فبفضل الفوضى العارمة التي طبعت السنوات الأولى من استقلالها وعلى إثر الحروب الأهلية القصيرة التي لم تخل من عنف وساندتها روسيا بشكل غير مباشر استطاعت مناطقها الأساسية الثلاثة أن تفلت من وصاية تبيليسي عليها وهي أبخازيا (وعاصمتها سوخومي، الواقعة في الشمال الغربي من الإقليم على البحر الأسود، وأوسيتيا الجنوبية (وعاصمتها تسخنفالي) على منحدرات القوقاز شمالاً، وأرجاريا (وعاصمتها باتومي) التي يقطنها جورجيون مسلمون في الجنوب الغربي على البحر الأسود أيضاً. وقد أصبحت أولى هذه الكيانات جمهورية مستقلة بينما أصبح الكيانان الآخران مجرد منطقتين مستقلتين. وعندما أصبح رئيساً للدولة عام 1992 لم يجد أدوارد شيفرنادزه الذي كان على رأس الحزب الشيوعي الجورجي في عهد بريجنيف ووزيراً أسبق للشئون الخارجية في عهد غورباتشوف، بدّاً قط من أن يرضخ للأمر الواقع الذي خلفته انحرافات سلفه زفياد غمسا خوداي الذي أطيح به على إثر قلاقل شعبية، ومن اللجوء إلى الجيش الروسي لنجدته ومساعدته على استعادة النظام وإيقاف الخسائر. وعندئذ انضمت جورجيا إلى اتحاد الدول المستقلة، وفي شهر شباط/ فبراير في عام 1998 كاد هذا التصرف «الواقعي» أن يودي بحياة شيفرنادزه الذي لم يفلت من الكمين الذي نصب له إلا بأعجوبة. ولا يقل التاريخ الحديث لأرمينيا أهمية عن تاريخ بقية الأقاليم. فقد تأثر هذا الإقليم الذي ظلت تهيمن عليه حتى عهد قريب الشخصية القوية للرئيس تير بتروسيان الذي أجبر على الاستقالة في فبراير عام 1998 من قبل أطراف أكثر تطرفاً منه، بانضمام منطقة كاراباخ العليا الفعلي إليه، وهي المنطقة التي تقطنها أغلبية أرمنية، وكانت في العهد السوفييتي جزءاً من أذربيجان حيث كانت محصورة بداخلها ومعزولة بحكم هذا الطوق عن الوطن الأم بممر طويل ويدعى «ممر لاتشين» الذي يسكنه الأزيريون، وتحتله في الوقت الحالي قوات إيريفان. ولا تساهم منطقة ناكشيفن الأذرية التي ألحقت بأرمينيا منذ العهد السوفييتي في جعل هذه الوصفية أقل تعقيداً. فقد أبدى الجيش الروسي الذي يواصل تمركزه في هذه المنطقة ومراقبته لحدود الاتحاد السوفييتي القديمة مع كل من تركيا وإيران قدراً كبيراً من الحياد على حساب أذربيجان التي فقدت في هذه المغامرة خمس أقاليمها. ومن الناحية القانونية لم يحقق هذا الوضع المعقد أي تسوية ولا تزال المحادثات الدؤوبة التي تتقن موسكو إدارتها متواصلة إلى الآن في إطار اتحاد الدول المستقلة دون الوصول إلى أية نتيجة. رهان القبضة الحديدية تشكل أذربيجان بالنسبة لروسيا بالفعل هدفاً أساسياً في ترانزقوقازيا. كان رئيسها حيدر علييف مثل جيرانه، رئيساً سابقاً للحزب الشيوعي في جمهوريته في العهد السوفييتي وكان رجلاً مستبداً مطلق السلطة. كما كان نائباً سابقاً لأندرويون على رأس الـ «كي.جي.بي» ولذلك فهو يعرف أدق الحيل. وقد عرف كيف يفلت من العديد من محاولات الاغتيالات والانقلابات التي لا يُخفى مدبروها عن أحد. غير أنه على الرغم من قبوله دون تردد بمشاركة أذربيجان في اتحاد الدول المستقلة إلا أنه ظل يرفض في عناد حتى هذه الساعة عودة الجيش الروسي إلى أراضيه رغم كل متاعبه في كاراباخ العليا. ولا شك أن رهان القبضة الحديدية هذه هو، بالطبع، البترول، بترول باكو الذي تم استخراجه قبل ثورة 1917، ولكن أيضاً بترول بحر قزوين، ثم أيضاً بترول تركمانستان، الذي بات احتياطه يتجلى شهراً بعد شهر أكثر فأكثر أهمية كلما تواصلت الاستكشافات وتعمقت. وتمثل أذربيجان وعاصمتها ممراً إجبارياً لتصريف جزء كبير من هذه الثروات أياً كانت المسارات المرسومة، سواء كانت طرقاً «غربية» عن طريق جورجيا أو عن طريق أرمينيا وتركيا، أو كانت طرقاً روسية عن طريق داغستان، وشيشينيا الحافل بالمخاطر، حتى وإن بات المسئولون في موسكو بعد فشل استعادة الهيمنة العسكرية يهددون من حين لآخر ببناء خط أنابيب جديد يمر إلى الشمال بعيداً عن هذه المناطق. ويعني ذلك أن المنطقة بدأت تشهد حرب «الأنابيب» حرب يخوض فيها الأميركيون في عناد شديد سياسة إنهاء تفكيك الاتحاد السوفييتي سابقاً. وفي هذه الحرب يكتفي حيدر علييف بتصعيد المزايدات باللعب ما بين طموحات الروس والأميركيين وما بين طموحات الأتراك والإيرانيين أيضاً. غير أنه من المؤكد أن أذربيجان إن قبلت يوماً بترجيح المصالح الروسية فلن يكون لأرمينيا تأثير كبير، لأن دعم موسكو الحالي لإيريفان، كما هو واضح، ليس سوى وسيلة في أيدي قادة الكرملين للضغط على قادة باكو.