الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 لا، ليس هذا سقوط سور برلين. فسقوط سور برلين نبع من مسيرة نضوج داخلية، وليس لغزو خارجي. سقوط سور برلين جرى في أعقاب ثورة مدنية هادئة، وليس في أعقاب حرب عنيفة. اكتوبر 1989 فتح ثغرة لمسيرة سريعة مفعمة بالأمل لاندماج اوروبا الشرقية في الغرب، فيما يفتح ابريل 2003 ثغرة لمسيرة شرق اوسطية غير واضحة، مخاطرها الكامنة ظاهرة بينة. ومع ذلك، فان وجه الشبه بين سقوط تمثال صدام في ميدان بغداد مؤخراً، وبين سقوط التماثيل السوفييتية الكبرى قبل 13 سنة، ليس صحيحا تماما. ففي الحالتين يدور الحديث عن لحظات تاريخية مصممة. وفي الحالتين يدور الحديث عن اجراءات صاخبة لانهيار طغيان، عن أحداث غير مفهومة لتحرير جماهيري. لا يدور الحديث فقط عن العراق، بالطبع. لا يدور الحديث فقط عن صدام حسين ونظامه. يدور الحديث عن المنطقة بأسرها، بحيث ان هذا حقيقي هذه المرة، ليس هذا بخيال: شرق اوسط جديد، ما ولد مؤخراً في بغداد هو شرق اوسط جديد. لا أحد يعرف كيف سيكون شكله. لا أحد يعرف أي شياطين قد تظهر من داخله. ولكن شيئا واحدا واضح: لن يكون ما كان عليه في الخمسين سنة الاخيرة. لن يكون منطقة تحكمها سلسلة من الطغاة المتحجرة والفاسدة، ما كان هنا على مدى نصف قرن لن يكون بعد اليوم. رعشة قلق مرت هذه الليلة في العمود الفقري لكل طاغية. وهذه رعشة مبررة. فالاميركيون الذين وجهوا وخططوا ونفذوا الحرب ضد العراق هم اميركيون جديون جدا. ليس لديهم رحمة، ليس لديهم أعقاب وليس لديهم مشاعر رخيصة. هم مقتنعون بأن مهمة حياتهم هي انقاذ الغرب وهم لا يعتزمون الفشل في مهمتهم. وعليه فان دمشق على جدول الاعمال، والرياض على جدول الاعمال، بل ان القاهرة ايضا على جدول الاعمال. فما بالك مجلس «يشع» للمستوطنين. كل الشرق الاوسط برمته موضوع الآن على طاولة العمليات الجراحية الاميركية، كل الشرق الاوسط برمته يوشك على التذوق قريبا لطعم مبضع الجراحين المحافظين الجدد في واشنطن. لا يزال كل شيء مفتوحا، لا يزال يحتمل بان يغرق العراق في فوضى عسيرة. فالاحتلال الانجليزي - الاميركي من شأنه ان يتعقد وان يتشوش. ولكن بعد يوم من سقوط بغداد، لا مفر من نزع القبعة امام عصبة رعاة البقر الجالسين في البيت الابيض وفي البنتاغون. لا مفر من نزع القبعة امام عصبة صغيرة من الاشخاص المصممين الذين دفعوا الى انهيار امبراطورية الشر السوفييتية في الثمانينيات والان يصارعون ضد «محور الشر» الحالي. كما أنه لا مفر من نزع القبعة أمام البساطة الاميركية وامام الميل الاميركي في رؤية الامور بالاسود والابيض، الطيب والشرير. وعدم التردد في الصراع ضد الشرير. عدم الخوف من شن الحرب على الشرير. الان كل شيء منوط بالمجتمعات العربية نفسها. كل شيء منوط بالجمهور العربي. ذلك أن ما فعله المارينز في الاسابيع الاخيرة في العراق هو منح مواطني العالم العربي فرصة لم تتوفر لهم أبدا. وهكذا ابتداء من الايام الماضية ليس فقط 24 مليون عراقي، بل 250 مليون عربي يقفون امام الاختبار. فهل سينجحون في اقامة مجتمعات حرة؟ هل سينجحون في ادارة حياتهم بشكل ديمقراطي وعقلاني؟ من اجل العراقيين ومن اجل العرب جميعا، وكذا من اجل الاسرائيليين يجب الامل بان ينجحوا في الاختبار . يجب الامل في ان لحظة انهيار تمثال صدام في بغداد ستكون لحظة مولد نظام اقليمي جديد، وليس لحظة نشوب اضطراب لا سابق له. بقلم: آري شفيت _ عن «هآرتس»