الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 بغداد لم تسقط. بغداد نهضت. بغداد نهضت من كابوس لعشرات السنين من الطغيان الوحشي.بغداد نهضت من نظام الرعب الصدامي الذي خنق سكانها.بغداد نهضت من الاذلال والقمع والفظاعة.بغداد نهضت من ظلمة القرون الوسطى وهي تستيقظ الى الحياة. بغداد لم تسقط.بغداد نهضت ليوم جديد.بغداد لم تحطم.بغداد نهضت من حطامها. بغداد لم تحتل.بغداد حررت في احدى الحروب القصيرة، الناجعة، المفاجئة، قليلة الدمار والضحايا في التاريخ في الزمن الحديث.الجيش الأميركي ما كان سيصل الى وسط بغداد في حملة مندفعة من 21 يوما لو رأى فيه العراقيون قوة احتلال، قوة اجنبية تغزو بلادهم.فقد كانوا سيسدون طريقه باجسادهم.وما كان بوسع الأميركيين ان يحطموا مقاومة عراقية شعبية.لا عسكرية، ولا اخلاقية ولا سياسية. ولكن هذا لم يحصل.مواطنو العراق رأوا في الجيش الأميركي جيش تحرير.جيش الديمقراطية.معارضو الحرب كانوا يتظاهرون ضد أميركا في شوارع باريس، فيما استقبل سكان بغداد بهتاف الفرح الجنود الأميركيين.وعندما أحرق المتظاهرون في برلين الاعلام الأميركية، قبَل سكان بغداد المحررة الاعلام الأميركية. صحيح ان الأميركيين يجلبون اليوم الديمقراطية الى بغداد على الدبابات، ولكن العراق سيكون ديمقراطية بفضل نفسه.انه سيكون الدولة العربية الاولى التي تزاح عنها لعنة الاجيال والتي تقضي بان الديمقراطية والعروبة يتعارضان، يتناقضان جوهريا.في العراق ستدحض نظرية ان الثقافة العربية ترفض قيم الديمقراطية الليبرالية لوجود قيم اخرى لها. عن أي «قيم اخرى» يدور الحديث هنا؟ عن قيم شرطة عسكرية وراء كل زاوية شارع؟ عن قيم اقبية تعذيب؟ عن قيم الناس الذين يختفون في ظلمة الليل؟ عن قيم شعب يتضور جوعا فيما يبني زعيمه لنفسه القصور؟ عن قيم تطوير اسلحة كيماوية وبيولوجية بثمن منع الادوية عن المستشفيات؟ عن قيم معسكرات الابادة، والقبور الجماعية، وثلاثة حروب امبريالية فاشلة؟ لا توجد ثقافة انسانية كهذه هي قيمها. في نهاية الحرب العالمية الثانية قرر الخبراء في الشرق الاقصى بان اليابان لن تكون ديمقراطية أبدا.ديمقراطية غربية، قالوا، تتعارض والتقاليد اليابانية، وثقافتها، وتربيتها، وزعامتها، وقيصريتها.و «قيمها».ديمقراطية غربية، شرحوا، لن تستوعب في اليابان ابدا لانه جاء بها المحتلون الأميركيون الاجانب، الذين القوا قنبلة ذرية على هيروشيما. خمس سنوات بعد استسلام اليابان صارت ديمقراطية كاملة.وهكذا بقيت حتى اليوم، لوقت طويل بعد أن غادر آخر الجنود المحتلين اراضيها. الكثير من الدول قيل عنها انها لن تكون ابدا في التاريخ ديمقراطية، وان لها «ثقافة» و«تقالي» و«دين» لا تنسجم والديمقراطية.وها هي ديمقراطية بكل معنى الكلمة: الارجنتين وتشيلي، رومانيا وبولندا، كوريا الجنوبية وغانا، جنوب افريقيا واسبانيا، البرتغال ومونغوليا.والعراق ايضا سيكون.ولماذا لا يكون؟.دول ذات بنية عرقية وقومية اكثر تعقيدا صارت ديمقراطية.في صالحها. ثمة في الديمقراطية قوة داخلية لا توجد في اي نظام آخر.انها تتوجه الى الانسان وتعول على الانسان، وهي الوضع السياسي الطبيعي للانسان، دون تمييز في الجنس، في القومية، في الثقافة، في الدين او بين الرجل والمرأة.الانسان لا يحتاج لان يتعلمها، لانها موجودة في دمه.كامنة فيه منذ ولادته.منخرطة في جيناته. اقامة ديمقراطية في العراق، على ايدي العراقيين ومن اجل العراقيين ستستغرق وقتا ولكنها ستؤدي الى هزة ارضية في كل منطقة الشرق الاوسط. كل دكتاتور يأتي يومه.مؤخراً سقط احدهم، صدام حسين.هو سقط، أما بغداد فلم تسقط.بغداد نهضت تنصب قامتها. بقلم: سيفر بلوتسكر _ عن «يديعوت أحرونوت»