الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 على الرغم من ادعاء فرانسيس فوكوياما في سنة 1993 نهاية التاريخ إلا أن الكثير قد تحقق منذ الحادي عشر من سبتمبر، وحروب البلقان، فأين يضع هذا نظريته الشهيرة؟ وما الذي يعتقد الآن أن الغد سيحمله للإنسانية؟ ربما تتوقع أولا وقبل كل شيء، أن يكون هناك نوع من الاعتذار يقدمه فوكوياما، خبير الإقتصاد السياسي الذي قال لنا على نحو شهير قبل عقد من الزمان فحسب أنه يفضل انهيار الشيوعية السوفيتية فقد وصلنا إلى نهاية التاريخ. إن العالم كما قال في كتابه الأكثر مبيعاً نهاية التاريخ والرجل الأخير قد هدأت حركته هو يمضي وفق النموذج الغربي الذي تمثله الرأسمالية الليبرالية ولم تعد هناك حاجة للخوف من صدام الحضارات العظيمة. وربما يجد بالمثل أن هذه اللحظة تعد اللحظة المناسبة للإعراب عن شعوره بالأسف بسبب وضع اسمه على الرسالة التي وجهت للرئيس بيل كلينتون، قبل سنوات قليلة، مناشداً إياه القيام بعمل عسكري ضد صدام حسين والعراق. الرسالة حملت أيضاً توقيع شخصيات معروفة مثل بول ولفوويتر ودونالد رامسفيلد، اللذين على الرغم من أنهمالم يكونا في الحكومة في ذلك الوقت،إلا أنهما الآن - بوصفهما الرجلين المهمين في البنتاغون - هما المسئولان الرئيسيان عن الزج بنا في أتون الحرب في العراق. ومع ذلك، فقد يراودك شعور بالإحباط. إلا أنها رفاهية الأكاديميين، في مواجهة القادة السياسيين، القائلة بأنه ليست هناك حاجة للتواضع. أما الآن وهو يعمل أستاذاً للدراسات الدولية المتقدمة بأحدى الكليات التابعة لجامعة جونز هوبكنز الواقعة في واشنطن العاصمة، فإن بروفيسور فوكوياما لايجد صعوبة في إيضاح ما يعنيه. كما لايبدو من قبيل التناقض بالنسبة له أن يكون كتابه الصادر مؤخراً مستقبلنا ما بعد الإنساني، الذي صدرت طبعته الشعبية ذات الغلاف الورقي مؤخراً فصلا بعنوان «التاريخ يبدأ مجددا». وربما سيود أولاً، أن يصحح الأمور بالنسبة للعراق. وهو يتحدث من مكتبه الجامعي ويحرن فجأة، على الرغم من أن ذلك يحدث بلطف ورباطة جاش، إزاء الاشارة الرسالة كانت الدليل على ما يرى بعض المعلقين المناهضين للحرب أنه مؤامرة بين الصقور المحافظين في واشنطن بالسياسة الأمريكية الخارجية والمضي بها إلى القيام بعمل عدواني مسلح ضد صدام. غير أن تلك المؤامرة لم تؤت ثمارها إلا بوصول جورج بوش إلى السلطة، هو وقاعدته الجمهورية. يجيب فوكوياما قائلا: «في تلك الحالة، فقد كانت إحدى أكثر المؤمرات التي دبرت ذيوعاً بين الناس» وهو يتوقف لحظة قبل أن يهاجم الطريقة التي استخدمت في الرد على صدام والتي أفضت إلى الصراع. والواقع، انه يوبخ إدارة بوش لتجاهلها الرأي العالمي وتحريكها الجيوش من دون الحصول على تأييد دولي. ويبدأ فوكوياما حديثه، متنصلاً من أي شكل من أشكال المسئولية عما نجد فيه أنفسنا الآن قائلا: على الرغم من توقيعي الرسالة، إلا أنني لم أشعر على الإطلاق بالسرور تجاه الأسلوب الذي تم من خلاله القيام بهذا العمل. وفيما يتعلق بالتوقعات ذات العلاقة بالأرضية التي سنضع عليها أقدامنا ما أن تضع الحرب أوزارها يعلن فوكوياما عن احتجاجه. الرسالة لم تقل أنه ينبغي لكم أن تمضوا بشكل أحادي، وأن بإمكانكم أن تفعلوا هذا من دون احترام لوجهة النظر التي تتبناها باقي دول العالم. لم يكن ذلك هو ما وقعت عليه. لاأعتقد بأن العراق يعد المشكلة الوحيدة الأكثر إلحاحاً في العالم وأنه يمكن لك بالتالي أن تخضع لهذا كل علاقات ومشاعر الود التي تربطك ببقية دول العالم. إن هذا لايمكن له أن يكون أسلوباً رابحاً. والآن، ماذا عن هذا الركود الذي يعاني منه التاريخ الذي كان يتحدث عنه من قبل؟ الواقع أن، هذا التغير الواضح المفاجيء في كتابه الجديد لايقصد به التناقض مع أرائه السابقة على الإطلاق. لان أطروحته، كما يصر على ذلك، لا تزال سليمة إلى حد ما. وكل ما هنالك هو أن تغيراً جديداً كان قد طرأ على الموقف، لكي يعقد الأمور بعض الشيء. إن كتابه «مستقبل مابعد الإنسانية» يتعلق بالتكنولوجيا الحيوية، والعقاقير الكيميائية النفسية والهندسة الوراثية لأجسامنا، وكيف أن تطور علوم الحياة هذه يهدد بالقضاء على كل ما له علاقة بالبشرية. إنه يتحدث عن الرايتالين والكائنات المستنسخة. لكن لندع هذا جانباً، ولننظر إلى الطريقة التي يستطيع من خلالها أن يعزز كتابه الأول، الكتاب الذي حقق الرقم القياسي في اللقاء على قائمة أفضل المبيعات في أمريكا وترجم إلى 22 لغة؟ لنرى ذلك. فمنذ صدور ذلك الكتاب غمرتنا سنوات من الحرب في البلقان، وتهاوى مبنى البرجين في نيويورك، والآن حريق في العراق. وبلاشك فهو يحتوي على الكثير من التاريخ في جنباته. ولكي نكون منصفين، فإن مقدمته المنطقية لم تقل أن لاشيء أكثر سيحدث على كوكبنا وأن المؤرخين وكتاب العناوين الرئيسية في الصحف سيجدون أنفسهم بلاعمل بعد وقت قصير من الآن. إن فوكوياما كان يتحدث أكثر عن التاريخ كما يعرفه الفيلسوف الألماني هيجل بوصفه عملية النشوء في المجتمع الإنساني. لقد كتب يقول اننا توصلنا لنفس النتيجة تقريباً بسقوط جدار برلين وهي أن رأسمالية السوق الحرة،إلى جانب الملكية الفردية،والتجارة والمشروعات الابتكارية، كانت هي النموذج الأمثل، وإن أتت بأشكال مختلفة بعض الشيء. فوكوياما ليس بحاجة إلى التبرأ من نظريته الشهيرة طالما أن بالإمكان فهمها على النحو الصحيح. إنه يفترض أن «نهاية التاريخ» كان يتناول عملية التحضر التي تستغرق وقتاً طويلاً، بغض النظر عما إذا كانت هناك في الأساس طريق فسيحة واحدة للسير فيها، أو كانت تلك العملية تميل نحو التحول إلى مجموعة من المؤسسات الأحادية. حسناً، إذ لايوجد هناك الكثير من المسارات البديلة للتحضر في الواقع، ولو أنك نظرت إلى ذلك على المدى البعيد، لقلت لك أن ذلك هو الشيء الصحيح. انظر إلى الصين على سبيل المثال، حيث كان قد سافر لإلقاء محاضرات هناك. يقول إن هذا مجتمع يستلزم أن يكون ذلك بالنسبة له من الأمور التي تأتي في المقدمة وفي القلب. فبينما تصبح الصين أكثر ثراءً،فلابد من أن تكون هناك حاجة متزايدة إلى الديمقراطية، بغض النظر عن الحقيقة القائلة بأن الحكومة الشمولية هي التي أوصلتهم لهذه الطريق. إلا أننا بالتأكيد هل نقف في منطقة وسط تماماً من صدام الحضارات اليوم- الصدام بين المسيحية والإسلام، او على الأقل بين عناصر الإسلام المتشددة؟لا، إن هذا غير صحيح تماماً أيضاً،ثم يشير على نحو تميزه الجرأة بعض الشيء، إلى أن هجوم 11 سبتمبر الذي تعرضت له نيويورك كان صورة موضوعة على المخطط الأكبر للأشياء، مثلما لا ينبغي لحرب العراق أن تزيغنا أيضاً. أعتقد بأن العراق يشكل نوعاً من الأمور التي لاعلاقة لها بذلك. وكذلك فلا القوميون العرب ولا المتشددون الإسلاميون، ولا أي بديل آخر في ذلك الجزء من العالم، يطرح حقيقة مسلكاً خطيراً يهدد عملية التحضر. وغدا السؤال هو هل يكون هذا صداماً حقيقياً بين حضارتين متساويتين في مفعولهما بمعنى أن كلا منهما تبدو واعدة كالأخرى وبعد 50 عاماً من الآن ستدخلان في مرحلة من المنافسة. وبالتالي كما أعتقد فإن الإجابة ستكون واضحة بالتأكيد. إنها مباراة غير متكافئة. غير أنك إذا ما ضغطت على فوكوياما فسوف يتسنى لك الحصول على بعض التنازلات. إنه يعترف بقوله: «ربما تمكنت من التقليل من سلطة القومية في اوروبا في أثناء حرب البلقان وذلك قبل سعيه إلى البرهنة بشكل سريع على انها انتهت بصربيا التي التقت مع باقي أوروبا وسلكت بالتالي المسار التطوري نفسه الذي كان يصفه. ولكنه،يشير، أخيراً، إلى سيناريوهات ثلاثة حيث تصبح نظرية،نهاية التاريخ معرضة للخطر. الأول لايتحدث عن عن الارهاب بالمعنى التقليدي، وإنما الإرهاب الذي تسانده الأسلحة النووية. ويقول لو أن بوسعك أن تتصور عالماً لا وجود للأسلحة النووية فيه، ربما قلت أجل، هناك إرهاب ولكن هذا القطار المحمل الذي يتجه إلى التحضر في باقي أنحاء العالم لن يخرج عن خط سيره بسببه. ولكن بوضوح إذا كانت بقية المناطق قد قررت البقاء خارج هذه الدائرة ولم ترد الإنضمام لهذا القطار ويمكنها استخدام اسلحة الدمار، فإن ذلك سيكون تعقيداً خطيراً. وما هي التعقيدات الأخرى؟ يقول ان إحداها هي، الحكومات الموغلة في السوء في بعض مناطق العالم، وعلى وجه الخصوص المناطق المجاورة للصحراء الإفريقية، وعلى نحو أقل، أميركا اللاتينية. إن التحضر الذي يتحدث عنه لا يمكن تحريضه إلا بالتطور الاقتصادي، الذي يستريح بدوره في احضان الحكومة التي يتوفر لها الحد الأدنى من الفاعلية. كما انه ايضاً، وعلى نحو مثير للدهشة قليلاً، يشعر بالقلق تجاه الأفكار المتعلقة بالصراع حول السيادة بين الولايات المتحدة وأوربا. يقول فوكوياما ان الولايات المتحدة بالمقارنة بالدول الأوروبية تبدو أقل ميلاً إلى الاهتمام بفكرة السيادة الخاضعة للمؤسسات الدولية الأكثر اتساعاً، فيما يشير إلى أن بريطانيا ربما كانت تشكل استثناءً إذا كان الأمر يتعلق بأوروبا. يقول مشيراً إلى ضعف الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة وقد زاد الشأن العراقي من تفاقم الأمر، وبالنسبة لي لا أرى في الحقيقة انه سيخمد في المستقبل. إلا انه يؤجل النقاش حول الموضوع الأكثر اهمية حول مستقبلنا ما بعد الإنساني. الذي صرف عنه النظر بعض المراجعين بوصفه مثيراً للرعب وهستيريا هذا الكتاب الذي يحدد مصير الصيادلة والعلماء الذين يهيمنون على مشاعرنا، وعقولنا، وأخيراً،حتى تركيبتنا الوراثية. يقول ان المساعي التي تبذلها الهندسة الإجتماعية التي يقوم بها الاقتصاديون والقادة السياسيون في القرن القرن العشرين قد آلت في النهاية إلى الفشل،لأنهم ببساطة لم ينسجموا مع متطلبات الطبيعة الإنسانية الأساسية. يقول مشيراً إلى تجربة الإتحاد السوفييتي السابق، والصين وكوبا ولو أردت القضاء على الملكية الفردية أو....، فإن الناس لن يكونوا مستعدين للإستجابة لهذا النظام. لقد اثبت عدم جدارته،كما ان انهيار تلك النظمة يبرهن على ذلك. بعض التأثيرات أصبحنا نشعر بها الآن. فهو يشعر على سبيل المثال بالقلق تجاه النجاح الذي اصبحنا نراه في زيادة متوسط العمر. إن الخطر هو ان تتحول بعض الدول إلى مناطق هائلة الامتداد لرعاية كبار السن مع تضاؤل حجم الإنتاجية والأعباء المالية المتزايدة للحكومات. إن متوسط أعمار دول مثل إيطاليا واسبانيا وألمانيا يتزايد على نحو واضح، وكذلك معدلات الإصابة بالزهايمر، في الوقت الذي تزيد أعمار الناس على 85 عاماً. وهذا التطور يزداد حدة حتى لو تمكن العلماء من تحديد الكيفية التي يتم من خلالها التلاعب بالقواعد الأساسية للجزئيات المسئولة عن التقدم في العمر. إن التدخل الجيني الأساسي قد لايضيف فقط بضع سنوات إلى أعمارنا ولكن ربما زاد على نحو دراماتيكي معدلات الحياة. وسيكون ذلك مجتمعا مختلفا إلى حد بعيد. ترجمة: مريم جمعة فرج عن «إندبندنت»