الاثنين 12 صفر 1424 هـ الموافق 14 ابريل 2003 عندما بدأ قصف بغداد، اغلق كريم، وهو شخص يمتلك محل حلاقة يقع في احد شوارع العاصمة العراقية بالقرب من السوق الرئيسي للمدينة ابواب محله. ولكن بعد مرور أيام قليلة من الأسبوع الثاني للحرب، عاد لممارسة عمله، وطلبت اذناً من وزارة الإعلام العراقية لأذهب لقص شعري في هذه المحل. فقد بلغت القيود المفروضة على الصحافيين آنذاك درجة كبيرة من التعسف حتى ان الذهاب للحلاق من دون اذن اضحى أمراً يثير الشكوك. وكريم هذا من الاشخاص الذين يبحثون عن الكمال عند اداء عمله. فحلاقة الشعر وتشذيبه بالنسبة له عملية يمكن ان تستغرق منه 40 دقيقة، وهو امر يبعث على الراحة والاسترخاء. وعندما وصلت اليه، كان كريم في طريقه للانتهاء من شخصين كانا يصبغان شعريهما وشاربيهما. وكان بصحبتي عندما وصلت اليه سائقي صباح. ويهتم الرجال العراقيون كثيراً بمظهرهم الخارجي، ويعتبر تشذيب الشارب امراً تتطلبه الضرورة الاجتماعية والعادات والتقاليد التي يسير عليها هذا الشعب، اما الذقن فيتم حلقها. وكان أحد زبائن المحل يجلس عندما وصلت بالقرب من الباب كي يسمح للهواء بتجفيف شعره والمعجون الموضوع على شاربه. وكان هناك آخر يجلس على كرسي الحلاقة، كان فيما يبدو من ملابسه انه من ضباط الجيش. وقال هذا الأخير: «هاللو، هاللو». قالها بالانجليزية، حيث عادة ما يستخدم العراقيون هذا اللفظ الانجليزي للترحيب والتحية. وكان هذا الرجل يحمل جراب مسدس ومسدساً مطليا بالذهب. وقال وهو ينهض من مكانه بالانجليزية ان «العراق لا يريد إلا السلام، والسلام فقط». ثم ذهب هو وصديقه بعد القاء التحية علينا. وفي الخارج كان الناس يحملقون إلى أعلى ناظرين إلى السماء.. وكان بوسع المرء ان يسمع أصوات هدير طائرات بي ـ 52 وهي تطير في الأفق وبعد ذلك بدقائق، يسمع صوت انفجارين كبيرين اهتزت معهما المباني الموجودة بالشارع، وتأرجح بشدة الغطاء البلاستيكي الذي كان يغطي نوافذ المحل، غير ان كريم لم يبد أي اهتمام.وانا في طريقي لمحل كريم مررت بالسيارة على فندق السفير الواقع في شارع ابو نواس حيث اعتدت ان اقيم في بغداد، واثناء مروري لاحظت انه تم وضع سور حول نوافذ الدور الأرضي للفندق بعد تحطمها. وتعرض مبنى وزارة الدفاع الجوي، الذي يقع بعد الفندق بعدة ابنية، هو الآخر للقصف الذي سواه بالأرض أثناء الايام القليلة الأولى للحرب وحوله إلى اكوام من الحجارة والاسمنت غير ان تمثال الرئيس العراقي صدام حسين الذي يقع أمام المبنى لم يصب بسوء. وقد كان من الصعب ان تتفقد المكان في هذا المشهد. فلم يكن يسمح للصحافيين بزيارة المواقع التي تم قصفها حديثاً إلا من خلال مجموعات مصحوبة بحراسة، ولم يكن يسمح بزيارة جميع هذه الاماكن، وكان على سائقي الصحافيين ومرافقيهم ان يجدوا ويكتشفوا طرقاً مختلفة كل يوم يستخدمونها في قيادتهم من دون أن يسمحوا لنا برؤية آثار ما حدث في الليلة السابقة من قصف. وتم طرد صحافيين، احدهما استرالي والآخر من جنوب افريقيا، من البلاد كلية بسبب تجرؤهما على الذهاب وحدهما من دون إذن لتفقد آثار الدمار الذي لحق بوزارة الاعلام. ومنذ هذه الضربة التي لحقت بالوزارة توقف الصحافيون عن استخدام جسر السنك لعبور نهر دجلة وذلك لان الطريق التي تقود للجسر تمر خلف مبنى الوزارة. وعادة ما يحاول السائقون اقناعنا بأن نمكث في الفندق. وأضحى تقريباً من المستحيل العثور على مطاعم مفتوحة لتناول الغذاء، تلك المطاعم التي كانت تعطي في السابق شعوراً بالحرية للصحافيين، فلم يعد هناك إلاّ مطعمان مفتوحان في بغداد، ومن أجل تجنب المشكلات بطريقة أو بأخرى كان سائقي صباح يلجأ إلى الحصول على طلبات خارجية من احد المطعمين حيث لا نضطر للأكل بهما. وكان صباح يقيم في أي فندق انزل به وكان يحجز غرفته بموجب الخصم المقدم للعراقيين فقط، ولا يتمتع به غيرهم. وكان يأتي اليه يوميا احد ابنائه لاخباره بأحوال اسرته، وكانت زوجته التي يشير اليها باسم «مدام صباح» ترسل الينا عادة فطائر طازجة وترمساً مليئاً بالقهوة التركية. ويذهب صباح لزيارة اهله كل يومين أو ثلاثة أيام. وكنت أحثه على زيارتهم أكثر من ذلك ولكنه كان يقول ان هناك في منزله أناساً كثيرين وان البيت مليء بالضوضاء التي تصيبه بالازعاج. فقد كان يقيم معه في البيت نفسه، بالاضافة الى زوجته وابنائه الثلاثة، اطفال اخوته الاربعة وزوجاتهم وأمه العجوز، حيث يعيش كل هؤلاء في منزلين متجاورين، علاوة على ان احدى اخواته واطفالها الاربعة يعيشون معه. وكان هؤلاء يسكنون بالقرب من مصفاة الدورة النفطية، اي في منطقة تتعرض لقدر كبير من القصف. وحدث ان بعض اجزاء من صاروخ اطلق من قوات التحالف سقطت في احد الشوارع القريبة من منزل اثنين من ابناء صباح كانا يعيشان على بعد بناية واحدة من منزل صباح. واحد هذين الابنين متزوج ولديه طفلان صغيران، واضطر الابناء الى الانتقال الى المكان الذي تقيم فيه بقية العائلة. وبتقديري انا بعد الاستماع لرواية صباح، هناك 33 شخصاً يعيشون في منزلين بهما خمس غرف نوم. واثناء هذه الأجواء المرعبة، سمعت صوت قعقعة تحت ونظرت لأجد رجلاً يقود عربة بحمار تحمل صفائح مياه في شارع أبو نواس. ووصل مجموعة من قادة وشيوخ القبائل والعشائر العراقية للتعبير عن ولائهم للرئيس العراقي. وقد وصل عشرات منهم مرتدين زيهم التقليدي على متن حافلات صغيرة وقفت حول فندق بغداد القديم الذي يقع على بعد ثمانية أو عشرة أبنية من فندقي فلسطين وشيراتون، وقيل ان الشيوخ يتلقون اموالاً واسلحة مقابل حشد وتجميع الاهالي لمحاربة الاميركيين والبريطانيين. وبعد عدة محاولات نجحت في التحدث مع بعض منهم. واخبرني اثنان منهم وهما سلمان جميل وخليل المشاقي كانا في الاربعين من عمرهما، انهما من دياك، وهي منطقة ريفية بالقرب من الحدود مع ايران. وقال الشيخ جميل انه يمثل 1000 شخص معظمهم من المزارعين. وقال «إن هذا واجب الشيوخ ان يعملوا على الدفاع عن اراضيهم. وقد جئنا الى هنا لدعم وتأييد القيادة ونقول لا للعدوان على وطننا!!». وسألت جميل من الذي يتمنى رؤيته في بغداد، وهل سيقابل الرئيس العراقي، وحينذاك تبادل النظرات مع الشيخ موشاقي وقال: «ربما سوف نقابل احد المسئولين المهمين من الحكومة لاخبارهم بأننا مستعدون للقتال». وتجمع حولنا مجموعة من الشيوخ الآخرين ليستمعوا إلى ما نقول. وقاطعنا احدهم قائلا: «نحن هنا لنجدد وعدنا بالقتال مع الحكومة. فإذا كان الاميركيون يأتون كضيوف فسوف نرحب بهم، ولكن اذا جاءوا لاحتلال بلدنا فسوف نقتلهم. فأنت رأيت ما يحدث لأنك هنا تعيش معنا» وعندما كان يقول العبارة الأخيرة أومأ الرجل برأسه في اشارة منه الى المباني التي تم قصفها حول بغداد. واضاف: «لم يقم أي حد بأي شيء ضدهم، ولكن الأميركيين اتوا الى هناك. تعرف لماذا؟ «وبدا الرجل بالفعل وكأنه يبحث عن اجابة لهذا السؤال». وسألني شيخ عجوز يرتدي معطفاً فضفاضاً مرصعاً بالذهب ما إذا كنت اميركيا. واجبته بالايجاب، ثم كرر السؤال نفسه حول لماذا جاءت اميركا الى هنا. وأخذ الرجل يحملق في وجهي، فقلت له ان السبب في رأيي هو هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي احدثت تغييرا من الاعتبارات الامنية للولايات المتحدة وبدا ان الرئيس بوش والقادة الغربيين الاخرين قد قرروا ان نظام صدام حسين نظام عدو لهم وان العراق بلد خطر ولهذا السبب يجب رحيل الرئيس العراقي. لكن العجوز لم يوافق على هذا التفسير وقال: «اعتقد ان اميركا جاءت الى هنا فقط من أجل النفط وحماية اسرائيل».وسألت الشيخ مشاقي ما اذا كان سيمنح هو والشيوخ الآخرون اسلحة قبل مغادرتهم لقبائلهم لمساعدتهم على القتال. فرد قائلاً: «نحن لدينا اسلحة ولا نتوقع ان نعطى بنادق، ولكن تعليمات بشأن ما يجب فعله. وقال « انه يتصور ان الاميركيين سوف يخسرون الحرب لان الحق ليس بجانبهم». وجاء رجل في العشرينات من عمره لينضم الينا وبدأ الحديث بعنف وحدة وقال ان اسمه مقبل صالح عوض الحلاج وانه ابن احد الشيوخ وينتمي لقرية الحويجة بالقرب من كركوك. وقال هذا الشخص بصوت عالٍ: «ان اهل الحويجة يؤيدون صدام حسين، ونحن مستعدون لان ندافع عن العراق العظيم. فبوش وبلير وشارون يبحثون اولاً عن سلامة اسرائيل، لأن قائدنا العظيم صدام حسين دائما يهدد اسرائيل، وثانيا يبحثون عن النفط. فنحن انتخبنا الرئيس صدام حسين ونحبه ومستعدون ان نفعل اي شيء من أجله». وعندما انتهى من حديثه سألته ما إذا كان هناك قتال يدور في الحويجة. فرد بشكل ينم عن الضيق والرفض قائلاً «الاكراد يشكلون تهديدا فقط ولكننا لا نهتم بهم». ويمتليء الحلاج بقدر كبير من الحماس لقتل الجنود الأميركيين والبريطانيين. وقال: «إذا قبضنا على أي جنود أميركيين فسوف نقطعهم ـ وأشار هنا بيده ليبين انهم سيقطعون هؤلاء إلى شرائح ـ وسوف ننحرهم كما ننحر الخراف». وسألته: ألن تحتفظوا بأسرى؟ وأجاب قائلا: «لا» وحينذاك كانت درجة حماسته تزداد، وأضاف: «نحن سنقطعهم إرباً وحسب ـ واشار بالاشارة نفسها مرة أخرى ـ «ثم نلقى بهم إلى الكلاب». ثم جاء إلينا شخصان بملابس مدنية يبديان بملامح حادة وفظة وسألا عما نفعل. ولم تظهر أي بوادر أو علامات ود في حديثهم ألينا، ثم انصرف الشيوخ بيعداً، واخبرني سامي انه يجب علينا الانصراف. وعلى باب الفندق شاهدت عدداً من الشيوخ وهم في طريقهم لركوب حافلات صغيرة فيما يبدو سوف تقلهم على حسب اعتقادي إلى اجتماع مع احد المسئولين العراقيين. وفي آخر أيام شهر مارس ذهبت لمقابلة الدكتور اسامة صالح وهو جراح ورئيس الخدمات الطبية في مستشفى الكندي. وقد درس الدكتور صالح في الثمانينات من القرن الفائت في كوبا، وكان تلميذاً لأشهر جراحي كوبا وهو الدكتور رودريغو الفارز كامبراس، وقد قابلت كامبراس في هافانا منذ سنوات قليلة، وذكر لي انه قام بمعالجة الرئيس العراقي وابنه الأكبر عدي بعد اصابة الأخير في محاولة اغتيال عام 1996. ولقد تحدثت مع الدكتور صالح بالاسبانية لفترة ثم قلت له انني مهتمة بكيفية التعامل مع اصابات الحرب التي وقعت في الأونة الأخيرة. فذهب بي الدكتور صالح الى مكتبه من خلال صالة طويلة كانت تعج بعدد كبير من الممرضات والزوار ونساء يرتدين عباءات سوداء. واثناء الطريق إلى المكتب، وقف الدكتور صالح للتحدث مع ثلاثة أطباء من منظمة أطباء بلا حدود، تلك المنظمة غير الحكومية التي تعمل في العراق منذ عدة اسابيع لمساعدة الأطباء العراقيين. وقد قامت إحدى مساعدات الدكتور صالح باظهار بعض الصور على جهاز الكمبيوتر الموجود بمكتبه. ودعاني الدكتور صالح للنظر الى هذه الصور معه. وكانت أول صورة لطفل يستلقى عارياً في صالة الطواريء، وقد تم تعليق أنبوبة وقسطرة بقضيبه، وكانت قدما الطفل ناعمة ولكن جذعه كان أسود اللون، وقد اصيب ذراعاه بحروق شديدة، وكسرت إحدى يديه، أما الذراع الأخرى فكان من الواضح انها محروقة من عند المرفق وتبرز عظام هذا الذراع بشكل واضح من اثر الكسر والحرق، وبدا الأمر وكأنه مشهد من مشاهد شوي اللحم قبل تناوله. وقد تم تغطية وجه الطفل بقناع تخديري وقال الدكتور صالح: هذا هو علي البالغ من العمر 12 عاما، وقد اصيب في هجمة صاروخية من جنوب شرقي بغداد على بعد 15 دقيقة من المستشفى، وقد فقد علي امه وأباه واخواته الستة. فقد تم تدمير أربعة منازل في القصف، كان احدها تقطن فيه العائلة التي مات جميع افرادها الثمانية. وكان من الصعب تصور ان الشخص الموجود في هذه الصورة لايزال يعيش، ولكن الدكتور صالح قال ان علياً لايزال على قيد الحياة. ثم عاد وقال بصوت منخفض: لكنني لا اعتقد ان بامكانه مواصلة الحياة، فهؤلاء الذين يصابون بالحرق يعانون من مضاعفات خلال الأيام الثلاثة أو الاربعة الأولى من الاصابة، وعادة ما يصابون خلال الاسبوع الأول بتعفن الدم. وواصلت مساعدة الطبيب عرض صور جديدة على شاشة الكمبيوتر، وكانت الصور للطفل علي أيضا وهو مستلقي على السرير نفسه وفي الوضع نفسه الذي كان عليه في الصورة السابقة ولكن هذه المرة من دون الضمادات التي كانت موضوعة على مواضع الحريق، وتبين ان ذراعيه قد تم بترهما، وتم لف ما بقي منهما بالضمادات، وتم خلع القناع المخدر من وجهه وبدا وكأنه مستغرق في النوم. وفي صورة أخرى كان علي مستيقظاً يحملق في الكاميرا بعينين واسعتين خلا منهما اي تعبير. وأخذت مساعدة الدكتور صالح نفساً عميقا قبل أن تضع إحدى يديها على فمها ثم اخذت في اظهار بعض صور عائلة علي بعيد وصول جثث افرادها الى مشرحة المستشفى. وقد كان من الصعب تحديد ملامح هذه الجثث التي كانت يوماً ما أجسادا بشرية، وكان يبدو ان هناك كميات من العشب والحشيش مختلطة وملتصقة بهذه الجثث، وسألت الدكتور صالح ما اذا كان هؤلاء مزارعين، وأجاب بالايجاب ثم اظهرت الصور وجه أم علي وكان قد قطع إلى نصفين كأنه قطع بواسطة فأس، وكان فمها مفتوحاً بشدة، وفي الصور الأخرى التي قال عنها الدكتور انها لوالد علي واخته الصغرى، لم استطع أن أحدد إلا أشلاء انسانية متفحمة وبعض اجزاء من اللحم الأحمر، وكان هناك صورة اخرى لجثة شقيق علي، وقد اختفى منها الجزء الواقع بين انفه وقمة رأسه، وكان فمه كذلك مفتوحاً كما لوكان يصرخ. واتجهت نحوي مساعدة الدكتور وقالت: «هل شاهدت ما يكفي؟» ولم أرد أو أقل اي شيء، لذلك استمرت في عرض مزيد من الصور. وبعد عدة دقائق قال الدكتور صالح حسنا، ليس هذا سوى جزءا من المأساة. و«سألني ما اذا كنت أود أن أرى علياً».وذهبت مع الدكتور إلى وحدة الحرائق، حيث اعطى لي الممرضون قناعات للوجه وغطاءات للأرجل وثوباً فضفاضاً أخضر لوقاية الملابس من أي تلوث قد يصيبها وغطاء نضعه على رأسنا حماية للشعر. ثم مشيت مع الدكتور خلال صالة هادئة خالية من اي اثاث ذكرتني بدهاليز السجون، وكان الشيء الوحيد الموجود على جدران وحوائط هذه الصالة هو صور للرئيس العراقي. وقام الدكتور صالح بفتح احد الأبواب ثم دلفنا إلى غرفة صغيرة بها سيدة عجوز ترتدي عباءة سوداء تجلس على كرسي، وكانت هذه السيدة خالة علي. وكانت الخالة تجلس بجانب سرير موضوع على عجل. وقام الدكتور صالح بسحب بطانية خشنة رمادية اللون بهدوء مما سمح لي برؤية صدر علي وهو عار ووجهه والضمادات الموضوعة على الاجزاء الباقية من ذراعيه، وقد تحولت عيناه الواسعتان الى حجم قطعة البندق الصغيرة. وكان يتمتع برموش طويلة وبشعر بني مموج. ولم أجد شيئا لأقوله عندما اصبحت وجهاً لوجه معه. وسأل الدكتور صالح عليا عما يشعر به واجابه علي بكلمة «بخير» وهمست للدكتور صالح بما اذا كان علي يشعر بآلام مبرحة. ورد علي بالنفى، وقال ان «المرضى الذين يعانون حروقاً بالغة لا يشعرون بألم كبير بسبب الضرر الذي اصاب اعصابهم: ثم نظرت في وجه علي الذي بدوره نظر الي والى الدكتور صالح ثم نهضت خالته ووقفت خلف رأس السرير من دون ان تقول اي شيء. وطلبت من الدكتور صالح ان يسأل علياَ عن الأمر الذي يفكر فيه الآن، وقد تكلم علي لمدة دقيقة بالعربية بصوته الطفولي الذي يغلب عليه الشجن والعاطفة. وقال لي الدكتور صالح: انه لا يفكر في اي شيء ولا يذكر اي شيء.. وقال لي ايضا انه لا يعرف ان افراد عائلته قد ماتوا جميعاً، وسألت علياً عن المدرسة. فقد كان يدرس بالصف السادس على حسب قوله، واضاف ان مادته المفضلة هي الجغرافيا، وعندما كان يتحدث كانت خالته تمسح على شعره.. وسألته ما اذا كان يحب الرياضة. وقال نعم، لاسيما الكرة الطائرة، وكذلك كرة القدم. وسألته ما اذا كان يريد او يحتاج اي شيء، وقال لا، لاشيء، ثم نظر اليّ وقال شيئاً لم يترجمه الدكتور صالح حتى اصررت انا على ان يترجمه فقد قال: «بوش مجرم ويحارب من اجل النفط» وقد قال علي هذه العبارة كما قال العبارات الاخرى ووجهه لا يحمل اي تعبير. وبدأت خالة عليّ من التنهد بشكل هاديء من ورائنا. ثم سألت علياً ماذا يريد ان يكون عندما يكبر فقال: «ضابط» ثم صاحت خالته قائلة: إن شاء الله. ثم بدأ الدكتور صالح في البكاء وكنت اسمع صوت انفاسه وهو يبكي وحاول ان يسيطر على مشاعره ويحتفظ بهدوئه ثم قمنا بتوديع علي ولم يتكلم احد منا بينما كنا في طريقنا الى الغرفة المعقمة حيث اخذ منا الموظفون القناعات الواقية والملابس التي اعطونا اياها، وقام الدكتور صالح بمسح دموعه ثم عدنا لمكتبه حيث ذهب لغسل وجهه. ثم قلت له: اذن فليس صحيحاً ما يقولونه بأن الاطباء قادرون على ايقاف مشاعرهم. فنظر اليّ قائلاً: نحن بشر. وقال لي ان علياً يعلم انه فقد ذراعيه ولكنه لم يعترف بذلك بعد، واضاف لي الدكتور صالح: انه واع ويرى الضمادات الموضوعة على الاجزاء الباقية من ذراعيه!! إلا ان هناك احتمالاً ان يتوفى علي خلال ثلاثة اسابيع. وقال لي الدكتور صالح ان المستشفى قد استوعب حوالي 300 شخص اصيبوا من القصف، ونجح الاطباء في انقاذ الجميع حتى الآن، في حين مات 20 عند وصولهم للمستشفى وقال الطبيب: تتسبب الحرب دائما في مآس وخوف وألم وصدمات نفسية عميقة.وانا شخصياً ارى ان المشكلة يمكن ان تحل عن طريق التفاوض والنقاش والتعاون. فعندما تلجأ الى استخدام القوة، فإن الامر يعني أن مخك قد توقف وكمواطن عراقي اشعر ان هذا هو بلدي وانه ينبغي علي ان اعمل من اجل حمايته ضد الغزو، أيا كان هذا الغزو، واعتقد ان اي شخص سيأخذ الموقف نفسه اذا تمت مهاجمة بلده. ولدى الدكتور صالح ثلاثة ابناء وبنت اكبرهم هو طفل يبلغ 12 عاماً اي في عمر عليّ، ويعمل الدكتور صالح لساعات طويلة في المستشفى، ومنذ ان تم قصف سنترالات الهاتف لم يتمكن من الاتصال بمنزله لمعرفة احوال اسرته. وكان القلق يتملكه بشدة. وقد كان الطقس بديعاً في اليوم الرابع عشر للحرب في بغداد، وهو اليوم الذي وافق الثاني من ابريل. وقد ذهبت في هذا اليوم مع مجموعة من الصحافيين الى زيارة مدينة الحلة على متن احدى الحافلات، حيث تقع هذه المدينة على مسافة 50 ميلاً جنوبي بغداد وبالقرب من اطلال بابل القديمة ولقد وصلت مسامعنا تقارير افادت بعبور القوات الاميركية والبريطانية نهر الفرات جنوب شرق كربلاء. ونحن في طريقنا لم تكن هناك آثار للحرب سوى وجود بعض المعسكرات ومواضع الاسلحة التي تم اخفاؤها في بطون الاشجار، واستطعنا ملاحظة قصر صدام حسين الكبير المصنوع من الحجر الجيري والذي يطل على مدينة بابل على بعد اميال منا، وقد كانت ابواب المتاجر مفتوحة في مدينة الحلة، ولم يكن هناك سوى القليل من الجنود في الشوارع، فقد بدت المدينة مثل بغداد قبل بداية القصف. وتم اصطحابنا الى مستشفى كان موجوداً به عشرات من المصابين، وقال لنا الاهالي والاطباء ان قرية تم قصفها منذ يومين وانه في حادث منفصل تم تفجير حافلة تحتوي على ركاب مدنيين. وكان هناك رجل فقد رجله ينام بجانب آخر تم بتر ذراعه، وكان هذا الاخير يتلقى المساعدة من زوجته، وكان ينام بجانبه رضيعهما الذي لم يكن يزيد عمره على شهر، وقد اصيب هو الآخر في بعض اجزاء جسمه الصغير الذي بات يحمل العديد من الضمادات. وقالت لي امه وهي تشير الى الضمادات الموجودة على رأسه انه اصيب ببعض الشظايا. اما الرجل الذي فقد رجله فكان يشتكي مما حدث بشكل هاديء، وقال: لو كان الاميركيون يريدون ان يأتوا الى هنا كسياح كما اعتادوا ان يأتوا فنحن سوف نرحب بهم ولكن ما كان ينبغي لهم ان يفعلوا ما فعلوه. وقد رفض هذا الرجل الاجابة عن اي تساؤلات بشأن قدمه المفقودة، وقال بشجاعة: «انا عراقي ونحن معتادون على مثل هذه الاشياء». وفي طريق عودتنا الى بغداد شاهدنا طائرة اميركية كانت تطير على ارتفاع عال وتأكدنا من انها تتجه بعيداً عنا وليس باتجاهنا. واستسلمت انا للنوم حتى وصلنا للعاصمة. واثناء غيابنا كان قد تم قصف معرض بغداد التجاري الدولي ومستشفى للولادة تابع للهلال الاحمر. وقال لنا رجل عراقي اعرفه اسمه محمد انه كان يقود سيارته وبجانبه زوجته اثناء القصف، ورأى نوافد السيارات وهي تتحطم وحافلة وهي تدمر مثل علبة السجائر، وانه غادر سيارته والمحرك لايزال يعمل وذهب جرياً هو وزوجته بحثاً عن مكان للاختباء. وقال انه لا يصدق حتى الآن ان سيارته لم تصب بأي سوء. واقلنا صباحاً بالسيارة لرؤية ما حدث نتيجة القصف الذي طال المعرض الذي كان يضم اجنحة لدول مثل تركيا وسوريا وتبين ان هذه الاجنحة قد دمرت تماماً. وشاهدنا مجموعة من المقاتلين العراقيين يقفون بجانب مدافع رشاشة موضوعة على شاحنات خفيفة، ورأينا انه ليس من الحكمة ان نظل في مثل هذه المنطقة. ومن ثم قاد صاحب السيارة بسرعة رهيبة حتى يعود بنا إلى الفندق.. وفي طريقنا نحو الفندق رأينا نوافد وواجهات المحلات وقد تحطمت وتتناثر في كل مكان قطع الزجاج والالواح المعدنية لهذه المحلات. وبدأ ان بعض المتاجر قد تعرض للنهب. وجاء اليوم التالي دافئاً لطيفاً في اجوائه باستثناء وجود السنة الدخان المتصاعد من الابنية المحروقة. ولكن يسمع صوت الطيور وهي تغني وتطير من مكان لآخر.وحتى المجاهدين، هؤلاء من المسلمين الملتحين الذين تطوعوا للقتال مع العراقيين وبدأوا الانتشار في الشوارع في الايام السابقة، بدوا هادئين نسبياً.وكنت اسير خلف احدهم، وكان من اوزبكستان على اغلب الظن، اثناء صعودي على سلالم فندق شيراتون وكان يرتدي معطفاً فضفاضاً وحزاماً عسكرياً حول خصره، وكان يظهر من هذا الحزام خنجر طويل فضي. فكان يبدو كأحد رجال جنكيز خان انتقل عبر الازمنة ليأتي ويقبع هنا. وقبل حلول المساء، كان الدخان قد غطى الافق، مما ادى إلى صعوبة رؤية المآذن والقبب ومباني قصور صدام. وتلاشت عن الانظار كذلك الجسور التي تمتد عبر نهر دجلة بفعل الضباب، وتحول لون النهر إلى اللون الذهبي اللامع. واغلب الظن ان نهر التيمز كان يحمل اللون نفسه في العصر الفيكتوري عندما كان يحيط به الضباب والادخنة الصادرة عن حرائق الفحم.. وفجأة سمعت اصوات انفجارات المدفعية، وزادت تدريجياً قسوة هذه الاصوات قبل ان تنطفيء انوار الفندق وغرق هذا الجزء من النهر الذي نطل عليه في ظلام دامس. ثم غرقت المدينة بأكملها في ظلام لكن باستثناء وجود بعض الاضواء الكاشفة والسنة اللهب المنبعثة من حرائق النفط. وما كنا نسمعه كان اصوات معركة السيطرة على مطار بغداد. وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى مستشفى اليرموك جنوبي وسط المدينة حيث كان يطبب عدد كبير من المصابين. وكان المستشفى كذلك يعج بعدد كبير من الشباب تم تقصير شعرهم بشكل كبير ويضعون ضمادات واربطة على رؤوسهم. وقال احدهم انه عضو في القوات الخاصة للحرس الجمهوري وانه اصيب بطلقة في رئته. وكان اسمه عمر وكان في الثالثة والعشرين من عمره. وكان عمر ينام على ظهره وركبتاه مرفوعتان إلى آعلى، وكان يحركهما إلى الخلف والامام. وتصورت انه يفعل ذلك من شدة الالم، ولكنه كان يحاول الا يظهرهما لمن حوله. وقال عمر: «نحن لسنا خائفين. فأنا مصاب حالياً ولكن عندما اتعافى سوف اقاتلت واقاتل مرات ومرات حتى انال الشهادة». وكان هناك بجانبه شخص آخر يتألم بشدة. وكان يجلس بجانبه على الارض اخوه الذي اخذ يربت على كتفيه. وجاء رجل آخر اكبر في السن وامسك بقدم عمر بيديه الاثنتين وقال له: «انت اسد. ونحن فخورون بك». وظهر الوزير الصحاف في المساء في فندق فلسطين واكد لنا من خلال مؤتمره الصحافي ان الاميركيين قد تم «سحقهم». وقال ان «محاولة اقتحام المطار لا تعدو كونها عملية استعراضية واظهار للعضلات والتوضيح للعالم ان هجوم الصدمة والترويع ينجح. ولكنهم قد القوا حيواناتهم البرية إلى التهلكة». وقد استمر انقطاع الكهرباء عن بغداد لمدة 24 ساعة، ولكن بشكل يدعو للاستغراب عادت بعض الانوار إلى مجمع القصر الجمهوري في هذه الليلة وكذلك إلى بعض الاحياء الواقعة على الجانب الغربي من النهر.. وكنا نسمع صوت المدفعية يأتي من ضواحي البلد. وسمع صوت رشاشات وقذائف هاون من داخل جنبات المجمع. وسقطت قنبلة على المجمع وتواصل انطلاق النيران لفترة قبل ان يتوقف. وبدا الامر وكأن كل شيء يمكن ان يحدث في بغداد في تلك الليلة. بقلم: جون لي اندرسون _ ترجمة: حاتم حسين عن «نيويوركر»