الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 مع ان البنتاغون تحدث كثيراً، قبيل الحرب في العراق، عن «الصدمة والرعب»، فإن الهجوم الجوي والصاروخي الاميركي كان في نهاية المطاف هجوماً استهدف اهدافاً سانحة طوال الاسبوع الاول من الحرب التي بدأت يوم 20 مارس الماضي، وحينما بدأ الهجوم الجوي على القائمة الشاملة من الاهداف وسط بغداد بصواريخ كروز والقذائف المضادة للتحصينات الموجهة بالليزر التي اسقطتها مقاتلات اف 117 «الشبح» طوال 48 ساعة متواصلة تقريباً، بدا الهجوم للمراقبين شبيهاً بالقصف الجوي الافتتاحي ضد العراق في حرب الخليج السابقة قبل 12 عاماً غير ان الصورة التي بدأت بالاتضاح تدريجياً لاحقاً كانت لحملة مختلفة قليلاً عن سابقتها معززة بعقد من التطورات التقنية وبعض التغيرات الفكرية في اداء الحرب. وكان السؤال الملح بعد اسبوع من بداية الحرب هو ما اذا كانت هذه الحملة الجوية فاعلة. وكانت بعض رؤوس الاقلام حول مواصفات الحرب الجوية ضد العراق قد توفرت في 19 مارس، اي قبل يوم واحد من بدء الحرب واعطاء الرئيس الاميركي جورج بوش الضوء الاخضر لشن «عملية قطع الرأس» التي علقت آمال كبار على ان تنجح في اغتيال الرئيس العراقي صدام حسين وابنيه عدي وقصي وباقي المسئولين رفيعي المستوى في القيادة العراقية، وجاءت رؤوس الاقلام هذه في مؤتمر صحافي عقدته قيادة القتال الجوي في القوات الجوية الاميركية في ذلك اليوم. ومع ان الكولونيل غاري كراودر، رئيس قسم التخطيط ومدير الاستراتيجيا في قيادة القتال الجوي كان متحفظاً في الربط بين ايجازه الصحافي والهجوم الوشيك ـ آنذاك ـ ضد العراق، فإن ما قاله اثبت انه وثيق الصلة ووصفة مسبقة لذلك الهجوم في ضوء ما حدث بعد ذلك. لدى سؤاله عما اذا كانت القوات الجوية الاميركية قادرة على تحديد مواقع القادة العراقيين واستهدافهم بالهجمات بدقة، قال كراودر: «حينما تبدأ باستهداف افراد، فإن العالم يبدأ بالتحول نحو التعقيد السريع فعلاً.. وبصراحة فإن مقدرتك على فعل ذلك، خصوصاً في ظروف جعل فيها العدو من الصعب على من هم داخل القيادة استهدافه، تصبح صعبة جداً». واستهداف الرئيس العراقي بالهجوم شخصياً امر صعب جداً، وذلك بفضل تكتيكات الحماية التي استخدمها، مثل توظيف البدلاء، والتحرك باستمرار بين مواقع كثيرة، لتجنب استهدافه. الحرب في العراق ينظر اليها من جانب كثير من المحللين باعتبارها اختباراً عملياً للاستراتيجية العسكرية الاميركية المعروفة باسم «العمليات المركزة على المفعول» وتعتبر القوات الجوية الاميركية العنصر الأساسي في هذه الاستراتيجيا الحربية الناشئة ويعرف كراودر هذا المفهوم الجديد ومبادئه كالتالي: «بدلاً من الاسلوب التقليدي المتمثل في وضع قائمة بالأهداف ثم قصف هذه الاهداف، او البحث عن مواقع وجود العدو وقتل هذا العدو، فقد قررنا مسبقاً بالفعل ان ما نريد فعله هو في الحقيقة تحقيق نوع ما من هدف محدد في السياسة ثم صياغة عمليات عسكرية تكون مناسبة قدر المستطاع لانجاز هذه العمليات السياسية بطريقة اكثر فاعلية وكفاءة». ضمن هذا التعريف للاستراتيجيا، تصبح محاولة اغتيال صدام حسين وكبار مساعديه متسقة مع اهداف «العمليات القائمة على أساس التأثيرات». التخطيط القائم على التأثيرات هو بدوره حسبما يؤكد مسئولون كبار في الادارة الاميركية، القاعدة التي ارتكزت عليها مرحلة «الصدمة والرعب» من الهجوم الجوي والصاروخي الذي بدأ به بعد ليلتين من هذا التعريف العلني للحرب. وقد قال وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد في ايجاز صحافي في 22 مارس الماضي: «ان كل هدف بعينه قد تم تحليل بياناته كما درست بعناية عملية اختيار السلاح المناسب له والاتجاه الذي سيطلق عليه هذا السلاح» ومضى رامسفيلد ليقول ان عملية الدراسة هذه طالت حتى مواعيد ضرب كل هدف من اليوم بحيث يمكن «تقليل» اثرها على المدنيين. التخطيط القائم على اساس التأثيرات يولي عناية خاصة لضرورة التقليل من الدمار الواسع ولدى القوات الجوية الاميركية وسائل تخطيطية تمكنها من احتساب قوة الانفجار لكل سلاح تنوي استخدامه ضد هدف بعينه يقول كراودر: «نقوم ايضاً بتحليل للمنطقة المحيطة بالهدف لنفهم ما الذي يمكن لاستخدام سلاح ما ضده من اثر على المباني المحيطة به وحجم الضرر الذي يمكن ان يلحق بالمدنيين في الجوار». وفيما تحدث المحللون عن قيمة «الصدمة» في الهجمات التي بدأت ضد بغداد، فقد اشار الكثيرون منهم ايضاً لغياب عنصر «الرعب» الذي كانت تهدف لبثه في صفوف العراقيين وانهيار الحكومة العراقية الذي توقع البعض ان يشهده في الايام، ان لم يكن في الساعات الاولى من تطبيق استراتيجيا «الصدمة والرعب» لم يحدث. وقد قال بعض المحللين ان احد الاسباب وراء ذلك هو ان التخطيط المركز على المفعول لم يسمح له بأن يشتط ويأخذ ابعد مدى ممكن له في العراق. فمنذ الساعة الاولى للحرب اخذ السياسيون والعسكريون الاميركيون والبريطانيون يقولون انهم سيبذلون كل جهد لتقليل الضرر الذي سيتعرض له المدنيون العراقيون والمنشآت المدنية الى ادنى مستوى ممكن وبالتالي فإن مصادر الطاقة وامدادات المياه لن تستهدف كما قالوا، مثلما سيتجنبون ايضاً على حد قولهم منشآت البث الاذاعي والتلفزيوني. هذه التصريحات كانت عكس ما حدث في حرب الخليج السابقة عام 1991 او حرب كوسوفو ضد صربيا عام 1999 حينما كان الاميركيون وحلفاؤهم يستهدفون ـ عمداً ـ منشآت الكهرباء والاتصالات والمواصلات والبث للتأثير على معنويات السكان وزيادة الضغط على القيادة ودفعها نحو الاستسلام وفي صربيا، كانت هذه الاستراتيجية عنصراً فاعلاً جداً في دفع الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش بسحب قواته من كوسوفو. التخطيط القائم على التأثيرات مصمم بحيث ينظر الى العدو على انه «نظام الانظمة» بحيث يؤدي القضاء على «مكونات» اساسية لهذا النظام الى انهياره وتحقيق النصر دون الحاجة لاتباع سياسة الارض المحروقة والتسبب بخسائر بشرية فادحة في صفوفه المدنية وضمن الاطار العام لمقدرات العدو الشاملة، يمكن للتخطيط المركز على المفعول ان يستهدف «انظمة» بعينها مثل شبكة الدفاع الجوي المتكاملة على سبيل المثال، او شبكة الكهرباء وهذه الانظمة يمكن تفكيكها بعد ذلك الى انظمة فرعية ويقول كراودر ان النهج التقليدي لهذا التفكير ينظر للتدمير التسلسلي لمحطات توليد الطاقة او محطات توزيع هذه الطاقة نهجاً اكثر اهمية بكثير ويمكن تطبيقه عبر مهاجمة بضعة محطات محورية او الخطوط التي تنقل الطاقة للمنشآت المهمة ومن بين هذه المنشآت مواقع الدفاع الجوي او تحصينات القيادة والسيطرة وغيرها من المنشآت القيادية. ويضيف كراودر انه باستهداف حزم من الاهداف بهذه الطريقة «تستطيع فعلياً ان تهاجم العدو باعتباره نظاماً والتقدم نحو تحقيق انهيار منهجي لهذا النظام». ويبدو ان عدم مقدرة الاميركيين على التسبب بانهيار منهجي مبكر على المستوى الحكومي كان ناتجاً على الأقل، في وجه منه، عن عدم استخدام قدر هائل من القوة ضد البنى التحتية العراقية. ويحاجج بعض المحللين بأن الحملة الجوية الاستراتيجية المرتكزة على التأثيرات التي كانت تريد تقليل الخسائر المدنية ربما تكون جيدة من الناحية الانسانية، غير انها بالنسبة للكثيرين من العراقيين وخصوصاً اولئك المقربين من النظام سياسياً وعسكرياً فسرت على انها ضعف ويقولون ان هذا الانطباع قد وجد من يضخمه خصوصاً وسائل الاعلام العراقية التي عملت على استدامة قبضة الرئيس العراقي على السلطة. ان الاسلحة دقيقة التوجيه تمثل العنصر الاهم في التخطيط المركز على المفعول فمع ان الاسلحة الموجهة بالليزر كانت موجودة منذ ايام حرب فيتنام، فإن ادخال الذخائر الموجهة بالاقمار الصناعية هي التي شكلت الاطار الاشمل لهذا التفكير الجديد فقذيفة الهجوم المباشر المشترك تستخدم نظام توجيه ذيلي من انتاج بوينغ لا يزيد سعره على 20 ألف دولار ويستطيع توفير توجيه دقيق لا يزيد عامل الخطأ فيه على 10 أمتار كما هو محدد رسمياً لقنابل تزن 500 أو 100 أو 2000 رطل وهي دقة التوجيه التي تصل عملياً لما لا يزيد على 3 امتار. وهذا النظام تم تجريبه لأول مرة ضد صربيا عام 1999. وفي غزو افغانستان اطلقت القوات الجوية وطيران البحرية الأميركية اكثر من 7 آلاف قذيفة هجوم مباشر مشترك. ويمكن برمجة كل من هذه القنابل لتضرب هدفاً محدداً بما يسمح بضرب عدة أهداف في طلعة جوية واحدة من أول مرة. كما استخدمت تقنية التوجيه بالاقمار الصناعية في عدد من قذائف بيغواي وبعض القذائف الاكثر تخصصاً مثل جي بي يو 28 المضادة للتحصينات. وفي الحرب الأخيرة، كانت كل القذائف التي استخدمت ضد أهداف عراقية خلال اليوم الأول هي قذائف موجهة بدقة وهي أول مرة يتم فيها الاستخدام الحصري لهذه القذائف في حرب كبيرة كما قال البنتاغون. وتضمنت هذه القذائف نسخاً خارقة للتحصينات واخرى ليست خارقة من قذائف الهجوم المباشر المشترك وقذائف جي بي يو 27 وصواريخ توما هوك وأي جي ام 86 التي تطلقها قاذفات بي 52. وبعد مرور 3 أيام كانت 80 في المئة من القذائف الأميركية المستخدمة دقيقة التوجيه. وفي مقابل ذلك خلال حرب الخليج السابقة، قلت القذائف دقيقة التوجيه ضد الأهداف العراقية عن 10 في المئة من القذائف التي اطلقتها الطائرات الأميركية. وانخفاض تكاليف انتاج هذه الأسلحة كان العامل الرئيسي وراء حدوث مثل هذا التحول. وكانت طائرات اف 117، بي 2، بي 52، اف 15 وبي 1 المخصصة للقصف إلى جانب مقاتلات اف 16 متعددة المهام مشاركة كلها بكثافة في الحملة الجوية الافتتاحية ضد العراق. كما كانت مقاتلات اف 18 متعددة المهام في طيران البحرية واف 14 التي سمح لها مؤخراً بحمل قذائف الهجوم المباشر المشترك، مشاركة أيضاً في ضرب مواقع القيادة والسيطرة والتحكم وأنظمة الدفاع الجوي. كما شاركت هذه المقاتلات في تنفيذ عمليات اسناد ناري قريب للقوات البرية الأميركية والبريطانية التي كانت تندفع نحو بغداد ومواقع الحرس الجمهوري من الجنوب والجنوب الغربي. وقد بلغ عدد الطائرات المشاركة في القصف الجوي التمهيدي ضد العراق 1600 طائرة تتضمن مقاتلات وصهاريج وقود وطائرات استخبارات وسيطرة واستطلاع. كما تأكد أيضاً استخدام القوات الجوية الأميركية لطائرات بدون طيار فوق العراق في اليوم الثاني حينما قامت واحدة منها من طراز ام كيو 1 بالعثور على مدفع رشاش عراقي مضاد للطيران يعمل بالرادار ودمرته. وقد اعترفت القوات الجوية الأميركية بأنها بدأت بتنفيذ عمليات واسعة ضد الدفاعات الجوية العراقية في منطقتي حظر الطيران خلال الشهور التي سبقت اعلان الحرب. وقال أحد ضباطها الكبار: «حينما بدأت الحرب كانت منطقة حظر الطيران أجواء أقل خطراً بكثير على طائراتنا مما كانت عليه في السابق. ومع ذلك يقول الجنرال دانييل ليف منسق السلاح الجوي في مقر القيادة الوسطى الأميركية في الكويت ان الدفاع الجوي العراقي اطلق نيراناً كثيفة على الطائرات الأميركية والبريطانية من مدفعيته وصواريخه المضادة للطائرات. وقد شهدت هذه الحرب استخدام القاذفات البريطانية من طراز تورنادو لأول مرة صواريخ «ستورم شادو» الجوالة التي يبلغ مداها 250 كيلومتراً ضد الأهداف العراقية. ولعبت مقاتلات هارير دوراً فاعلاً في توفير الدعم الناري القريب للقوات البرية المهاجمة وضد الأهداف المفاجئة. أما الاختبار التجريبي الجوهري الذي قامت به القوات الجوية الأميركية في هذه الحرب فهو الاشتباك مع القوات العراقية المدافعة عن بغداد. وكانت احدى النتائج المستخلصة من «مجموعة العمل لحرب المدن» الأميركية التي رغم تشكيلها بعد حرب كوسوفو ضد صربيا لدراسة متطلبات حرب المدن هو ان «الاشتباك الجوي الأرضي» سيكون صعباً جداً «لأن من المطلوب تطوير تكتيكات وتقنيات ومعايير جديدة بالاشتراك والتنسيق مع القوات على الأرض كما يقول احد ضباط القوات الجوية الأميركية الذي شارك في تلك المجموعة. ومن المشاكل الأساسية التي اشير اليها حينها هي عدم مقدرة القوات الجوية على القيام بتبادل آني للبيانات مع القوات الصديقة على الارض على مستوى جماعة المشاة أو جماعة القوات الخاصة وهي الفجوة التي يجب تجاوزها خلال خمس سنوات حسب قول الأميركيين. وكانت العمليات المشتركة القريبة التي نفذتها القوات الجوية الأميركية مع القوات البرية في حرب أفغانستان، هي العمليات التي كانت قاذفات بي 52 فيها رغم مداها بالغ الطول وقوتها التدميرية الهائلة تحصل على معلومات عن الأهداف من القوات الخاصة على الأرض الذين كانوا يستدعون لتنفيذ عمليات اسناد ناري قريب، هذه العمليات قد ساعدت كثيراً في تطوير عمليات الاشتباك الجوي الأرضي. أما في العراق حيث كانت القوات البرية التقليدية، وليس القوات الخاصة، قوات وظيفية أهم بكثير في المعارك للسيطرة على القرى والمدن، فلم يكن هناك بديل عملي عن القصف الجوي والمروحيات الهجومية التقليدية وكانت مروحيات أباتشي الهجومية بقوتها النارية الكبيرة ومقدرتها على تبادل البيانات الآنية مع القوات على الارض وامكانياتها الإدارية العالية اكثر ملاءمة بكثير للعمليات في المناطق المدنية من المقاتلات ثابتة الجناح. ترجمة: جلال الخليل _ عن «جينز دفنس ويكلي»