الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 ألقى زعيم الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، توم ديلي، مؤخراً خطابا أمام جمهور مسيحي في واشنطن. وكان الجمهور قد التأم للاعراب عن تأييده لاسرائيل. واستمع من ديلي الى أقوال، من المشكوك فيه أنها تسر رئيس الحكومة الاسرائيلي، وبالطبع ما كانت لتروق لأذني الرئيس الأميركي. «ان المفاوضات مع هؤلاء الناس (م. ت. ف) الذين يسنون ألسنتهم كالسيوف حماقة، قرر أي اتفاق يصاغ بمفاوضات فارغة من المضمون كهذه، معناه تحالف مع الموت. ديلي الذي، ربما يعتبر المشرّع الأهم في الولايات المتحدة، لم يتردد أيضا في الوقوف ضد أوساط في الادارة الأميركية تناشد اسرائيل أن تلقي جانبا بعشرات السنين من التجربة وتعوّل ثانية على كلام وأوراق لكيان ارهابي يتطلع الى تدميرها. هذا الواقع السياسي الذي يمثله ديلي، قصده وزراء كبار في الليكود، عندما وجهوا انتقادات قاتلة مؤخرا الى رئيس الحكومة ووزير الخارجية. لقد ارتعشوا من تصرف شارون ازاء خطر خارطة الطريق. وزير الخارجية الجديد، سلفان شالوم، يحظى بسيل من السخرية بسبب المناورة الشفافة التي أعدها له فرسان المكتب البيضاوي ابان زيارته الى واشنطن منذ أسبوع. المقصود عناق دببة وصي ومستخف، كما يدعون، يهدف الى تنشيط غدد الاهتمام الشخصي لدى وزير الخارجية، وضمه الى معسكر جورج وكوندوليزا ـ صديقيه الجدد. الا ان الانتقاد الموجه لرئيس الحكومة نفسه أخطر بكثير، ليس بمقدور أحد أن يفسر الشلل واللامبالاة الذين ألمّا بشارون ازاء امكانية تحويلنا الى مادة لاشعال غليون السلام الذي يريد بوش تدخينه مع العرب والأوروبيين. أبعد من ذلك، يشيرون الى اهمال المعركة داخل الولايات المتحدة، عمليا. يدعون في رئاسة الحكومة وفي واشنطن، أنه اذا ما تصرفت اسرائيل بصورة صحيحة، فانها تتغلب على أي ضغط بريطاني أو عربي، وتمنع أية سياسة أميركية مناهضة بالنسبة للشأن الفلسطيني. وفعلا يتبين أن تصريح رئيس الأغلبية الجمهورية في الكونغرس يميز أغلبية كبرى من بين الأوساط التي تهم جورج بوش بالذات، في المجتمع وفي السياسة الأميركية. في مراكز القوة السياسية في الكونغرس الحالي، ثمة أغلبية وتأييد ثابتان للموقف الاسرائيلي، وحتى تلك المراكز التي كانت سابقا بأيدي أوساط مناهضة لنا، مثل لجنة المساعدات المالية، انتقلت الى أيد صديقة في السنة الماضية. الى جانب ذلك فان الجمهور الأميركي الواسع يستصعب فهم التمييز الزائف بين محور الشر لصدام، ومثيله لدى عرفات وأبي مازن. الا أن الوضع في أوساط المنتخبين الجمهوريين أفضل بكثير. في معاهد الدراسات ولدى الأوساط المهنية المهمة بالنسبة لادارة بوش، ثمة معارضة أساسية لأية علاقة مع السلطة الفلسطينية، وقد تم القاء فكرة الدولة الفلسطينية ذاتها جانبا. وفي الصحافة التي تهم بوش وتشيني كما في وول ستريت جورنال و ويكلي ستاندرد - ثمة هيمنة للآراء التي ما كانت لتخجل أفيغدور ليبرمان. عشرات ملايين المسيحيين المتدينيين وجميعهم من النواة الصلبة للجمهوريين أصبحوا معارضة لليكود من جهة اليمين. وفي داخل ادارة بوش أيضا، تبرز معارضة لا بأس بها لموقف وزارة الخارجية، التي اخترعت خارطة الطريق. شخصيات مركزية في وزارة الدفاع (البنتاغون) وحتى في مجلس الأمن القومي، مثل المسئول عن الشرق الأوسط، اليوت أبراهامز، يتمسكون بمواقف أساسية تنتقد عقلانية خارطة الطريق وأوسلو. وكل ذلك من غير التطرق الى الصوت اليهودي، بكل مجموعات الضغط ذات القوة فيه لرفع رأسها من جهة شارون. على هذا الصوت يبني الجمهوريون الكثير عشية معركة الانتخابات لسنة 2004، التي باتت على الأبواب ومنذ الآن تجري مغازلة المتبرعين اليهود ذوي الحضور البارز في السياسة الأميركية وعلى سيرة الحملة الانتخابية، فان بوش الابن لا يستطيع أن ينسى مغزى خسارة والده في انتخابات 1992، وبعد أن كان خرج قبل سنة من حرب الخليج ب90 في المائة من التأييد. من هنا، فكل الظروف تشير الى قدرتنا على احباط أية محاولة لاملاء رؤيا خارطة الطريق الحبلى بالكوارث. ما علينا سوى اعطاء الاشارة فقط. لكن الاشارة لا تُعطى. رئيس الحكومة مشلول ومرتبك أمام تلبد الغيوم المتعاظم عبر الأطلسي، مع أنه يجند من الوقاحة ما يكفي لابلاغ الوزراء، كما لو كانوا أطفالا في الروضة، أنه لن يُجري أي بحث في الحكومة بهذا الخصوص. بينما أولئك الوزراء الكبار الذين ينفجرون خوفا وغضبا على أداء شارون، لم يستجمعوا بعده ما يكفي من الشجاعة للقيام بخطوة تنأى عن مفاجأة الصحافيين وأصحاب أعمدة الرأي. بقلم: نداف هعتسني _ عن «معاريف»