الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 هناك لحظات في التاريخ تتوقف فيها الأيديولوجيا عن القيام بدورها كأداة رئيسية في يد الأكاديميين و بالفعل عن القدرة على تحديد مستقبل العالم. وفيما سيطرت جحافل القوات الأميركية على بغداد، تستعر عاصفة من الجدل داخل اروقة السلطة في واشنطن من الممكن لها أن ترسم صورة لشرق أوسط جديد. المعركة يقودها اثنان من جبابرة السياسة الخارجية الأميركية: وزير الخارجية المعتدل المنعزل كولن باول، وزعيم البنتاجون المتشدد دونالد رامسفيلد. فعلى الرغم من ظهورهما العلني الموحي بالمودة،إلا أن كلا الرجلين كان قد خاض ضد الآخر معركة حول كل ما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة ـ من الصين إلى كوريا الشمالية إلى روسيا إلى، العراق، بلا أدنى شك. لقد تخطى كل من رامسفيلد وباول حدود تلك المجاملة العلنية التي استغرقت شهوراً، وليس من قبيل المصادفة أن تبدأ مدافع المورتر في قصف بغداد فور وصول القوات الأميركية إلى مشارفها. ورغم أنه ولأشهر عدة كان يبدو أن إدارة بوش السوية المنظمة، التي يحاط فيها الجدل بالسرية التامة ويعتبر الانشقاق فيها محرماً، لايمكن لها على الإطلاق أن تتحمل منافسة بهذا الحجم، والعمق والأمد، إلا أن المنافسة بين باول ورامسفيلد المليئة أجواؤها بالضغينة هي إحدى الظواهر القليلة الموثوقة المهيمنة على حكومة بوش الثاني ـ رغم أن المنافسة تعود بجذورها إلى عهد بوش الأول.فقد كان باول، المعتدل،مقرباً من بوش الأب، فيما لم يكن هو ورامسفيلد في حالة وفاق. وفيما يثق باول، وهو جنرال متقاعد،بالمضامين العسكرية، يريد رامسفيلد أن يعطي هذه دروساً قليلة. إن كلا الرجلين يتمتع بالشهرة العريضة. وكلاهما كان قد وصل إلى منصبه الحالي بطريقة ملتوية. وفي حين تحول رامسفيلد الذي كان يشغل منصب سفير أميركا لدى الناتو في عهد ريتشارد نيكسون إلى محارب مدني وهو في السبعين، فإن باول يتربع على قمة الدبلوماسية الأميركية وهو في السادسة والستين.وبمعنيً آخر، فإن كلا الرجلين ينظر إلى نفسه كخبير سابق في مجاله ـ بالإضافة إلى كونه خبيراً في مجال الآخر. إلا ان الشخصيات على الرغم من ذلك ربما كانت العامل الأقل أهمية في هذه المواجهة.ففي صميم الصراع هناك اسلوبان مختلفان في النظر إلى العالم. رامسفيلد وفريقه من المدنيين المحافظين الجدد في البنتاجون يحبذون الأسلوب الذي يميل إلى اتخاذ الإجراءات العنيفة أوالأحادية، وذلك من أجل الدفع بالمصالح الأميركية في الخارج نحوالتقدم. أما فريق باول فينظر إلى العالم من خلال موشور من المصالح المتشابكة التي تحتاج في حمايتها إلى التحالفات والاستقرار. إن الحرب بين أصحاب المصالح الدولية وأصحاب المصلحة الأحادية ظلت مستعرة بين طرفي الحزب الجمهوري على مدى أجيال طويلة. أما ما أصبح مختلفاً في هذه المرة فهو أن رامي وباول صارا منهمكين فيها في اللحظة التي أصبحت فيها مبادئ السياسة الخارجية للولايات المتحدة في متناول اليد. إن هذا هو ما يفسر لهفة كل منهما على اختبار نظريته في العراق. أما الآن وبعد ان اوشك صدام على الانتهاء، فإن المعركة الحقيقية أصبحت مهيأة لأن تكون في يد السلطة المؤقتة، التي ستنتقل بالبلاد من الهيمنة العسكرية الأميركية إلى الحكومة العراقية المنتخبة، التي ستقوم بدورها بسن دستورها ومستقبلها. وعلى الرغم أن مندوب رامسفيلد بول ولفويتز يصر على أن تكون الإجراءات مفتوحة أمام الجميع. «إن الوزير لايقوم بالدعاية لأي شخص أو مجموعة لكي تكون حكومة العراق القادمة»، إلا ان مساعدي رامسفيلد يقومون ومن وراء الكواليس بالترويج لفريق من المعارضين المنفيين الذين يرأسهم زعيم حزب الكونجرس الوطني العراقي أحمد الشلبي 58 عاماً، وهو رجل أعمال سابق، من اجل القيام بمهام السلطة المؤقتة. وعلى الرغم من نظرتهم إليه كديمقراطي يمكن الاعتماد عليه وسط أمة من التابعين لصدام، إلا ان الخارجية، التي تدعمها المخابرات المركزية، تدعي بأن شلبي ليس أكثر من دجال غادر العراق ولم يرها منذ سنة 1958 بالإضافة إلى افتقاده المؤيدين هناك.هذا الفريق يميل إلى فكرة الانتظار إلى حين أن يسفر الموقف عن قوى جديدة. وعلى الرغم من أن باول كان قد ارسل إلى رامسفيلد قائمة بأسماء شخصيات أميركية معروفة يمكنها المساعدة في نقل السلطة من الحكومة العسكرية إلى الحكومة المؤقتة، إلا ان غالبية تلك الأسماء قد تم رفضها بحجة أنها أسماء لشخصيات غامضة بالنسبة لوزارة الدفاع. وعوضاً عن ذلك،أعلن رامسفيلد عن اسماء مجموعة معروفة بشكل واضح بآرائها المتشددة، بما في ذلك جيمس ولزي، وهو مدير سابق في جهاز المخابرات،الذي رشحه لمنصب وزير الإعلام.إن أتباع باول ينظرون إلى هذه المناورة على أنها تصرف أخرق بالغ الخطورة. وعوضاً عن التراجع عن مطلبها،بعثت قوات رامسفيلد برسالة عاجلة للبيت الأبيض مطالبة الرئيس بالاستفادة من التغير السريع في الأوضاع في داخل العراق بتنصيب حكومة الجلبي المؤقتة. يقول أحد حلفاء رامسفيلد « إن كل رجالنا العسكريين العاملين في ساحة المعركة يشعرون عاجزون عن تحديد من يرسلونه للتحدث إلى هؤلاء العراقيين الطيبين. علينا ان نقتنص هذه الفرصة». وعلى الرغم مما قاله مسئولو البنتاجون مرارا وتكراراً من أن العسكريين يزمعون إعادة البلاد للعراقيين على مراحل، وبأسرع وقت ممكن، وكان بعضهم قد قال بأنه لايحتاج لأكثر من ستة اشهر لبناء الديمقراطية، إلا ان مسئولي وكالة المخابرات و الخارجية يعتقدون بعدم جدوى حتى عملية البدء في بناء الديمقراطية المستقرة في غضون ستة اشهر في بلد لم يعرفها من قبل.ومن جانبهم يعتقد مسئولو وكالة المخابرات بأن التسريع بالانتخابات من الممكن له أن يتمخض على سبيل المثال عن فوز جماعة إسلامية راديكالية ـ مما يحمل الولايات المتحدة فوراً على إخراج خلف غير ديمقراطي على نحو صريح.إن مسئولي البنتاجون المتشددين يعتقدون أن هذا التوجه يشكل استخفافاً بالعراقيين ويشيرون إلى ان بعض الدول المنتمية سابقاً للكتلة السوفيتية تمكنت من الدخول في تلك المرحلة الانتفالية في غضون أشهر. وضمن مساعيه الهادفة إلى الحصول على الدعم،قام باول بجولة أوروبية، تهدف إلى استطلاع آراء حلفائه للتأكد من مدى استعدادهم للمساعدة في مأزق ما بعد الحرب.ومن جانبه فإن رئيس وزراء بريطانيا توني بلير يحبذ استخدام الأمم المتحدة كأداة للمساعدة في الجوانب الإنسانية وما يتعلق بمشاريع الإعمار،إلى حد ما كأسلوب للتقريب بين الولايات المتحدة وأوروبا مرة أخرى لرأب الصدع المدمر الذي تمخضت عنه اجتماعات مجلس الأمن الشهر الماضي. إلا ان المناظرة الأكثر أهمية هي تلك التي بدأ التلميح لها للتو. إن الحرب التي تدور حول عراق ما بعد الحرب هي أيضاً تلك الحرب التي تدور حول ما إذا كان بوش سيتمكن مرة أخرى من نشر قواته لاستئصال شأفة الإرهاب وغرس الديمقراطية وأين. كما أن التقارير الصادرة عن المسئولين العسكريين تقول بأن استخدام القوة ضد كل من سوريا أو إيران بمجرد استقرار الأمور في العراق هو موضوع حيوي مهم « بالنسبة لإدارة بوش.هذا الموضوع يسمح لوزارة الخارجية وحلفاء كالسعودية ومصر بلعب دور أساسي. يقول سام براون باك وهو جمهوري من كانساس يعمل في لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ« إن المعسكرات مقسمة حول السؤال عما إذا كانوا سيدفعون برؤية اخرى لشرق أوسط ديمقراطي جديد، أم أنهم سيرضخون للضغوط التي تمارسها بعض دول المنطقة.ورغم أن الخارجية تريد الإبقاء على أكبر قدر من الناس إلى جانبها، إلا ان ما تقوله وزارة الدفاع هو «انظروا، إن المسألة تتعلق برؤية قوية، جريئة ونحن قادرون على الدفع بها إلى الأمام.» إن أحداً ليس بإمكانه القول بأن بوش هذا يفتقر إلى الشيء الذي يتعلق بالرؤية، الذي ربما كان مؤشراً صالحاً للغاية للدلالة على الموقع الذي يحتله في هذه المناظرة العظيمة بين باول ورامسفيلد.إنه وفي غضون عامين فقط من وجوده في السلطة، استطاع أن يظهر أنه يميل إلى الضربة القوية ـ وربما كان هناك من يتوقع ظهوره بقوة في المستقبل. بقلم: مايكل دفي وماسيمو كالابريسي _ ترجمة : مريم جمعة فرج _ عن « تايم »