الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 بدأ الامر بسلسلة من الاهتزازات الهائلة، صوت «دبدبة» كبير هز غرفتي. وتوالت تلك الاصوات بعد ذلك. تمددت في فراشي محاولاً فهم مصدرها. وكان الوضع اشبه باللقطة في فيلم «الحديقة الجوراسية»، عندما يسمع السياح لأول مرة وقع اقدام الديناصورات، والهدير المتزايد باستمرار والمخيف لنبض منتظم من قلب ضخم الحجم. من نافذتي المطلة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، رأيت مدفعاً عراقياً مضاداً للطائرات يطلق نيرانه من سطح احدى البنايات على بعد نصف ميل عني على شيء ما عبر النهر. وعاد وقع «الدبدبة» ليسمع من جديد، وكان الصوت عالياً جداً بحيث اطلق اجهزة الانذار في السيارات المصطفة بمحاذاة ضفة النهر. ولم ادر حقيقة ما حدث الا عندما وقفت في الشارع عند الفجر. ولم اكن قد سمعت منذ الحرب في عام 1991 صوت مدفعية اميركية. وهناك رأيتها على بعد مئات الامتار فقط على الضفة المقابلة من نهر دجلة. وللوهلة الاولى، بدت مثل حشرة ام اربع واربعين مدرعة صغيرة تتوقف ثم تتحرك من جديد وكمخلوقات صغيرة وغريبة منقطة باللونين الرمادي والبني جاءت لمعاينة ارض من العالم الخارجي، والبحث عن الماء. هنا عليك ان تبقي عينيك مركزتين على حشرات ام اربع واربعين تلك كي تستطيع ان تفسّر الواقع ولكي تدرك ان كل مخلوق من هذه المخلوقات كان عبارة عن ناقلة جنود مدرعة من طراز برادلي، وان ذيلها هو عبارة عن مجموعة من قوات المارينز الاميركية تختبئ خلف درعها وتتحرك الى الامام في كل مرة تشغل حاميتهم محركها وتناور بالقرب من دجلة وكانت هناك صلية من نيران المدفعية من جانب الاميركيين وقعقعة عنيفة للقنابل اليدوية التي تطلقها الصواريخ وسحب من الدخان الابيض من جانب الجنود العراقيين ورجال الميليشيا المتمترسين في حفرهم وخنادقهم على الضفة نفسها من النهر وفي مكان ابعد الى الجنوب، وكان الامر بتلك السرعة، وتلك البساطة، وتلك الرهبة.في الواقع ان المنظر كان استثنائيا، ومفاجئا جدا ـ على الرغم من جميع تبجحات البنتاغون ووعود بوش ـ بحيث ان المرء ينسى الى حد ما السابقة التي يسجلها لمستقبل الشرق الاوسط؟ وسط فرقعة نيران المدفعية واضواء الرصاص الذي يلعلع عبر النهر وحرائق النفط الهائلة التي يشعلها العراقيون لمنحهم غطاء للانسحاب يتعين على المرء ان ينظر بعيدا ـ باتجاه الجسور الكبيرة المقامة على النهر شمالا وعلى صفحة المياه الرمادية الباهتة لاقدم الانهار ـ لكي يدرك ان جيشا غربيا يخوض حملة اخلاقية قد اجتاح قلب مدينة عربية، للمرة الاولى منذ ان دخل الجنرال اللنبي الى القدس في عام 1918 ولكن اللنبي دخل القدس ماشيا على قدميه احتراما وتبجيلا لمسقط رأس المسيح والتوغل الاميركي يوم امس الاول في بغداد ليس فيه تواضع ولا شرف. اقتحم جنود المارينز الاميركيون والقوات الخاصة التي انتشرت على طول الضفة الغربية من النهر اكبر قصور صدام حسين، وقاموا بتصوير مراحيضه وحماماته، واستلقوا على مرجته، قبل ان يتحركوا باتجاه فندق الرشيد، ويقوموا بقنص الجنود والمدنيين. وفي الساعات التي تلت ذلك، تم احضار المئات من الرجال والنساء والاطفال العراقيين إلى مستشفيات بغداد، وكانوا ضحايا للرصاص والشظايا والقنابل العنقودية. وكان بمقدورنا بالفعل ان نشاصد الطائرات الاميركية ذات المحركين من طراز ايه ـ 15 تطلق ذخائرها من اليورانيوم المنضب على الضفة البعيدة للنهر. ومن الضفعة الشرقية، شاهدت المارينز يركضون نحو خندق وهم يسندون بنادقهم على اكتافهم ويبحثون عن الجنود العراقيين. ولكن اعداءهم استمروا في اطلاق النار من الارض الطينية المنبسطة الواقعة إلى الجنوب، إلى ان رأيتهم، واحداً تلو الآخر، يركضون للنجاة بارواحهم. وخرج العراقيون من خنادقهم في خضم القصف بالقذائف الاميركية، وبدأوا يخوضون سباق عدو أوليمبي من الخوف على طول حافة النهر، البعض منهم احتفظ بسلاحه، والبعض الآخر تراجع إلى المشي المرهق، والبعض غطس في مياه دجلة حتى ركبتيه بل وحتى رقبته. وخرج ثلاثة من الخندق وايديهم مرفوعة في الهواء امام مجموعة من قوات المارينز. ولكن آخرين واصلوا القتال. واستمرت اصوات الانفجارات تتوالى لاكثر من ساعة. ثم عادت الطائرة ايه ـ 10، وقامت طائرة من طراز إف/إيه ـ 18 باطلاق موجة من القذائف على طول الخنادق توقف بعدها اطلاق النار. وبدأ الوضع وكأن بغداد ستسقط خلال ساعات. ولكن اليوم كان لابد من وصفه بتلك الاوصاف الاكثر غرابة للحرب، وهو انه كان مزيجاً جنونياً من الاعتيادية والموت والمهزلة. وذلك لانه حتى عندما كان الاميركيون يشقون طريقهم عبر النهر وطائرات اف./إيه ـ 18 تعود لتقصف ضفة النهر، فإن وزير الاعلام العراقي كان لا يزال يعقد مؤتمراً صحافياً على سطح فندق فلسطين، على بعد لا يتجاوز نصف الميل عن المعركة، وذلك قبل ان يختفي إلى رحاب المجهول. وبينما كانت القذائف تنفجر على يساره والسكون تمزقه الطائرات الأميركية النفاثة المغيرة على المدينة، أعلن محمد سعيد الصحاف امام 100 صحفي ان الأمر برمته لا يعدو كونه اجراء دعائياً وان الاميركيين لم يعودوا يسيطرون على مطار بغداد وانه يتعين على الصحفيين ان «يتأكدوا من الحقائق ويعيدوا التأكد منها ـ ذلك هو كل ما اطلبه منكم». وللأسف فان حرائق النفط وانفجارات القنابل ودخان المتفجرات كانت تحجب الضفة الغربية من النهر، وبالتالي فان التأكد من الحقائق لم يعد بالامكان القيام به من خلال النظر خلف ظهر الصحاف. ان ما اراد العالم معرفته بالطبع، هو السؤال الذي يفرض نفسه على جميع الأسئلة الأخرى، وهو: اين كان الرئيس صدام؟ ولكن الصحاف استغل وقته في ادانة قناة الجزيرة العربية لتحيزها للولايات المتحدة وفي شتم الأميركيين لاستخدامهم «ردهات وقاعات» قصر صدام حسين لترويج «دعاية رخيصة» وصاح بصوت علا على صوت المعركة: سيدفنون «الأميركيين» هنا. لاتصدقوا هؤلاء الغزاة. سيمنون بالهزيمة. وكلما اسهب في حديثه زادت رغبة المرء في مقاطعة كلامه والقول له: لكن انتظر سيدي الوزير وألق نظرة من فوق كتفك اليمنى! ولكن بالطبع لاتسير الأمور على هذا النحو. واقترح بتحد قائلاً: لماذا لا نقوم جميعنا بجولة في وسط المدينة.وهكذا فعلت. كانت حافلات المؤسسة العامة للمواصلات ذات الطابقين تعمل على الخط، وإذا كانت المحلات مغلقة، فإن الأكشاك كانت مفتوحة، وتجمع الرجال في المقاهي لمناقشة الحرب ترجلت من السيارة لشراء الفاكهة عندما عبرت طائرة أميركية تحلق على ارتفاع منخفض فوق الشارع وأسقطت حمولتها على بعد 1000 متر في انفجار غير ضغط الهواء في أذني. ولكن كل زاوية في الشارع كانت تحوي مجموعة من رجال الميليشيا، وعندما وصلت الى جوار وزارة الخارجية في الاتجاه المقابل لقوات المارينز الأميركية، كان طاقم مدفعية عراقي منهمك في اطلاق قذائف مدفعية من عيار 120 ملليمتر على الأميركيين من وسط عربة نقل ثنائي القمرة، وكانت فوهة النيران تسطع في الضباب الأسود الرمادي الذي ينساق فوق بغداد. في غضون ساعة ونصف، كان الأميركيون قد تحركوا الى الواجهة المائية الجنوبية وكان هناك خطر اجتياحهم لوزارة الاعلام وخارج فندق الرشيد، فتح جنود المارينز النار على المدنيين ورجال الميليشيا، حيث اطلقوا النار على سائق دراجة نارية ماراً فأسقطوه على الشارع وكذلك على مصور لوكالة رويترز للأنباء، الذي استطاع ان ينجو بثقوب رصاص في سيارته. في جميع أنحاء بغداد، كانت المستشفيات تغص بالجرحى، والكثيرين منهم نساء وأطفال اصابتهم شظايا من القنابل العنقودية وبحلول الغسق، كان الأميركيون يحلقون بطائرات اف/ايه-18 في اسناد جوي قريب لقوات المارينز، وهم واثقون جداً من تدميرهم للمدافع العراقية المضادة للطائرات بحيث أنه بات بالإمكان رؤيتهم بوضوح وهم يحلقون في السماء الرمادية والبنية اللون على شكل أزواج.هل كان هذا ما يصفونه «غني بالتاريخ»؟ لقد غزا الجنرال ستانلي مود العراق في عام 1917، واحتل بغداد. وقمنا بتكرار هذا العمل في عام 1941 عندما قرر رئيس الوزراء العراقي الأسبق رشيد علي مساندة ألمانيا النازية. وقام البريطانيون والاستراليون والعرب ب«تحرير» دمشق من الحكم التركي في عام 1918. وقام الاسرائيليون باحتلال بيروت في عام 1982 وعاشوا ـ ليس جميعهم ـ ليندموا على ذلك. والآن تتحرك جيوش أميركا، ومن ورائها بريطانيا ـ شبح باهت لجيش مود ـ بشكل مضطرد إلى داخل هذه العاصمة العربية الواقعة في أقصى الشمال الشرقي لتسيطر على أرض تحد إيران وتركيا وسوريا والأردن والسعودية. ومع هبوط الليل، صادفت ثلاثة مدافعين عراقيين على الطرف الشرقي لجسر الرشيد الكبير، وكان هؤلاد الثلاثة ـ وهما بعثيان وشرطي ـ مستعدين للدفاع عن الشاطيء الشرقي في مواجهة اعظم جيش عرفته الإنسانية. أعتقدت أن ذلك بحد ذاته يروي شيئا عن شجاعة العرب ويأسهم في آن معاً. بقلم: روبرت فيسك _ ترجمة: ضرار عمير عن «إندبندنت»