الاحد 11 صفر 1424 هـ الموافق 13 ابريل 2003 هل ظل الأوروبيون منذ خمسين عاماً ينشدون الوحدة ويسعون إلى تحقيقها لا لشيء إلا ليشتروا البازيلاء بسعر أقل في سوق مختلة مضطربة يهيمن عليها الأميركيون أنفسهم؟ أم من أجل أن يستعيدوا تحكمهم المفقود في مصيرهم أمام هؤلاء الأميركيين، ذلك هو السؤال الوحيد الذي ينبغي على كل مواطني أوروبا النامية وقادتها أن يطرحوه على أنفسهم في نهاية هذا القرن الذي تسقط فيه كل الآجال الأساسية ـ النقدية، والعسكرية والمؤسساتية ـ التي ستثبت مصيرهم المشترك وترسّخه إلى الأبد. نعم لأوروبا القوة والعظمة! لا لأوروبا السوبرماركت! تلك هي الإجابة التي يمكن أن يجيب بها على ذلك السؤال كل الذين يفضلون حرية الذئب الهزيل الذي لا يرعاه راع على حياة الكلاب السمينة المقيدة إلى السلاسل الأميركية.فعند أقصى طرفي القارة الأورو-آسيوية الشاسعة تهب القوى الرافضة للهيمنة الأميركية التي لم تكن في النهاية سوى هيمنة عابرة وآيلة للزوال. فسقوط حائط برلين لم يسجل نهاية التاريخ، بل التاريخ مستمر، فالصين الآن بصدد استعادة عظمتها الغابرة، وأوروبا المتعثرة تعيد رصّ صفوفها. وبعد هذا سوف تولد روسيا من جديد، وتحرّر اليابان، وتستيقط الهند، ويحصل العالم العربي والإسلامي وأميركا اللاتينية وإفريقيا على هوامش من الحرية أوسع بكثير مما لها اليوم. وفي قلب أوروبا سوف تسترد فرنسا التي لم تعد العزلة تسعفها مكانها على المسرح العالمي. وعبر هذه المسيرة نحو استعادة التحكم في قدرها المحتوم ستكون أوروبا مطالبة بأن تقطع أيضاً مرحلتين حاسمتين أخريين وهو تزودها بمؤسسات سياسية قوية وديمقراطية لأن ذلك سوف يكون شرطاً أساسياً لتوسعها إلى كامل نطاقها الجغرافي والتاريخي والثقافي، من ناحية، ومن ناحية أخرى أن تصبح قوة عسكرية مستقلة تتمتع بالقدرة التي بدونها لن تكون يوماً سيدة على سياستها الخارجية حقاً. إذا كان دعم مؤسسات الاتحاد الأوروبية المركزية الضرورية لتوسعه التدريجي إلى غاية «حدوده الطبيعية» يظل ممكناً في مجال الدفاع والأمن فإن البناء الأوروبي في المقابل يراوح مكانه حتى أنه يبدو مجمداً. «تستطيع أوروبا بل وعليها أن تفرض نفسها من جديد كواحدة من العناصر الكبرى الفاعلة في العالم». هكذا صرح الرئيس شيراك يوم 8 يونيو 1996 في باريس أمام مستمعيه من أعضاء معهد الدراسات العليا للدفاع الوطني، حيث أضاف في هذا الصدد: «على أوروبا أولاً أن تضمن على أراضيها السلم والأمان. ولكي تؤمنهما لا بد من بناء أسلوب أمني جديد يقوم على أسس ثلاثة: وحدة أوروبية قوية، وحلف أطلسي مجدّد ونظام أوروبي للأمن يمنح لروسيا المكانة التي تليق بها. لكن على أوروبا أيضاً أن تساهم في بناء استقرار شامل للعالم بما يمليه عليها تاريخها ومستوى نموها وتطورها وكذلك مصالحها. وينبغي عليها إذن لكل هذه الأسباب أن تتزود بسياسة دفاعية وخارجية مشتركة قوية تستطيع فرنسا أن تلعب فيها دوراً محركاً أساسياً من أجل ترقية ذلك التوازن الجديد الذي تطمح إليه أوروبا منذ انتهاء الحرب الباردة». فهل من أوروبي واحد لايؤمن بهذه الأقوال ؟ ولكن في الواقع أين أوروبا من كل ذلك اليوم ؟لا شك أن قضية الحرب والسلم في القارة القديمة تقع منذ نصف قرن في قلب البناء الأوروبي. لكن محركي هذا البناء الأوائل كانوا يرون فيه وسيلة لإنهاء المواجهة الدائمة للأمم بإنشاء نسيج كامل من الترابط والتوافق (أي توافق مصالح هذا على ذاك واتكال هذا على ذاك) في ما بين هذه الأمم، يحول نهائياً دونها والوقوع من جديد في مثل الصراعات الدامية التي كانت تشتعل بينها في الماضي وتضعفها بحيث تفقدها جزءاً كبيراً من ثقلها وتأثيرها في قضايا العالم. ومن ثم يمثل استرجاع هذا الثقل وهذا التأثير الهدف الأخير والأسمى للمشروع الأوروبي. ففي المرحلة المباشرة لما بعد الحرب لم تكن دول أوروبا المعنية قد بلغت من النضج لتقبل التنازل عن السيادة الذي كان يقتضيه مشروع الدفاع المشترك. ففي العام 1954 كان مشروع الوحدة الأوروبية للدفاع قد رفض، وبعد ذلك بعشر سنوات تقريباً شهد مخطط فوشي الأقل طموحاً، للمصير نفسه. ولا شك أن التهديد السوفييتي الذي ظل يخيم على مدى أربعين عاماً على الجزء الغربي من أوروبا على الخصوص قد فرض على أمم هذا الجزء من القارة الاحتماء بالولايات المتحدة، حليفها الأقوى فيما وراء الأطلسي. فقد فوضت هذه الدول أمر أمنها لهذه الأخيرة، وظلت فرنسا الجنرال ديغول ومن خلفه في الحكم، المزودة بالسلاح الذرّي أقل تبعية لواشنطن من جيرانها، ومع ذلك فقد أنشئ عام 1948 (بموجب معاهدة بروكسل) الاتحاد الأوروبي الغربي من أجل إعطاء بعض القوة والتماسك لفكرة الدفاع الأوروبي. غير أن هذه المؤسسة سرعان ما همِّشت لصالح منظمة معاهدة الأطلسي الشمالي، الذراع المسلح للحلف الأطلسي الذي أسس فيما بعد بموجب معاهدة واشنطن، ولا تزال هذه الوضعية قائمة إلى الآن. غير أن انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة قد غيّرا كل شيء. فبإنهائها للتهديد الشامل الذي ظل يخيم على أوروبا الغربية أنهت دور الولايات المتحدة العسكري المهيمن في هذا الجزء من العالم الذي أصبح في غضون ذلك، من معاهدة روما إلى معاهدة ماستريخت، القوة الاقتصادية الأولى في العالم، وأصبحت عملتها الموحدة قابلة لأن تحل يوماً محل الدولار. ففي محيط أصبح لا يخلو من مخاطر تهددها من كل جانب على أوروبا أن تعيد النظر في هندسة بناء أمنها وفقاً لمعطيات باتت تختلف اختلافاً جذرياً عن تلك التي كانت قائمة في زمن الصراع ما بين الشرق والغرب. يعني ذلك أنه يتعين على أوروبا من الآن فصاعداً أن تعوّل على نفسها أولاً وأخيراً. ولا شك أن روسيا لا يمكن أن تفلت من مصيرها الأوروآسيوي كدولة إمبراطورية. غير أنه بانشغالها الكامل، وسط ألف مشكلة ومشكلة، ببناء سلطة مركزية قوية جديدة وبتأكيد تفوقها على باقي الجمهوريات التي كانت تشكل معها الاتحاد السوفييتي سابقاً، فلن تمارس ولو قبل فترة طويلة أي تهديد حقيقي على منطقتها العازلة القديمة من أوروبا الوسطى ومن باب أولى أبعد من ذلك في اتجاه الغرب. وعلى الاتحاد الأوروبي وهو متمسك بالبحث عن الحد الأقصى من أرضيات التفاهم مع روسيا أن يظل مثل الولايات المتحدة نفسها، يقظاً وأن يتأهب دوماً لكل الاحتمالات. وفي أوروبا الوسطى نفسها هذه، في البلقان تحديداً، حيث ما فتئت يوغسلافيا السابقة تتفجر من الداخل وحيث، بعد البوسنة، تهدّد الصراعات العرقية التي قد لا تقل عنها دموية بالانفجار في مونتينغرو وكوسوفو، وفي مقدونيا وألبانيا، وفي الوقت الذي يظل المستقبل الغامض للأقليات المجرية والسلوفاكية والرومانية يثير الكثير من المخاوف، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتزود سريعاً بوسائل الحفاظ على السلام وعلى استتبابه، أقوى وأنجع من تلك نشرها عبثاً في البوسنة قبل أن يتدخل الأميركيون في تلك الأوضاع المتفاقمة. وأكثر من ذلك لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتصرف وكأنه لن يتورط عسكرياً قط على جانبه الجنوبي، في المتوسط الشرقي، وفي المغرب، وأبعد من ذلك في إفريقيا شبه الصحراوية، أي في جزء من العالم تقتضي مصلحته العليا أن يساعده على النمو وعلى الاستقرار، والذي لا شيء ينبئ بخروجه الوشيك من منطقة الاضطرابات. وفي كل هذه الأصقاع لا يمكن لمصالح الولايات المتحدة الحيوية أن تتعرض للخطر في حال حدوث أي صراعات إلا بشكل هامشي واستثنائي. ولذلك فلم يعد للولايات المتحدة أية مبررات قوية للتورط في هذه الصراعات بشكل دائم إلى جانب الأوروبيين. غير أن هذا التغير في التوزيعة الاستراتيجية لم يؤد بالأميركيين إلى حل منظمة معاهدة شمال الأطلسي كما كان الشأن بالنسبة لميثاق وارسو التي كانت نظيرتها شرقاً خلال الحرب الباردة، بل لقد تمسكوا، على العكس من ذلك، بتخليد منظمة الأطلسي الشمالي العسكرية الكبرى التي لا يزالون يلعبون على رأسها دوراً رئيسياً بإيجاد مبررات أخرى لاستمرارها حتى وإن كانت مبررات مصطنعة لأن هذه المؤسسة هي وسيلتهم الوحيدة في الحفاظ على هيمنتهم على القارة القديمة. بل وأكثر من ذلك فقد عمدوا على مراحل إلى ضم بلدان أوروبا الوسطى والشرقية التي كانت تنتمي إلى المعسكر الاشتراكي حتى سقوط حائط برلين، إلى هذه المؤسسة، بل ولقد نجحوا في إشراك روسيا نفسها في مشروعهم، بمنحها مقابل انضمامها، حق الرقابة على قضايا أوروبا الغربية، وهو واحد من أقدم أهدافها التي لم تستطع تحقيقها حتى تلك اللحظة (الميثاق الأساسي ما بين روسيا ومنظمة معاهدة الأطلسي الشمالي المبرم في يوليو عام 1997). هل سيرضخ الاتحاد الأوروبي لهذا الوضع ؟ لا بالتأكيد. على الأقل إن كان يريد استعادة التحكم في مصيره. لكن في هذا المجال أكثر من أي مجال آخر يظل هامش حرية أنصار «أوروبا القوية». في التحرك من أضيق الهوامش. فقد فرضت فرنسا التي كانت في طليعة هذا الكفاح بخروجها من منظمة معاهدة الأطلس الشمالي العزلة على نفسها بانفرادها بهذا الهامش بمعظم شركائها يترددون في اللحاق بها في هذا المجال إن لم يرفضوا ذلك صراحة. فبعضهم لا يزال مقتنعاً بالأهمية الاستراتيجية الأساسية لبقاء الولايات المتحدة على المسرح الأوروبي، بينما يكره آخرون الاصطدام المباشر بها لأسباب أكثر تفاهة ولاسيما التجارية منها. فالجميع يخشى قليلاً أو كثيراً الثمن المالي لأي استقلال أوروبي في هذا المجال والذي لا يمكن تصوره من دون نفقات تسليح عالية. وعلى هذا النحو يظل الدبلوماسيون الأميركيون يناورون على هواهم ويستمر قادة البنتاغون في فرض إرادتهم من دون عناء، وما أزمة العلاقات ما بين باريس وواشنطن وبروكسل المزمنة على مدى السنوات الأخيرة إلا خير دليل على ذلك. ففي باريس حيث الطموح الأوروبي شعور مشترك تتشاطره أغلبية الطبقة السياسية من اليمين إلى اليسار لا أحد يجهل أو يتجاهل هذه التحفظات، والكل يعرف جيداً أنه ليس بالإمكان في الوقت الحالي بناء أوروبا دفاعية مستقلة عن الولايات المتحدة استقلالاً كلياً، وبالأحرى إن خاطرت أوروبا بإلغاء منظمة معاهدة الأطلس الشمالي. فقد تعلل الكثير خلال السنوات الأخيرة بأمل إنشاء «دعامة أوروبية للدفاع» في داخل المنظمة العسكرية الأطلسية الكبرى، بغية إحداث التوازن مع الدعامة الأميركية الدفاعية، يتقاسم الطرفان قيادة المؤسستين إلى أن تصبح في يوم من الأيام قيادة أي حلف من النمط الكلاسيكي. وبناءً على هذا المشروع نظمت حملتان دبلوماسيتان قادتهما فرنسا معاً، الواحدة في داخل الاتحاد الأوروبي نفسه والأخرى في اتجاه الولايات المتحدة. لكن كلا الحملتين لم تحققا تقريباً أي نجاح يذكر إلى اليوم. فعلى أثر انتهاء الحرب الباردة اعتقد المسئولون في باريس أن اتحاد أوروبا الغربية القديم الذي لم يكن له على مدى أربعة عقود من الزمن أي وجود إلا على الورق، والذي كان مع ذلك المنظمة الأوروبية الوحيدة المؤهلة في مجال الدفاع، قد أصبح مهيأً لأن يشكل تلك «الدعامة الدفاعية» لمنظمة معاهدة الأطلسي الشمالي الموازن لثقل الولايات المتحدة الدفاعي. ومما زاد ذلك الاعتقاد رسوخاً أن معاهدة ماستريخت قد نصّت في حيثياتها بصراحة ووضوح أن اتحاد أوروبا الغربية سوف يدرج ضمن مؤسسات الاتحاد الأوروبي وسوف يُكلّف بإعداد سياسته الخارجية والأمنية المشتركة. غير أن هذا الترتيب كان واحداً من بين الترتيبات ـ ومنها الترتيب الخاص بإصلاح المؤسسات بغرض التوسعات المستقبلية ـ التي كان ينبغي توضيحها من قبل ندوة ما بين الحكومات التي كانت ستعقد بعد عامين من سريان المعاهدة، بغية إثرائها والتوسع في مضامينها. لكن نظراً لغياب الإرادة السياسية الفاعلة فلم تتمخض ندوة ما بين الحكومات عن أي شيء في هذا المجال الأساسي. فمعاهدة أمستردام لم تقدم أي جديد في هذا الشأن بل أعادت ما هو موجود ضمن معاهدة ماستريخت، ويظل اتحاد أوروبا الغربية وفقاً لأمنية الأنجليز وبالطبع لأمنية الأميركيين أيضاً، خارج الاتحاد ومن دون أي وسائل حقيقية. وفي النهاية لم يرغب أحد في القيام بأي مبادرة بعد أن تعذر على فرنسا إقناع شركائها. في وجه سيل من المطالبات الفرنسية، لم يقدم الاميركيون سوى تنازل واحد بدا مهماً في البداية، ولكنه لم يكن سوى مظهر للأوروبيين الذين قنعوا به، وهو اتفاق أبرم يومي 3 و 4 يونيو 1996 في برلين ما بين كل شركاء الحلف حول تحديد مجموعات قوات الجيوش المشتركة المتعددة الجنسيات التي تتيح للبلدان الأوروبية (ولكن ليس لاتحاد أوروبا الغربية نفسها المحكوم عليها بأن تظل مجرد واجهة) بالتدخل عند الاقتضاء بوسائل منظمة معاهدة الأطلسي الشمالي بدون الأميركيين، في عمليات إنسانية أو في عمليات الحفاظ على السلم أو استعادته. لكن الوثيقة التي صودق عليها في برلين قد بينت بوضوح أن كل قرار بالتدخل العسكري الأوروبي عن طريق منظمة معاهدة الأطلسي الشمالي لا بد أن يخضع لترخيص بالإجماع من مجلس الأطلسي أي لموافقة الولايات المتحدة التي تحتفظ على هذا النحو بحق الفيتو المطلق على كل العمليات العسكرية الأوروبية التي تستعمل وسائل المنظمة حتى وإن لم يكن جنودها معنيين بهذه العمليات.باختصار لم يكن اتفاق برلين سوى غش وتضليل. فوداعاً لـ «دعامة الأوروبا الدفاعية»، وداعاً لـ «الزعامة المشتركة «الأورو-أميركية!» بذلك عاد الوضع في مجمله إلى ما كان عليه عام 1996 عندما قام بعد أن أعيته الحيلة بصفق الباب غضباً بعد أن تعذّر عليه الحصول من الولايات المتحدة على أي تنازل حول مطلبه الأساسي الذي عرضه عليها فور عودته إلى الحكم عام 1958 وهو إنشاء زعامة مشتركة فرنسية إنجليزية أميركية على الحلف الأطلسي (لم يكن الحديث عن أوروبا آنذاك قد بدأ بعد). وأمام هذه الوضعية المجمدة كلياً راح الكثير في باريس ولا سيما بعد عودة اليسار إلى الحكم يطالبون بأن تتراجع فرنسا عن مشروعها في انتظار مستقبل أفضل أي إلى أن تتطور الذهنيات في العواصم الأوروبية الكبرى الأخرى. غير أنه في غياب طفرة مؤسسية كبرى والتي باتت غير محتملة في المستقبل المنظور، فقد بدأت العلاقات العسكرية في داخل الاتحاد الأوروبي تتطور خلال السنوات الأخيرة في مجالين اثنين: في مجال التعاون ما بين الجيوش وفي مجال التقارب ما بين صناعات الأسلحة. ففي انتظار التخطيط الفعلي لسياسة أوروبية حقيقية للدفاع وللأمن المشترك فقد تحققت نتائج مشجعة فيما يخص إنشاء قوات البلدان الأعضاء في الاتحاد الأكثر عزماً وتصميماً من غيرها على العمل معاً في تلاؤم وانسجام، متمثلة في «الفيلق الأوروبي» الفرنسي الألماني الذي أنشئ عام 1992 والذي انضمت إليه العديد من البلدان الأخرى والذي أصبح فاعلاً ابتداءً من خريف عام 1996 بـ 50 ألف رجل و645 دبابة قتالية، ثم «القوة الأوروبية» والقوة الأوروبية البحرية اللتان أنشئتا منذ عهد أقرب (مايو 1995) واللتان تمثلان قوات عادية متعددة الجنسيات مخصصة للتنسيق ما بين قوات التدخل السريع البرية والبحرية الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية ثم القيادة العسكرية المشتركة الفرنسية البريطانية التي أنشئت عام 1994 وفقاً للمبدأ نفسه، أو أيضاً الفيلق البرمائي الإنجلو-أيرلندي الذي رأى النور في الفترة نفسها تقريباً. وبذلك كله تكون قد نشأت بالفعل معالم مهمة تبشر بميلاد جيش أوروبي حقيقي مستقبلاً بإنشاء قيادة عليا لما بين الجيوش مشتركة ودائمة تخضع لها سلاسل قيادية دائمة تشترك فيها، كما اشتركت في العملة الموحدة، البلدان التي يسعها ذلك ولا سيما منها التي ترغب فعلاً في ذلك.ولكن حتى يكون لكل ذلك معنى لا بد في الوقت نفسه أن تذهب الدول المعنية إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير نحو التعاون في مجال لا يقل أهمية ألا وهو مجال التسلح. فباعتمادها على موارد بشرية وتكنولوجية وصناعية ترقى إلى أعلى المستويات العالمية لا تزال الصناعة الأوروبية للأسلحة تتغير إلى اليوم بتغاير وتنافر كبيرين يجعلان منها صناعة واهنة وعفوية في سياق من الارتفاع المستمر للتكاليف ومن التقليصات العامة في الميزانيات المرصودة ومن المنافسة المتزايدة الأميركية منها بوجه خاص. فعلى الرغم من تركزها في حدود 90% في أربع دول فقط وهي فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا فإن صناعة التسلح الأوروبية لا تزال صناعة مشتتة ومضطربة بنتائج مالية مشؤومةبالنسبة لكافة مؤسساتها تقريباً. وحتى نكتفي ببعض الحالات على سبيل المثال وليس الحصر فإنه يوجد حالياً أربعة منتجين للدبابات القتالية في أوروبا مقابل منتج واحد في الولايات المتحدة، وأحد عشر مصنعاً للفرقاطات مقابل مصنّع واحد، وستة مصنّعي طائرات هجوميّة برية مقابل مصنّع واحد، وتسعة منتجي صواريخ مضادة للبواخر مقابل ثلاثة. ولا شك أن الصناعة الفرنسية المثبطة في هذا المجال لشركائها ولا سيما الألمان والإنجليز مثال نموذجي لتذبذب صناعة الأسلحة الأوروبية. فبالإضافة إلى الخلافات والنزاعات (كالتي نشبت إلى الآن ما بين الشركات ايروسباسيال وماترا وداسو في مجال الصناعة الفضائية،أو ثوم، الكاتل، ساجم، سي.اس.اف ثم ماترا من جديد في مجال ألكترونيات الدفاع) فإن خلل الصناعة الفرنسية يمكن تفسيره على ضوء أسباب تاريخية واضحة ما فتئت تحد بشكل كبير هامش حركة وتكيف مسئولي قواتها المسلحة مع الحقائق والأوضاع الاستراتيجية العالمية الجديدة.ففي خلال العقد الذي أعقب حرب الجزائر بادرت فرنسا في الأخير بعد تخلّصها من التزاماتها الاستعمارية القديمة. وبدفع قوي من الجنرال ديغول، بالتزود بجيش «عصري» قادر على احتلال مكانته اللائقة في الصراع ما بين الشرق والغرب المهيمن في تلك الفترة مع احتفاظها بأوسع قدر من الاستقلال في اتخاذ القرار والعمل بالنسبة لحلفائها، وفي مقدمتهم الأميركيون. وبإعطائها الأولوية المطلقة لبناء قوة ردع نووية قومية سعت فرنسا في ذات الوقت إلى تفعيل سلسلة كاملة من المشاريع التسليح الكبرى التي كانت قد وضعت خططها قبل ذلك بسنوات قليلة الجمهورية الرابعة (مثل القنبلة الذرية نفسها التي قرّر صنعها بييرمانديس فرانس) والتي ظل معظمها متوقفاً ومنها حاملة الطائرات كليمنصو والغواصات النووية القاذفة للصواريخ من الجيل الأول، والطائرات القتالية جاغوار وميراج، وطائرات النقل ترانسال، والدبابات «اماكس». ولا تزال كل هذه الأسلحة في الخدمة إلى الآن ولكنها مصابة جميعها بالقدم والبلى ولذلك فهي خليقة بأن تعوّض. وتحقيقاً لذلك فقد وضعت قبل نحو عشر سنوات برامج لصناعات جديدة سوف يتم إنجازها عند نهاية القرن أو بعده بقليل ومنها حاملات الطائرات «شارل ديغول» ذات الدفع النووي، والغواصات النووية القاذفة للصواريخ من الجيل الثاني من نوع تروامفان والطائرة القتالية رافال، والدبابة لوكلير، والتي يمكن أن نضيف إليها الطائرة المروحية تايغر الفرنسية الألمانية. وسيكون إنجاز كل هذه البرامج جد باهظ ويكاد يجاوز حدود الإمكانيات الفرنسية ناهيك عن تكلفة البرنامج النووي العسكري الذي سينجز هو الآخر. غير أنه يبدو في الوقت نفسه أن مواجهة النزاعات ذات الطابع الجديد الناتجة عن السياق الجيوستراتيجي لما بعد الحرب الباردة تقتضي الإسراع في التخطيط لبرامج جديدة أخرى أكثر تكلفة بالتأكيد في مجالات تعتبر أساسية في الوقت الحالي، في مجالات المراقبة العسكرية الفضائية والنقل الجوي لنقل القوات على مسافات متوسطة وطويلة، وأسلحة هجومية جديدة دقيقة بعيدة ومتناهية المدى. غير أنه لكي يتسنى إنجاز أسلحة المستقبل هذه، المستقبل الذي يكاد أن يكون فورياً فإن فرنسا لا تملك من المال لتحقيق ذلك إلا القليل حيث رصدت كل ما تبقى لها منه تقريباً لمواصلة تصنيع دبابات وطائرات «الحرب الباردة» التي لم تنته في نظرها بعد. ولا سبيل لخروجها من هذا الطريق المسدود سوى الإقدام الحاسم والسريع على بناء أوروبا الدفاع والتسلح. والحال أن الدفاع والتسلح هو المجال الذي تتربص له الولايات المتحدة وتترصد بدافع حرصها على الإبقاء على تفوقها وهيمنتها على القارة القديمة. لذلك تبذل فرنسا قصارى جهودها في صنع الدبابة لوكلير والطائرة القتالية رافال (بعد أن رفضت الاشتراك مع الإنجليز والألمان في صنع نظيرها الـ اليوروفايتر وعتاد عسكري صمم خصيصاً في سياق جيوستراتيجي لم يعد قائماً الآن، لكي يطرد إلى غابة الأورال قوات المعسكر الاشتراكي الذي لم يعد له وجود الآن. في ذات الوقت يغري الأميركيون شركاءهم الأوروبيين بالتوجه نحو مجال إنتاج هذه الأسلحة الجديدة الحاسمة وعلى هذا النحو كانت برامج الألمان لصناعة الأقمار الصناعية هليوس وهوروس. وما قيل عن فرنسا يمكن لنفس الأسباب أو لأسباب أخرى أن يقال عن ألمانيا أو عن بريطانيا العظمى أيضاً.غير أنه مع ذلك فقد دخلت الصناعة الأوروبية للأسلحة في السنوات الأخيرة في مرحلة عميقة من إعادة الهيكلة حيث بدأ عدد كبير من مسئوليها يدركون ضرورة التعاون المشترك حتى يظلوا في السباق ويواكبوا المنافسة. ولذلك نشهد اليوم مزيداً من البرامج التي سوف تنجز عن طريق التعاون في إطار شراكات أوروبية متنوعة تجسدها دول معينة كما كان الشأن قبل سنوات مع اريان وايرباص اللتين تتأهبان لصنع طائرات حربية بالإضافة إلى صناعتهما المدنية، وتلك هي المهمة التي تكب عليها في إطار اتحاد أوروبا العربية مجموعة تسلح أوروبا الغربية في إطار إعدادها للوكالة الأوروبية للتسلح المقررة ضمن معاهدة ماستريخت والتي رأت النور في النهاية عام 1996 وكانت بريطانيا العظمى نفسها من ضمن البلدان المعنية فيها.ولا ينبغي أن يغيب أن أذهاننا أن الطريق أمام هذه الدول لا يزال طويلاً وشاقاً، فالوكالة الأوروبية للتسلح لا تزال تتعثر وتواجه العديد من العوائق والمصاعب. وحتى وإن كانت هذه الدول قد شرعت خلال السنوات الأخيرة في التقدم في الاتجاه الصحيح فإن ميل الأوروبيين نحو شراء أسلحة أميركية جاهزة لا يزال قوياً لأنها أقل تكلفة من أن تصنعها بنفسها، حتى وإن اشترك في ذلك التصنيع مصانع أوروبية عديدة. فمن بين الأمثلة العديدة التي يمكن ذكرها في هذا الشأن مثال هولندا عند شرائها لثلاثين طائرة ثم بريطانيا عند شرائها لسبعة وستين طائرة اللتين أعربتا خلال صيف 1995 عن قرارهما التزود بالمروحيات القتالية الاباتشي من الشركة الأميركية ماكدونالد دوغلاس بدلاً من المروحيات تايغر التي تنتجها الشركة الفرنسية الألمانية يوروكبتر المتفرعة عن الفرنسية ايروسباسيان والألمانية داسا من المجموعة ديملر-بنز. ومع ذلك فإنه من الواضح أنه طالما تظل أوروبا عاجزة عن صنع كامل أسلحتها بنفسها وطالما تظل تابعة في هذا المجال الحيوي للممول الأميركي فلن تكون لها سياسة خارجية ودفاعية مشتركة مستقلة كل الاستقلالية ولن تكون سيدة مستقبلها وأقدارها. فعلى أوروبا إذن أن تطرّق سلاحها بنفسها لأن طريق السلاح لا يقل أهمية عن صك النقود، حتى يتسنى لأوروبا أن تصير من جديد ملكاً للأوروبيين.