السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 نتيجة المعركة بادية في كل مكان هنا، الشاحنات وناقلات الجند المحترقة ومدفعية الميدان العراقية المدمرة والحفر وأشجار النخل المتفحمة إلى يمين الشارع قريباً من التقاطع حيث توجد دبابة ابرامز أميركية محترقة توجه مدفعها نحو الطريق السريع، وتطل منها وجوه جنود عراقيين مبتسمين. كانت هناك خمس دبابات أميركية أخرى مدمرة، مثلما أكد وزير الاعلام العراقي سعيد الصحاف لاحقاً. وهذا ما جعل العراقيين الذين يمرون بسياراتهم في شوارع بغداد يطلقون الرصاص في الهواء فرحاً، فقد كان نصراً كبيراً. لكنه نصر باهظ الثمن، دماً وأرواحاً، فحينما وصلت للمكان كان الجزء الأكبر من حطام المعركة قد أزيل: جثث ودم وقيء، غير ان البنتاغون والعراقيين عملوا كل ما بمقدورهم للتعتيم على هذه المجزرة الصغيرة بالاكاذيب، قال البنتاغون ان ألفي عراقي قتلوا، وأكد العراقيون ان خمسين أميركياً قتلوا، أكثر اعتدالاً من الآخرين، واعترف الجانبان بخسائر بشرية مدنية، وأترك للقارئ ان يتوقع ما يمكن ان يكون قد وقع. كان هناك مدفع عراقي مضاد للدبابات عيار 106ملم وثلاث ناقلات جنود مدرعة عراقية وأكثر من 25 شاحنة عسكرية وراجمة صواريخ كاتيوشا عراقية متناثرة محترقة على الأرض المغبرة حول الطريق السريع على بعد سبعة أميال من وسط بغداد.وحتى حينما كنت أقف على هذا الحديد الذي لا يزال ساخناً، عادت الطائرات الأميركية لتترك في الأجواء دخانها المرئي للعيان من الأسفل فوق ميدان المعركة، ثم كانت هناك الدبابة الأميركية.كانت الدبابة قد تعرضت لثقب واضح في درعها، من المؤكد تقريباً انه نتج عن مدفع عيار 106 ملم، ربما ذلك المدفع العراقي الذي رأيته مقلوباً على بعد 200 متر منها، صعدت على برج الدبابة الغائر ـ دبابة ابرامز لا يرتفع مدفعها إلا قليلاً عن مستوى درعها لتقليل فرصة اصابته ـ ودرت حولها محدقاً في داخلها، لم يكن هناك أميركيون في داخلها، لم يكن هناك سوى اسم على بساطته المدفع «كوجون اي اتش» وهذا ما تسبب بتباين ثقافي في أحاديثنا مع المدنيين العراقيين، وبعضهم اتى بسيارته من بيته في هذا الصباح الحار للقيام بسياحة حربية واقعية خطرة. كانت هناك بعض الصعوبة في ترجمة «كوجونز» على أنها «بيضات»، غير اننا تساءلنا عما إذا كان الحرفان «اي اتش» فعلاً الحرفين الأولين من اسم آمر الدبابة فكيف يسمي دبابته باسم بيضة واحدة فقط، وتساءل العراقيون عن السبب الذي يجعل جندياً يسمى دبابته «بيضة» أصلاً، في تلك اللحظة على ما يبدو قرر أحد الطيارين الأميركيين ان يلقي نظرة عن قرب علينا. غير ان ايقاع الطائرات المحلقة على علو منخفض تغيرت بسرعة مع زيادة مقاتلة هجومية لسرعتها أمام عيوننا، حينها رأيت «رمزي» وهو مصور «عجوز» اعرفه من أيام الحرب الأهلية في لبنان، يركض فراراً بحياته بعيداً عن الطريق، وأنا أعرف ان رمزي حين يركض، فإن من الضروري حينها أن أفعل الشيء نفسه، قفزت من على الدبابة الأميركية وركضت هارباً على الطريق إلى جانب أكثر من عشر جنود وصحافيين عراقيين، وأرعدت الطائرة فوقنا، هل كان يريد إلقاء نظرة فحسب؟ هل كان يا ترى غير مرتاح لمشهد صحافيين يتفرجون على دبابة بلاده المشلولة؟أتعرفون ما حدث؟ لقد تحول الثقب في درع الدبابة الذي أحدثه صاروخ صغير، إلى شرخ هائل في جانب الدبابة الأيمن نتيجة انفجار ضخم تحتها حفر حفرة بعمق 5 أقدام في الطريق، في البداية اعتقدت أن ذخائر الدبابة انفجرت، لكن هذا كان سيحول أبرامز إلى أشلاء، وإليكم ما حدث، فخلال عملية «السبر» التي قامت بها هذه الدبابات في ضاحية بغداد، وهي المهمة التي لم تتمكن من الوصول إلى الضحية قبل ان تقع في كمين عراقي، أصيب «كونجون» وأنقذت أفرادها دبابة أخرى. ولعدم رغبة الأميركيين في ترك الدبابة القابلة للصيانة غنيمة للعراقيين فقد أمروا قاذفتهم الأميركية بتدميرها، وهذا ما أحدث حفرة كبيرة وقطعاً ضخمة من الاسفلت تناثرت حول الدبابة ربما لم ينقذ المهاجمون طاقم الدبابة، وربما تم أسرهم، مع ان العراقيين بالتأكيد كانوا سيخبروننا بذلك، لكن هناك درسان تكتيكيان يجب تعلمهما مما حدث، الأول هو ان العملية الأميركية ومهما كان هدفها الحقيقي فقد فشلت، فطابور الدبابات الانجلو أميركي لم يتمكن من اختراق الدفاعات والوصول إلى المدينة، كما ذكرت قيادة هذه القوات، بل ان المقاومة العراقية ردتها على أعقابها، والرد الأميركي ـ هجمات جوية على عربات عراقية منفردة ـ فقد نفذتها كما يبدو مروحيات أباتشي لأن كل حطام قد أصيب بصاروخ صغير من مسافات قصيرة. أما الدرس الثاني فكان للعراقيين، لم يكن ينبغي عليهم التقدم بمدرعاتهم وشاحناتهم العسكرية إلى هذا القرب من خط المواجهة، وحتى لو كانوا قد دمروا ست دبابات أميركية كما أكد وزير الاعلام، فقد فعلوا ذلك بتكلفة زادت على خمسة مقابل واحد في عرباتهم ومدافعهم، فقد كان علي أن أقود السيارة بطريقة متعرجة حول الهياكل الحديدية المحطمة لشاحنات الامداد العراقية التي أصيبت اصابات مباشرة وحطامها محاط بالمئات من مظاريف بارود القذائف المنفجرة والمتفحمة. وبالتالي بالمعنى العسكري وعلى الرغم من كل الصخب الذي يحدثه الأميركيون حول «نجاح» الاقتحام الاميركي الفاشل ـ فإن العراقيين حتى الآن ما زالوا ممسكين بالأرض في معركة بغداد، لكن لابد وأنهم قد تعرضوا لمقتل المئات منهم. إنها أيام صعبة لم يفلح حتى وزير الاعلام سعيد الصحاف ان يخفي فيها قلقه عن العالم، بالأمس، فمؤتمره الصحافي الذي عقده أمس في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر مثل كل يوم وهو النظير لمؤتمر السيلية، أجري وأصوات انفجارات الصواريخ والمدفعية مسموعة وسأله أحد الصحافيين باصرار: «وكيف تعرف انه صوت قذائف مدفعية؟ قد يكون صوت الغارات الجوية المتواصلة من جانب أولئك الاوغاد والمرتزقة» لكن كانت هناك فكرة جديدة، في مهمة في المؤتمر الصحافي اليومي للوزير: إشادته المتواصلة للتكتيك الأميركي القائم على اختبار الدفاعات العراقية ليتراجعوا في اللحظة التي يواجهوا فيها هجوماً عراقياً مضاداً. وقال: «هذا حدث في المطار، لقد أتوا ورددناهم ودمرناهم بمدفعيتنا مما جعلهم يتراجعون إلى أبو غريب، لكننا حينما توقفنا عادوا من جديد. وأصر على ان الاحتلال الاميركي للمطار كان لمجرد الاستعراض والدعاية ، لكنه كرر مرتين العبارة «هم يأتون نحن نوقفهم فيتراجعون وحينما نتوقف يعودون» هل كان بمقدور المتحدثين العسكريين الأميركيين ان يضعوا ذلك في صيغة أفضل من ذلك؟ لقد راجعت تقارير يوم الاحد بأن الاميركيين يحاولون اتباع التكتيك نفسه من جديد في ضاحية المنصور، وبالتأكيد فإن نشاط الطائرات الأميركية زاد فوق بغداد عند الغروب، حيث أصبحت تنخفض وتلقي بقنابلها على مناطق غرب نهر دجلة على بعد بضع مئات من الامتار عن موقع معركتي السبت والاحد. وقد كان الغبار المتصاعد نتيجة القصف هائلاً بحيث اختلط بدخان النفط الذي يشعله العراقيون حول بغداد ولم تعد الرؤية تتجاوز بضع مئات من الأمتار، لكن سيارات العراقيين المدنيين كانت تعبر الطرقات في المدينة وهي تحمل الفرش والأغطية والمواعين والصناديق. لقد أخذ العراقيون الذين يعيشون في الفيلات يرحلون متوقعين الأسوأ، والأفضل انهم رحلوا لأن من هنا سيكون أفضل حالاً بدونهم. الاشارة الأخرى على الأيام الأصعب المقبلة هو غياب صحف بغداد اليومية، فلا أحد استطاع ان يشرح أو سيشرح سبب غياب صحف «القادسية» و«العراق» وحتى «العراق» اليومية الانجليزية على بسطات الصحف، أمر، وهو الأهم، ما الذي أدى لاحتجاب صحيفة «بابل» اليومية التي يملكها عدي ابن صدام البكر، كانت تلك بالفعل اشارة لما هو آت. ترجمة : جلال الخليل عن «اندبندنت»