السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 يدين رئيس وزراء بريطانيا توني بلير استعمال السكان المدنيين كدروع بشرية ونصب الصواريخ والمدفعية في المستشفيات والمدارس والمناطق المدنية، في مستهل حوار أجرته معه صحيفة «إيه.بي.سي» فيما يلي نصه: ـ هل كان هناك خطأ في الحسابات حول سرعة تقدم هذه الحرب؟ ـ العمل العسكري سيدوم بقدر ما يكون ذلك ضروريا للقضاء على الرئيس العراقي ونظامه واسلحته للتدمير الشامل. لكن من السهل نسيان ان العراق بلد بمساحة اسبانيا تقريبا. وعندما ينظر الى المسألة من هذه الزاوية، فإن من الصعب عدم التفكير بان التقدم الذي شهدناه كان وجيها. فبعد اسبوعين على بدء هذا، اصبحت مناطق كبيرة في العراق مؤمنة، بما في ذلك حقول النفط التي تتمتع بأهمية كبرى بالنسبة لمستقبل البلاد. وقوات التحالف أصبحت في قلب بغداد، اي بالضبط في مركز العراق حيث دمرت اهداف النظام وهيكليته للتحكم والسيطرة، ولقد بدأت المساعدات الانسانية تتدفق صوب جنوب البلاد، لكن من نافل القول ان ثمة مقاومة وربما تنتظرنا ايام اصعب، مع العلم بأن التقدم حتى الان كان جيدا جداً. ـ كان ينتظر ظهور دعم من جانب الشعب العراقي، لكن لم نشاهد اي بادرة ذات معنى في هذا الصدد هل ما زلتم تنتظرون مشاهدة السكان يقفون الى جانب التحالف؟ ـ ليس لدي أي شك بأنه عندما يتم القضاء على النظام، سوف نرى وجهات نظر حقيقية للشعب العراقي، ولابد لنا من تذكر ان هؤلاء الناس قد عاشوا في ظل ديكتاتورية عديمة الرحمة طوال عقود من الزمن. ولقد شاهدوا ما كان يحدث للذين تجرأوا على معارضة او انتقاد النظام، والجميع يعرف بعضا من مئات آلاف العراقيين الذين قتلوا أو عذبوا او سجنوا أو اجبروا على الهرب من هذا النظام. كما يتذكرون ايضا الاسلوب الذي لجأ اليه صدام حسين عندما حدثت انتفاضة شعبية قبل حرب الخليج السابقة. وبالتالي لايزالون مرعوبين، وانا لا ألومهم ولا اعتقد أنهم سيعرفون مشاعرهم الحقيقية قبل ان يكونوا مقتنعين بأن صدام وجهاز حكمه قد ذهبا للأبد. لكن في تلك المناطق الموجودة تماما تحت سيطرة التحالف والتي سحق فيها أو هرب منها انصار صدام، بدأنا نشاهد مسلكا مختلفا جداً، حيث تحصل قواتنا على مساعدة من جانب الشعب العراقي اكثر بكثير من تلك التي يمكن تصورها. ـ حتى هذه اللحظة لم تعثروا على اسلحة التدمير الشامل. هل ستستمر الحرب كونها شرعية اذا لم يكن هناك اسلحة من ذلك النوع كما اكد صدام؟ ـ ليس لديّ بشكل مطلقاً، اي شك، بانهم سيجدون اسلحة التدمير الشامل. ذلك ان مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة انفسهم قالوا ان كميات هائلة من الاسلحة المحظورة، التي كانوا على علم بان صدام يمتلكها، لم تظهر بعد. ولماذا يتعين علينا تصديق صدام؟ الرجل الذي أكد، على سبيل المثال، طوال اربع سنوات انه لم يملك بالمطلق اي سلاح بيولوجي هجومي. وعندما هرب صهره وكشف حجم اكاذيبه، اعترف بامتلاك كميات كبيرة من غاز «انتراكس» واسلحة جرثومية اخرى وكذلك مصنعا لانتاج كميات اضافية، لذلك يتعين على الناس ان يتساءلوا اذا كان صدام لا يملكها، فلماذا جعل شعبه يمر بكل تلك المصائب ويتعرض كل شيء للخطر رافضا الاجابة عن اسئلة حول الاسلحة الناقصة، كما قال مفتشو الاسلحة تماما. ـ هل تفهم ان كل ضحية مدنية جديدة هي جرح اضافي يغرق في عدم الثقة؟ ـ ينجم عن النزاعات العسكرية بشكل حتمي ضحايا من الابرياء وكذلك من المدنيين. لذلك السبب يجب ان تكون الحرب الاداة الاخيرة. وطبعا، كانت هناك اخطاء وبعض الحوادث المأساوية، وانا اسف بشكل عميق عليها جميعا وعلى كل ضحية من الضحايا المدنيين. لكن الواضح هو الجهد الذي لا يصدق الذي تبذله قوات التحالف للحد من عدد القتلى المدنيين. وهذا يتناقض بالكامل مع قوات صدام التي، كما شاهدنا، التي نصبت بشكل متعمد صواريخها ومدفعيتها وقواتها ومستودعات ذخيرتها في المستشفيات والمدارس والمناطق المدنية. القوات البريطانية شاهدت بأم عينها كيف تستخدم الميليشيات العراقية لاطفال العراقيين كدروع بشرية. وبالتالي بينما نشاهد صور الضحايا المدنيين على شاشة التلفزيون، انا اشك بأن ليس جميعها سقطت بسبب اسلحة التحالف. والذي لم نتمكن من رؤيته هم مئات آلاف الضحايا الابرياء لنظام صدام سقطوا خلال ربع القرن الماضي. لقد قتل وعذب وسجن وطرد من مساكنهم الوف الاشخاص كل عام كي يتمكن من ابقاء نفسه في السلطة. ـ يبدو أنك منفتح وصريح جداً ازاء هذه الازمة، ما هو السبب الذي يجعل الرأي العام البريطاني لا يبدو انه يصدقك؟ ـ لقد اجرينا نقاشاً صحياً جداً ومؤثرا في مجلس نوابنا وفي البلاد حول الازمة العراقية. ولن اطلب ان يدعم العالم كله العمل العسكري، لكن كلما كان الناس يطلعون على البراهين، كان يحدث تغيير في الرأي العام لصالح هذا العمل العسكري. لا احد يريد الحرب، لكن الناس ادركوا اخطار ترك صدام في السلطة مع اسلحة التدمير الشامل ليهدد بها شعبه وجيرانه ونقل تلك الاسلحة إلى مجموعات ارهابية. وأنا لست مهتماً بشكل حقيقي باستطلاعات الرأي، لكن ان كان سؤالك يقوم على هذا، فهذه الاستطلاعات تدل على ان غالبية الرأي العام البريطاني تقف إلى جانب هذا العمل العسكري. ـ لا تزال مكانة المملكة المتحدة في الاتحاد الاوروبي مسألة اساسية، بأي طريقة يمكن للانقسام الحالي في الاتحاد الاوروبي ان يؤثر على امكانيات نجاح انصار الاوروبية؟ ـ ان وضع مكانتنا في الاتحاد الاوروبي ضمن دائرة الشك هو امر خارج اي قضية. صحيح ان ثمة اختلافات حول العراق، لكن من غير المعقول التلميح إلى ان اسبانيا والمملكة المتحدة معزولتان بطريقة ما، كما يفعل البعض. ذلك ان غالبية الدول الخمس والعشرين التي يشملها الاتحاد مثل ايطاليا والبرتغال والدنمارك وغالبية الدول التي ستنضم العام المقبل تشاطرنا الموقف. وهناك بعد البلدان المحايدة واخرى تدافع بقوة عن وجهة نظر مختلفة. لكن اوروبا سيكون عليها ان تخسر الكثير ان هي تركت هذه الخلافات تلتهب وتتعاظم. وانا ما زلت ملتزماً وبحماس بموقع المملكة المتحدة في قلب اوروبا. ـ هل خذلت تركيا حلفاءها الغربيين في هذه الحرب. وبأي صورة يمكن لهذا ان يؤثر على ترشيحها للانضمام للاتحاد الاوروبي من وجهة نظر حكومتك؟ ـ لا اوافق على ان تركيا قد خذلت احداً. انها بلد ذو سيادة وله الحق في استخدام اجوائها من جانب طيران التحالف. المملكة المتحدة كانت دائماً مدافعاً قوياً عن انتماء تركيا للاتحاد الاوروبي وهذا لم يتبدل. ـ هل سينجو الارتباط بين شطري الاطلسي من الازمة الراهنة بالطريقة ذاتها المفهومة في الوقت الراهن؟ ـ نعم، اعتقد انه يجب تجاوزها، وسنفعل ذلك. ولقد عقدنا العزم أنا والرئيس أزنار على اصلاح وتعزيز هذه الرابطة الاستراتيجية لانها اهم من اي وقت مضى بالنسبة للعمل المشترك بين اوروبا والولايات المتحدة بطريقة وثيقة وفعالة. واذا لم نفعل ذلك، فإن الخاسرين لن يكونوا من قارتينا، بل من العالم برمته. وخيار رابطة فعالة بين اوروبا والولايات المتحدة يتمثل في وجود اقطاب قوة منافسة. واعتقد بكل صراحة، ان ذلك سيشكل بشكل عميق مفهوماً خطيراً وسيصعب كثيراً مواجهة مشكلات الاستقرار والامن التي تؤثر علينا جميعاً، وهي مشاكل لا تتعلق فقط بالارهاب العالمي واسلحة التدمير الشامل على سبيل المثال، وانما تتعلق ايضاً بالعدالة والفقر والبيئة. لذلك من الضرورة بمكان ان تعمل اوروبا والولايات المتحدة سوياً من اجل تحقيق تقدم، نرغب به جميعاً، في عملية السلام في الشرق الاوسط مثلاً. وبشكل طبيعي، اظهرت الازمة العراقية خلافات حقيقية بين اطراف رابطة الاطلسي. فذلك واضح للغاية، وعلى الرغم من انني اعتقد انه توجد نقاط اتفاق اكثر مما يعتقده الناس، الا اننا بدون شك بحاجة إلى اسلوب لتوجيه حوارنا افضل مما شاهدناه في الاشهر الاخيرة. ترجمة: باسل أبوحمدة عن «إيه بي سي» ـ اسبانيا