السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 لقد تحقق النصر الوشيك لأميركا في العراق بسرعة مذهلة، ولكن الاحتمال المرجح هو ان القوات الاميركية ستبقى في العراق لشهور مقبلة وربما لسنوات وسينضم العراق، الى قائمة مذهلة من الدول التي يمارس فيها النفوذ الاميركي مباشرة من خلال قوتها العسكرية. وسواء أكانت منخرطة في الحرب على الارهاب أو «الحرب على المخدرات» أو في مهام حفظ السلام أو الحفاظ على الحاميات «المواقع العسكرية» في الاماكن التي شهدت معارك للولايات المتحدة في الماضي، فإن الاعلام الاميركية المميزة بنجومها وخطوطها ترفرف فوق القواعد العسكرية المنتشرة في انحاء العالم. لقد كلف الوجود العسكري الاميركي الهائل دافع الضرائب الاميركي اكثر من 300 مليار دولار العام الماضي. ولكن في حين ارتفعت الميزانيات، فإن عدد الرجال والنساء في الوحدات العسكرية قد انخفض. وقد ادى تخفيض القوات الاميركية بمعدل 36% منذ نهاية الحرب الباردة ببعض النقاد الى التخوف من بروز ما يسمى ب«الافراط في التمدد الامبريالي» مع انتشار القوات على مسافات واسعة، مما يولد كوابيس لوجستية باهظة التكلفة ـ وهي حالة اصابت قوى مهيمنة سابقة، مثل الامبراطورية الرومانية وجنكيز خان ونابليون. ومن تركات الحرب الباردة تلك القوات الاميركية التي بقيت في اوروبا والبالغ تعدادها 98 الف فرد. ولايزال 000,56 جندي اميركي و60 طائرة حربية متمركزين في المانيا، حيث كانت مهمتها في يوم من الايام وقف زحف الدبابات السوفييتية عند ثغرة الفولدا. بينما تستضيف ايطاليا 400,12 جندي اميركي، وربما تكون قاعدة جرينهام كومون قد اغلقت، ولكن المملكة المتحدة لاتزال تضم 200,9 جندي اميركي بينما ينتشر 8283 آخرون من البحارة وطواقم سلاح الجو والجنود والمارينز عبر بلجيكا واليونان وهولندا والنرويج والبرتغال واسبانيا وتركيا، والبحر ليس مهملاً، فالبحر المتوسط يجوبه الاسطول السادس الاميركي معززاً بحوالي 2000 عنصر من قوات المارينز. وكان الصراع العرقي في البلقان قد دفع الى التدخل الاميركي في البوسنة وكوسوفو وبينما يبدو السلام مستقراً، فإن اميركا وحلفاءها لا يخاطرون، ولهذا فإنه لايزال هناك 2000 جندي اميركي كجزء من قوة حفظ الاستقرار في البوسنة بهدف ضمان بقاء المدافع صامتة. وفي كوسوفو، يعمل 000,5 جندي اميركي على حفظ السلام، ولكن الحروب في دولة واحدة تعني نشر قوات في اماكن اخرى، فمأساة البلقان جلبت معها ايضا 840 فرداً من الجيش وسلاح الجو الى المجر ومقدونيا. وبعد مرور عقود طويلة على هيروشيما وأيوجيما لاتزال اليابان تستضيف 18 الف جندي اميركي و84 طائرة حربية. وتعتبر الجزر كذلك مقراً للاسطول السابع الاميركي ولعشرين الفاً من قوات المارينز. وفي الجهة المقابلة من البحر في كوريا الجنوبية، يقوم 100,29 جندي اميركي بحراسة الحدود مع كوريا الشمالية، وهذا من تركة الحرب الكورية «المنسية» في الخمسينيات. ويحفل المحيط الهادي بالعديد من المنشآت الصغيرة. فبالاضافة الى القواعد البحرية والجوية في غوام ودييغو غارسيا، فإن الولايات المتحدة لديها منشأة للتنصت في استراليا تضم اكثر من 100 فرد. وهناك 108 جنود آخرين يتمركزون في تايلاند، وحتى تيمور الشرقية تم تزويدها بسفن حربية اميركية بعد حصولها على الاستقلال. كما ان الحرب ضد الارهاب دفعت القوات الاميركية الى مساعدة العمليات في الفلبين ضد جماعة ابوسياف الاسلامية. وكما تظهر العمليات في الفلبين، فإن افغانستان ليست وحدها في الجبهة الامامية للحرب على الارهاب، وهذه البلاد التي كانت لفترة طويلة مقبرة للاطماع الاستعمارية لاتزال تستضيف 500,7 جندي اميركي يعملون على تطهير بقايا القاعدة وطالبان والتقارير التي نسمعها من قاعدة باغرام الجوية ومعسكر رينو في قندهار تغطي على عمليات نشر القوات في اماكن اخرى. وهناك دول عديدة في المحيط الخارجي القريب لروسيا تدعم عملية «الحرية الدائمة» وقد جرى استخدام منشآت في اوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان من قبل القوات والطائرات الاميركية. ويمكن لمهام السي. آي. ايه الخفية ان تنطلق من قاعدة توزيل الجوية في اوزبكستان باستخدام طائرات مسلحة بلا طيار من طراز بريديتور لتعقب وتصفية قادة طالبان والقاعدة. خلال الحرب الباردة كانت عمليات الانتشار هذه امراً غير وارد في الحسبان، ولكن ما ان انتهت احدى الحروب حتى اندلعت حرب اخرى واستبدلت خطوط الجبهة في الحرب الباردة بالخطوط الامامية للارهاب. بل ان هذا الصراع اشرك دولاً مثل كوبا، فأكثر من 2200 فرد يتمركزون في خليج غوانتانامو حيث يحتجز اسرى القاعدة وطالبان. وفي غضون ذلك يطلق على الحرب مع العراق حرب الخليج الثانية.. فمنذ عملية «عاصفة الصحراء» في عام 1991 تضخم الوجود الاميركي في الشرق الاوسط، فالسعودية والكويت تستضيفان الوف الجنود الاميركيين وعشرات الطائرات. وتتلقى موانيء في مصر وعمان والبحرين زيارات منتظمة من سفن حربية اميركية والاردن سمحت بهدوء «لعدد محدود» من الجنود الاميركيين بالانتشار على ارضها. وفي هذه الاثناء، يبحر الاسطول الخامس في مياه الخليج وبحر العرب وعلى متنه طائرات حربية يزيد عددها عما كان على الجبهة الدنماركية من قوة جوية. وبينما تخوض الولايات المتحدة حربها على الارهاب وحربها على العراق، فإنها تخوض ايضا حربها على المخدرات وهناك احتمال بأن هذا الصراع قد يطول كالحرب على الارهاب. ولهذه الغاية يقوم 370 فرداً من الجيش وسلاح الجو والبحرية بمساعدة السلطات الكولومبية والهندوراسية في عملياتها ضد المخدرات. وهناك حتى منشآت نائية وغير مشهورة حيث ينتشر 1700 فرد في انحاء برمودا وايسلندا وجزر الآزور، وكانت الولايات المتحدة قد وافقت على ضمان امن آيسلندا خلال الحرب الباردة لان البلاد لا تملك قوات مسلحة خاصة بها ـ وظلت القوات الاميركية هناك منذ ذلك الحين. ومثلما تجوب السفن الاميركية المحيط الهادي هناك وجود بحري ضخم يبحر في المحيط الاطلسي.. ويمكن ان يشمل هذا حتى اربع حاملات للطائرات مع مجموعتها الجوية وعشر غواصات استراتيجية مزودة بصواريخ نووية وخمس وخمسين سفينة حربية اخرى. واذا كانت الحروب السابقة في البلقان وكوريا والمحيط الهادي وأوروبا مؤشرات لشيء ما، فإن الولايات المتحدة قد تبقى لفترة اطول في العراق مما تعتزم وان من شأن هذه الاقامة ان تكون مكلفة بالنسبة لدافع الضرائب الاميركي ويمكنها ان توقف اية حملات عسكرية جديدة في الوقت الراهن.ان اي «مبنى امبراطوري» اميركي مستقبلي قد يتحول الى شيء لا يمكن تحمله وربما ترغب واشنطن بالاتعاظ من اولئك الذين سبقوها والذين تمددوا بشكل مفرط. والتاريخ يظهر ايضا ان الحرب قد يكون خوضها سريعاً ولكن السلام قد يستغرق فترة اطول لكي ينجح. ترجمة: ضرار عمير عن «أوبزرفر»