السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 هل استمرار الهيمنة الأميركية أمر مضمون ومؤكد؟ وهل حقا، أميركا ذات الـ 240 مليون نسمة، وهي نسبة لا تتعدى 4% من عدد سكان البشرية ستحكم العالم إلى الأبد؟المؤلف، بيير بيرنيس، يؤكد أنه لا يوجد أي سبب للتفكير بهذه الطريقة. فالصين عاكفة على استعادة قوتها وأوروبا عازمة على أن تسترد مكانتها وموقعها، وهناك روسيا التي ستبعث من جديد، واليابان الآخذة بالتحرر، والهند التي تستيقظ في كل مكان، هكذا نجد أن رغبة المقاومة للهيمنة الأميركية مؤكدة وملموسة، وبالامكان التأكيد بأن هذه المقاومة ستنتصر.ومؤلف هذا الكتاب الذي تنشره «البيان» بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر، هو مسئول الشئون الخارجية للبرلمان الفرنسي، عمل خلال ما يقارب 25 عاماً مراسلاً لصحيفة «اللوموند» في أفريقيا، وقد نشر كتابين هما «أفريقيا للأفريقيين»، و «الفرنسيون في أفريقيا السوداء» . صعّدت الولايات المتحدة انتهاج سياسة «الاحتواء المزدوج» وهي التي أقلعت عن تقاليد دبلوماسية قديمة ظلت لسنوات طويلة، بعد ذهاب الانجليز، وعلى غرار الإسرائيليين، تعتبر ايران وتعاملها كحليف خلفي مرصود للوقوف في وجه ظهور دولة عربية عدوانية، متمثلة في العراق أساساً، وبالعكس أدارت اللعبة نفسها مع العراق تجاه ايران. والآن وقد انهزمت ايران وفي أعقابها العراق لم يعد الأميركيون يقنعون بالاستمرار في سياسة ابطال أحدهما لمفعول الآخر، ولكنهم يتجهون أكثر من ذلك الى ابقاء الدولتين معاً في أكبر حالة ممكنة من الضعف. لكن سياسة الاحتواء المزدوج هذه، وبعد مرور أكثر من ثماني سنوات على اطلاقها لم تحمل لباعثيها ومحركيها الأميركيين والإسرائيليين كل الثمار التي يتوقعونها منها، بل لقد صارت هذه السياسة، على العكس، موضع الكثير من الانتقادات داخل الولايات المتحدة نفسها. وفيما يتصل بالعراق تحديداً فقد كان المسئولون في واشنطن يأملون في دفعه الى تقويض طاقاته العسكرية الأكثر تهديداً لهم وفي حرمانه الى الأبد من كل وسيلة لبنائها من جديد. وتحقيقاً لذلك فقد فرضوا عليه حصاراً شبه كامل على صادراته البترولية وهو حصار أفاد منافسيه كثيراً، ولكنه قلص الى أقصى الحدود وارداته بما فيها المواد الأساسية الأكثر حيوية لحياة سكانه ولا سيما الأطفال، وتحت التهديد بالرد العسكري الذي لم ينج العراق من ضرباته العديدة منذ ذلك الوقت فقد فرضت على انتشار قواته العسكرية التقليدية التي نجت في معظمها بفضل وقف القتال الأميركي المرتجل في فبراير 1991، قيوداً صارمة في مناطق الجنوب والشمال الى حين. غير أن هذا لم يمنع صدام حسين الذي ظل صامداً في منصبه رغم بعض المؤامرات التي عادة ما كان يحبطها في الوقت المناسب، أن يحكم قبضته شيئاً فشيئاً على هاتين المنطقتين ولا سيما حصته في كردستان التي لا يتمنى جيرانه الأتراك ولا الايرانيون أيضاً أن تحصل يوماً على شكل من أشكال الاستقلال الذاتي الذي لن يكون سوى مثال سيئ لسكانهما المنتمين للأصل نفسه. أما باقي الدول الصناعية الكبرى في العالم الراغبة في استعادة السوق العراقية فقد صارت تتذمر أكثر فأكثر من استمرار القيود الاقتصادية المفروضة من قبل واشنطن. من منظور مستقبلي أما الفشل الأميركي في ايران فإنه بالغ الوضوح. فاجراءات الحصار التي فرضت عليها أيضاً من قبل الولايات المتحدة التي تتهمها بالعمليات الارهابية في لبنان (دعمها لحزب الله المعادي لإسرائيل) وفي السودان بل وحتى على الأرض الأميركية (الاعتداء على مركز التجارة العالمي) اجراءات لم يلتزم بها أي بلد آخر، وكثيراً ما أضرت في هذه المنطقة أيضاً بالشركات الأميركية التي تدفع وحدها الثمن. وعلى الرغم مما عانت منه بلدان الاتحاد الأوروبي ولا سيما ألمانيا وفرنسا من بعض الأعمال المعادية من قبل مخابراتها، فإن هذه البلدان مستمرة في ممارسة الحوار النقدي معها، مما يعني أنها خارج بعض العقاب الدبلوماسي الذي توجهه لها، مستمرة في المتاجرة معها، فقانون كندي داماتو لعام 1996 نفسه الذي هدّد باجراءات ثأرية ضدّ كل المؤسسات التي قد تستثمر أموالها في القطاع البترولي الايراني، لم يردع ولم يؤثر على الاطلاق في أي واحدة من هذه البلدان، ومن الدلائل على ذلك توقيع شركة توتال يوم 28 سبتمبر 1992 لعقد مهم مع شركة البترول الايرانية، بالاشتراك مع الشركة الروسية غاز بروم والماليزية بتروماس، بغرض استغلال جزء من منجم حوض بارس الجنوبي الغازي الكبير في مياه الخليج. وتظل اليابان أيضاً أهم مستورد للبترول الايراني، بينما تظل روسيا التي لم تأبه يوماً بضغوط البيت الأبيض مستمرة في تزويد ايران بمفاعلات نووية وبأسلحة من كل نوع، شأنها في ذلك. وعلى الأقل حتى عهد قريب لم يتأكد بعد ـ شأن الصين نفسه التي طالما جعلت من طهران شريكها الأساسي في الشرق الأوسط، ولكن للادارة الأميركية في كل هذا رؤية استراتيجية أوسع بكثير. فحتى وان دخلت ايران بقيادة رئيسها محمد خاتمي الذي يوصف «بالاعتدال» في نوع من الترميدور الداخلي فإنه من غير المرجح أن تغيّر الولايات المتحدة التي تنتهج فيما وراء الشرق الأوسط سياسة «اقصاء» روسيا عن القوقاز وعن آسيا الوسطى وعن حقولهما البترولية ـ وهي سياسة الـ «رولينغ باك» التي صارت تفضل عليها منذ العام 1947 بعد جدل داخلي كبير، سياسة «الاحتواء». ولا تزال على الرغم من ذلك تعمل بها الى الآن ـ حقاً من موقفهما طالما احتفظت طهران بعلاقات وثيقة دبلوماسية وتجارية وعسكرية على الخصوص مع موسكو. كما أنه من المستبعد جداً أن تنهي الولايات المتحدة في المستقبل المنظور الضغوط المماثلة التي تمارسها منذ سنوات عديدة أيضاً، على ليبيا القذافي وعلى سودان عمر حسن البشير، حيث تتهم الأول بالهجمات الارهابية والثاني باحتضانه للتنظيمات الاسلامية الثورية. بل وعلى العكس من ذلك تعمل السلطات في واشنطن بهمة ونشاط على قلب النظامين في طرابلس والخرطوم (حيث يتلقى هذا الأخير الدعم من الصين). ولو نظرنا الى كل هذا من منظور مستقبلي أوسع لرأينا أن الأميركيين لم يدركوا هذا المستوى المتفوق من القوة والعدوانية في الشرق الأوسط الاّ لأنهم في واقع الأمر في وضع الدفاع عن النفس. فبعد أن خسروا على مدى أربعين عاماً بغداد وطرابلس وطهران ودمشق أيضاً صاروا في سياق تصاعد النزعة المتشددة المعادية للغرب يخشون التقلبات التي باتت تخيم على منطقة الخليج. ومن ثم فليس غريباً أن يدعم الأميركيون مساندتهم للرئيس مبارك، ولا أن تبادر بتشجيع العساكر الأتراك على أن يقاوموا النفوذ المتصاعد في أنقرة لكل من حزب «الرفاه» وحزب نجم الدين أربكان «الازدهار». وحتى وان عمدوا أحياناً الى بعض الايماءات الدبلوماسية التي قد توحي بالعكس، فلا ينبغي أن نستغرب تخليهم منذ 1977 عن استمرارهم في الدعم الفعلي لعملية السلام التي شرع فيها في أوسلو عام 1993 ما بين إسرائيل والفلسطينيين، التي انضموا اليها بل وصادقوا عليها في عهد فترة كلينتون الأولى. ففي مثل هذا السياق يصبح من الواضح كل الوضوح وأكثر من أي وقت مضى أن تنظر واشنطن الى الجيش الإسرائيلي كمدافع أمين عن المصالح الأميركية في المنطقة. فبالنسبة للولايات المتحدة ولكل الذين ينخدعون بها فإن إسرائيل أكثر من ذلك تتشكل في الوضع الصعب الحالي، شأنها شأن روسيا في أوروبا وشأن الصين في آسيا المحيط الهادي «البعبع» المثالي في هذا الجزء الحساس من العالم.لكن الحل الأسوأ يتمثل في التلاعب في الأزمة حتى يمكن حل المشكلات «على الساخن» حين يتعذر معالجتها «على البارد» وهي سياسة قد تنقلب على أصحابها، فلا أحد يظل متفوقاً الى ما لا نهاية.ان التمادي في اللعب بمصير العالم العربي الاسلامي قد يجعل التحكم في هذا العالم في يوم من الأيام أمراً مستعصياً على موجهي السياسة فيه. تحويل الوحوش الى جانب أوروبا وآسيا المحيط الهادي والشرق الأوسط يظل باقي الكرة الأرضية، أي أميركا اللاتينية وافريقيا السوداء، من دون أهمية استراتيجية كبرى. ويعرف الأميركيون هذه الحقيقة حق المعرفة. فلا يمكن لنفوذهم القوي الا أن يكون نفوذاً شاملاً لكل الأرض، ولذلك وعلى الرغم مما تربطهم بهذه المناطق من أهداف تجارية مهمة فإنهم لا يطيقون أن يحل أيّ كان محلهم فيها. فلهذا السبب وحده، وما أعجبه من سبب وما أدهاه، باشرت مصالحهم ودبلوماسيوهم وشركاؤهم، رويداً رويداً ولكن بحذر ومنهجية، العمل بدأب واصرار في جنوب ريو غراندي وفي جنوب الصحراء الافريقية مثلما يعملون في كل مكان من العالم، انجيل الديمقراطية البرلمانية في يد والبندقية في اليد الأخرى ولكن فقط بقدر أقل من الدولارات في الجيب ـ ولا سيما في افريقيا ـ يكفي لشراء بضعة عملاء سذجاً كانوا أو مهتمين، يخدمون هنا أيضاً قضيتهم التوسعية، فبالنسبة للأميركيين لا تتطلب هذه العملية أكثر من ذلك الثمن.لقد كان الأميركيون دوماً على خلاف مع الوحوش الذين كانوا يستوطنون «أرضهم الموعودة» من قبلهم. فقد كان شعارهم منذ أن شرعوا في بناء أمتهم «كل هندي جيد هندي ميت»، ولذلك فقد قتلوا منهم الكثير. فكان ذلك أول تطهير عرقي يشهده تاريخ البشرية. فقد استطاعوا من الشرق الى الغرب أن يطاردوهم حتى انتهت حدودهم عند المحيط الهادي. لكن قضية هذه الملاحقة سرعان ما أضحت أكثر تعقيداً في الجنوب ولذلك ما فتئت الى اليوم تطرح عليهم المشكلة تلو الأخرى. فقبل مئة وخمسين عاماً يوم الثاني من فبراير من عام 1848 كان المكسيك الذي امتزج فيه الاسبان بالسكان الأصليين، قد تنازل للأميركيين بعد ثلاث سنوات من الحرب وبموجب معاهدة غوادالوبي هلداغو عن نصف اقليمهم الذي يمثل اليوم ولايات تكساس ـ التي ضمت في العام 1845 ـ وتينيسي ومكسيكو وأريزونا ويوتا ونيفادا وكاليفورنيا بالاضافة الى جزء من كولورادو ووايومنغ، التي بلغت مساحتها الاجمالية 2, 4 مليون من الكيلومترات المربعة، فبالنسبة لِ «الشعب المختار» هذا فلم يكن الأمر سوى «قدر محتوم» حسب التعبير المشهور للصحافي النيويوركي جون أوسوليفن، أو هو كما قال الشاعر ولت ويتمن: «ان الأمة اليانكية (الأميركية) الشمولية تستطيع أن تبعث وتحرر الشعب المكسيكي في خلال سنوات معدودة، واعتقادنا أن من الأشياء المكتوبة علينا تهذيب وتمدين وترقية هذا البلد الجميل». ويتحدث آخرون في لغة أقل زخرفة وأكثر وقاحة وفظاظة عن «جنس منحط اسباني مكسيكي مكوّن من الجبناء والجهلة ومن الوحوش الفساق». لذلك لم يتأخر الشيكانوس في الشروع في الأخذ بما يشبه الثأر فكيف يمكن السيطرة على حدود يزيد طولها على 3000 كيلومتر؟ وكيف يمكن لأميركا أن تتفادى كل سنة تدفق آلاف المهجنين الناطقين بالاسبانية على هذه الأراضي المكسيكية القديمة والذين سوف يشكلون مع الملايين الآخرين الذين استقروا فيها نهائياً، ربع سكان أميركا بعد بضع سنوات؟ فعلى الرغم من لجوئهم الى طرق تزداد عنفاً ووحشية وتعقيداً فلم يتمكن اليانكيون (الأميركيون) يوماً من ايقاف ذلك الزحف. وسوف يطرح هؤلاء القادمون الجدد الغرباء على الثقافة الأنجلوسكسونية لأميركا البيضاء التقليدية، على هذه، وبقدر متزايد من الحدة، مشاكل اقتسام السلطة في كافة المجالات. وليس من المؤكد أن تصبح هذه المشاكل أسهل على الحل من مشاكل الاندماج المطروحة منذ زمن بعيد من قبل السود. وأغلب الظن أن التصريحات السحرية الطاردة لشر التعدد الثقافي لن تجدي نفعاً. لكن هذا في الوقت الحالي لا يمنع «الجرينجوس» من أن يلعبوا لعبة الهنود الحمر ومن أن يكونوا في كامل أميركا اللاتينية. لقد ظلت الحرب ضد الشيوعية على مدى الحرب الباردة، قضية الولايات المتحدة الأولى في أميركا اللاتينية، مثلما كان الأمر في بقية أنحاء العالم. ولذلك فلم تتوان في دعم الدكتاتوريات الأكثر تشدّداً والأكثر فساداً والأكثر فظاظة، دعماً منجياً مطلقاً، في وجه كل المطالب الديمقراطية التي سرعان ما كان يطاح بالناطقين باسمها كلما نجحوا أحياناً في الوصول الى الحكم، حيث لم تكن الولايات المتحدة تتردد في التدخل بنفسها، كما فعلت في غواتيمالافي العام 1954 ضد الرئيس أربنر، وفي جمهورية الدومينيكان في العام 1965 ضد الرئيس بوش، أو في غرانادا في العام 1983 ضد الرئيس بيتسوب، ناهيك عن دورها في الاطاحة بالرئيس الليندي في تشيلي عام 1973 أو عن تدخلاتها في بوليفيا في الستينيات أو في نيكاراغوا على مدى الثمانينيات من القرن العشرين. ويظل فيديل كاسترو في كوبا هو الرجل الوحيد الذي استطاع لحد الآن أن يقف في وجهها: فشل محاولة الانزال في خليج الكوستون عام 1962، وفشل ما يقرب من أربعين عاماً من الحصار الاقتصادي الشرس. ففي كل مكان لم يكن لظهور حرب العصابات ونموها كرد فعل مباشر على كل هذه الممارسات وكمحاولة يائسة للبحث عن حل جديد من بين حلول عديدة فاشلة، من نتيجة في العادة سوى تعرض هذه الدول لتدخلات عسكرية أو بوليسية أميركية جديدة، مباشرة أو غير مباشرة بواسطة قوى وطنية تتلقى التكوين في مراكز أميركية متخصصة.من بين هذه المراكز، تعد المدينة العسكرية للأميركيتين، التي أنشأها وموّلها (البنتاغون) منذ بداية الحرب الباردة، في بنما في العام 1946، قبل أن تحوّل في العام 1948 الى فوربينينغ بجورجيا، أشهر المدارس على الاطلاق ـ فلقد مرّ معظم طغاة وجلادي أميركا اللاتينية المستبدين ـ أوبويسون (السلفادور) نورييغا (بنما) غالتييري (الأرجنتين) بنزير (بوليفيا) وغيرهم ـ بهذه المدرسة حتى «يكملوا» تكوينهم. فمنذ العام 1946 الى اليوم (لأن المدرسة ما زالت موجودة الى الآن) تلقى أكثر من 60 ألف عسكري أو شرطي لاتيني أميركي تعليماً مكثفاً في مجال تقنيات مكافحة العصيان والتمرد، وطرق الابتزاز والتخويف والتعذيب والاغتيال بشتى أشكاله حيث يأتي هذا الأخير على رأس قائمة برامج التعليم. ففي كتب هؤلاء المتدربين يمكننا أن نقرأ مثلاً: «مما يسهل تعاون أي مخبر محتمل معنا ايقاف والديه أو اعتقاله أو ايساعه لكماً»، «اشاعة الخوف أو دفع مكافآت في قتل عدو، ومحاكاة الاعتقال أو الاعدام يمكن أن يؤدي الى نفس النتائج»،. كما يجب تقديم الهدايا مقابل كل معلومة تؤدي الى اعتقال أو أسر أو موت كل فرد اختبر مجرماً في حق الحكومة الشرعية». فاليوم، مثلما صارت الحملة ضد الخطر الأخضر من المغرب الأقصى الى آسيا الوسطى، تنوب الآن عن الحملة ضد الخطر الأحمر التي لم يعد له من مبرّر للحشود العسكرية والتعبئة الحربية من أجل ابقاء الشرق الأوسط البترولي تحت رقابة الشركات الأميركية الكبرى. صارت أيضاً الحرب ضد المخدرات، الخطر الأبيض، المتظافرة مع الحرب ضد العصابات المتمردة، ذريعة جديدة للحفاظ على الوجود الأميركي البوليسي والعسكري في أميركا اللاتينية استعداداً لفتح سوق واسعة للأميركيين يتوقع أن تمتد بلا عوائق من آلاسكا الى أرض النار. مشكلة المخدرات ان مشكلة المخدرات التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم مشكلة كبيرة ومتفاقمة لا شك في ذلك. فهي تضم أكثر من أي بلد في العالم أكبر عدد من مستهلكي هذه العقاقير: فبينما لا يمثل سكان الولايات المتحدة سوى 4% فقط من سكان العالم فإنهم يتناولون لوحدهم أكثر من 60% من المخدرات المستهلكة في كل العالم، وما فتئ هذا الاستهلاك الذي ارتبط أساساً بنمو الجريمة الحضرية يزداد يوماً بعد يوم. وما ذلك سوى عرض من مجموعة أعراض مرضية بديهية لمجتمع ربما كان سليماً من الناحية السياسية ولكنه مجتمع أكثر مرضاً من الناحية المعنوية مما يوحي به رعاة البقر في اعلاناتهم التجارية. غير أن الأميركيين، عن صدق أو عن سوء نية، لا ينظرون الى هذه الآفة، كمشكل انتاج هم أول ضحاياه، ولكن كمشكل استهلاك فعوض أن يتصدوا للأسباب الداخلية لمأساتهم نراهم يكرسون جل جهودهم لمحاربة انتاج المخدرات والمتاجرة بها خارج حدودهم، ولا سيما منها الكوكايين التي تزرع مادتها الأولية أي ورقة الكوكا، عادة في مناطق جبال الأنديز بأميركا اللاتينية ولا سيما في كولومبيا والبيرو وبوليفيا. لكن في المقابل تظل الولايات المتحدة أكثر تسامحاً تجاه المكسيك التي هي أهم بلد لعبور هذه السلعة بعد تكريرها وعجنها، نحو أراضيها، ولكنه يمثل بالنسبة اليها قبل كل شيء، شأنه شأن كندا، شريكها في داخل منظمة (الينا) أي سوق أميركا الشمالية المشتركة. ففي خلال الحرب الباردة لم ينشغل الأميركيون كثيراً بهذه التجارة غير المشروعة والتي لم تكن منتشرة بمثل ما هي منتشرة اليوم، والتي كانت على الخصوص تمارس في العادة بتواطؤ من الأنظمة الدكتاتورية الموالية لواشنطن في محاربتها للشيوعية مثل العديد من بلدان آسيا المنتجة للأفيون لكن الأميركيين ما فتئوا أن غيروا موقفهم عند نهاية الثمانينات. فبعد أن انتهت الحرب ضد الشيوعية حلت الحرب ضد تجار المخدرات محل الحرب ضد الحمر، حتى يبرروا وجودهم البوليسي والعسكري المؤثر في عدد كبير من بلدان جنوب ريو غراند. وقد كان الرئيس ريغان مؤسس هذا المجرى الجديد. ففي منشور صدر في شهر 1986 كان أول من وصف المتاجرة بالمخدرات القادمة من بلدان الأنديز بـ «التهديد الخطر لأمن الولايات المتحدة». وفي العام 1988 أنشأ المكتب القومي لمراقبة العقاقير الذي تمثلت مهمته الرئيسية في تنسيق نشاط كل الهيئات الأميركية المكلفة بمكافحة المخدرات. وقد انضم بعد ذلك في قرطاجين بكولومبيا أول قمة للدول المعنية، وقد خلفه الرئيسان بوش وكلينتون فقد واصلا ووسعا نشاطه ذاك، ولا سيما في كولومبيا حيث تحالفت شركات تجارة المخدّرات الكبرى «كالي» و«ميدلين» مع حركات حرب العصابات القديمة القوية ـ غير أن نشر كل هذه القوى والوسائل لم تستطع أن توقف النمو المتزايد المخيف لاستهلاك الكوكايين والمورفين والكوكايين المتبلّ (الكراك) وتشكيلة أخرى من المخدرات المستنبطة على الأقاليم الأميركية. وأخيرا، يلاحظ ان هناك ما لا يقل عن ستة بلدان كبرى أو مجموعات من البلدان قد شرعت في قول «لا» وفي تقوية نفسها ازاء الهيمنة الأميركية حتى وان لن يكون الأمر بالنسبة لبعضها على الأقل سهلاً أو سريعاً: انها الاتحاد الأروبي الذي هو في طور التكوين، ثم الصين التي تعيش يقظتها الكاملة ثم روسيا التي سوف تولد من جديد حتى وان كنا الآن لا نعرف متى سيحدث ذلك الميلاد، ثم اليابان الذي سوف يتخلص يوماً، في هذا السياق، من الوصاية الأميركية التي فرضت عليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم الهند التي بدأت تخرج الآن ببطء وثبات من سباتها العميق، ثم أخيراً أميركا اللاتينية التي لن تدع أميركا تضحك عليها أكثر مما ضحكت. ومن هذه العودة الى عالم جديد متعدد الأقطاب لن تستفيد فيما بعد الدول التي أثبتت اليوم ضعفها التاريخي وهي أهم ضحايا المواجهات والأزمات التي تمخضت عن ما بعد الحرب الباردة وعن ممارسة الهيمنة الأميركية التي ستكون قاسية عليها حتى وان قصر عمرها. وما أكثر الشعوب اليوم، الكبيرة والصغيرة التي تحاول أو تسعى اليوم لأن تقول : «كفى أميركا!»