الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 في حالة من الترقب والانتظار لزبون قادم يجلس الكثير من عمال بالاجر اليومي في اماكنهم المعلومة وقد وضعوا امامهم عدة العمل ينتظرون القادم لينادي عليهم فيتسابقون علّ احدهم يقع الاختيار عليه. هؤلاء العمال بالاجر اليومي اختاروا اماكنهم المحددة لعرض قوى العمل تجدهم في جولة تعز، في القاع بجانب جامعة صنعاء يفترشون الارض في انتظار من ينادي عليهم وهم عمال حفريات، عمال بناء سباكون، حاملو احجار وصباغون يلتقون صبيحة كل يوم البعض منهم يفوز بطلب احد الزبائن فيما كثيرون يمضون النهار دون ان يحظوا بطلب احد لهم. ومع ذلك يعودون في اليوم التالي على امل ان ينادي عليهم احد الزبائن فيسعدون بمردود يوم من العمل. مظهر هؤلاء العمال بالاجر اليومي وهم في حالة انتظار دائم لا يملون الوقوف تحت اشعة الشمس الحارقة كثيرا ما يثير فضول المارة وتعليقاتهم فالذين يشاهدون هذا المنظر المألوف لهؤلاء العمال المنتظرين لفرصة عمل يومية لا يترددون في التعليق عليه اما بدواعي الشفقة والعطف واما بدواعي التشفي السياسي او بخلط الامرين معا، وايا كانت التفسيرات لوضع هؤلاء فان الدلالة البارزة باتفاق الجميع هو تردي الاوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة وسط السكان النشطين الذين يعولون اسرهم. «عبدالله» عامل بناء يقول: انتظر هنا دائماً من اجل ان يأتي الناس الينا لان العامل ليس بوسعه ان يطوف من مكان الى اخر بحثاً عن عمل ولهذا اعتدنا ان نتجمع هنا منذ الصباح الباكر منا من يحظى بالطلب عليه ليوم او لايام واحيانا لاشهر طويلة ومنا من ينتظر اياما واحياناً اسابيع دون ان يحظى بالطلب عليه واليوم هو الخامس على وقوفي في هذا المكان منذ الصباح وحتى غروب الشمس دون ان ينادي عليّ احد لكن مع ذلك لم اقطع الامل فغدا سأعود الى هنا وربما يفتح الله علي وعلى اي منا فالزمن تغير كنا في الماضي قبل عشر سنوات لا يطول انتظارنا لكن الان وكما نلاحظ العمال في تزايد مستمر وفرص العمل في تناقص فحركة البناء خفت كثيرا عن السابق ولهذا يطول انتظار الكثير منا الى ساعات متأخرة لنعاود المجيء في اليوم التالي دون ان ينقطع رجاؤنا بالله وحده فهو الرازق. اما كيف يتعايش هؤلاء وهم في حالة تنافس دائم من اجل الحصول على عمل ويبدو ذلك التنافس بأبهى صوره عندما يأتي المقاول او صاحب البناء بسيارته لينادي على عامل او اثنين او اكثر فينتفض الجميع من اماكنهم يتقافزون على السيارة غير ان المنادي عليهم سرعان ما يضع حدا لتسابقهم بتحديد اختياره الذي يقع على بعضهم دون البعض الاخر الذين يعودون الى اماكنهم في انتظار طلب جديد. حول ذلك يقول قائد علي «عامل بناء»: هذا التنافس طبيعي لاننا لم نأت الى هذا المكان الا من اجل الفوز بفرصة عمل ولذا من حق كل طالب عمل ان يسارع الى تلبية النداء وكل هو ورزقه. وهذا الحال لا يخلق بيننا اي حساسيات بل بالعكس في هذا المكان نشأت بيننا صداقات وعلاقات حميمة لاننا نقضي ساعات طويلة خلالها نتعارف ونتآلف خاصة بعد ان يعرف كل منا وضع صاحبه وكم لديه من الاطفال ومن اين هو واحيانا تتعمق علاقتنا ببعضنا البعض اكثر واكثر اذا عملنا سوياً في موقع واحد. ولعل الجامع بيننا هو ان مع انتظارنا طويلا هنا خلال النهار نضطر الى الاكل سويا كجماعات وهذا يخفض علينا التكاليف الباهظة فعندما نتحلق على مائدة واحدة في احد هذه المطاعم المجاورة الرخيصة تنشأ بيننا صداقات حميمة فيعطف البعض منا على البعض الاخر ممن لا يمتلكون نقودا لانه في احوال كثيرة هناك من ينتظر اياما طويلة دون ان يحصل على عمل فينفق كل ما تحصّل عليه وهو ينتظر فرصة عمل ولهذا نشأ بيننا اتفاق عرفي يقضي بمساعدة من لديه نقود لمن ليس لديه حتى يتمكن من الحصول على عمل ومن ثم يرد الجميل لزملائه العمال. ولذا عندما نتجمع في وجبة الغداء حول مائدة واحدة الذي ليس لديه نقود يأكل معنا الى ان يفتح الله عليه بعمل واللقمة التي لشخص واحد يمكن ان يأكلها شخصان وللشخصين يمكن ان تكون لأربعة. عالم انتظار عمال الاجر اليمني بقدر ما يبدو ملمحاً من ملامح القساوة الاقتصادية للبلاد فانه لا يخلو من المعاني الانسانية النبيلة فبقدر ما تقسو أوضاع الحياة على الناس يشفقون على بعضهم بعضاً لكن ليس في كل الاحوال فهذا الوسط العمالي دائم الانتظار لابد ان تتكدر العلاقة بين اطرافه فبقدر ما يسود التراحم بين افراد الجماعة الواحدة فان واقع الحال لا يخلو من صراع الجماعات بعضها بعضاً ولأسباب عديدة، يقول علي «عامل سباكة»: صحيح ان هناك تعاطفاً وتراحماً لكن هذا التعاطف والتراحم يسود داخل الجماعة الواحدة اما لانهم من منطقة واحدة او لانه سبق لهم العمل في موقع واحد ونشأت بينهم صداقات وغالباً ما يحصل صراع بين جماعة واخرى اما بسبب التسابق على العمل حيث من المعروف ان كل شخص يفضل الاشخاص الذين تربطهم به علاقة فاذا ما ظفر بفرصة عمل واتيحت فرص اخرى يدعو لها اصحابه ومعارفه وهذا يولد حساسيات لكنها لا تصل الى حد المشاحنات بقدر ما تبقى في اطار التنافس. ولهذا فان الشخص الذي لا يدخل في علاقات مع هذه الشلة او تلك يكون دائماً مبعداً من قبل تلك الجماعات الشللية لانهم يفضلون غيره من الاقرب لهم ولذا فمثل هؤلاء يجدون انفسهم مجبرين على الدخول في علاقات شيئاً فشيئاً حتى يندمجوا مع الجماعة. اما الاحاديث التي يتجاذبها هؤلاء وهم في حالة ترقب لفرصة عمل يقول علي: غالباً ما تدور الحديث حول الحياة ومصاعبها ومتطلبات الاطفال والاسرة، انها احلام بسيطة كبساطة هؤلاء العمال وتفكيرهم محصور بلقمة العيش وحديثهم مشحون بالامل في العثور على شغل والحنين الى القرية لرؤية الزوجة والاولاد لان اغلب هؤلاء العمال قدموا من القرى التي تركوا فيها اطفالهم واقاربهم وزوجاتهم ولذا يمضي اغلب الوقت في غمرة الاحلام التي تتداعى ولعل ذلك ما يخفف عن الشعور بحرارة الشمس والوقوف طول النهار في هذا المكان. والنتيجة التي يخرج بها المستمع لاحاديث هؤلاء العمال المنتظرين لفرصة مواتية تمكنهم من الحصول على مردود يومي لا يتجاوز سبعمئة ريال كأجرة هي ان أنات هؤلاء وآهاتهم تختزل الواقع الاقتصادي والاجتماعي بكل قساوته خاصة خلال السنوات الاخيرة التي عرفت تنامياً كبيراً لقوى العمل يقابلها نمو محدود لمناصب الشغل جعلتهم يتكدسون على النحو المشهود في الاماكن المعروفة في كل مدينة من المدن اليمنية واذا لم يتحقق انتعاش ملحوظ في الاقتصاد اليمني فان هذا المنظر اليومي قابل للتوسع والتزايد الى درجة لا يمكن التنبؤ بها. ولهذا يبقى احتواء هؤلاء العمال في نشاطاتهم مرهون بما يمكن ان يفعله المعنيون مستقبلاً.