الاربعاء 7 صفر 1424 هـ الموافق 9 ابريل 2003 بعد ثلاثة ايام من تسريب اعدائه بالبنتاغون لقصص تتهمه بمحاولة شن غزو للعراق بأرخص التكاليف، عاد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الى منبر الخطابة، ليضرب من جديد بثقته بالنفس امام اجهزة الاعلام. وقال مؤخراً: «ان ما نعرفه جميعنا هو ان استراتيجيتنا تسير كما نريد لها. فقد امن التحالف غالبية آبار النفط العراقية للشعب العراقي وأمن الطرق والجسور الرئيسية، وقد وصل الآن لأبواب النظام في اقل من اسبوعين». العبارة الاخيرة هي اهم ما قاله رامسفيلد: فطوال عقود كان يحث المؤسسة العسكرية الاميركية على ان تصبح اسرع واذكى وحرب العراق هي اكثر من مجرد نسخة نهائية عن التكتيك بل هي تفعيل عملي لرؤيته عن التوازن بين الجنود والأسلحة المتطورة. وقد طور رامسفيلد نظرياته هذه طوال العقود الماضية، منذ ان كان اصغر وزير دفاع اميركي بين عامي 1975 و1976 مروراً بعمله في اللجان الاستشارية الى عودته كأكبر وزير دفاع اميركي سناً. وهو في سن 70 عاماً، يمثل رامسفيلد شخصية صبيانية في ادارة بوش بسخريته وصراحته الجارحة، احياناً. كما يمثل اوضح تزاوج بين هذه الادارة والتوصيفات المحافظة التقليدية: الايمان بالقوة والشك في الممارسات الدبلوماسية مع التفكير الواضح الساعي لاعادة صياغة العالم بقلم طباشير على لوح أسود. ورامسفيلد ايضاً تجسيد لعيوب هذه الادارة كما يقول بعض من عملوا معه فهو لا يجيد الاصغاء للآخرين دوماً، ودائماً ما نسمع عبارة «ليس مسموحاً بتوجيه الأسئلة» في ايجازاته الصحفية وقد يبدو احياناً متهوراً وارعن على نحو مخيف، مثلما كان عليه حينما وصف اوروبا القديمة بأنها ذات تفكير عتيق. ويقول اولئك الذين عايشوا رامسفيلد ان كلماته دائماً ما تحمل معها قوة الحداثة ويقولون انه مفكر حقيقي، يتمتع بذائقة المغامر للتجريب وذات مرة، من موقعه كمدير تنفيذي، قلب شركة صيدلانية تسوق نوتراسويت وميتاموسيل رأساً على عقب. اما الآن فهو يروج للغارات الجوية والعمليات الخاصة واذا ما نجحت حربه هذه، كما يقول المحللون العسكريون، سيكتسب رامسفيلد قوة الزخم الكافي ليصوغ التخطيط العسكري في البنتاغون على هواه لجيل مقبل وانتاج المزيد من الأسلحة المتطورة والقضاء نهائياً على «مبدأ باول» القاضي بالتعبئة الشاملة للقوة قبل الحرب. يقول وليام كوهين سلف رامسفيلد في هذا المنصب: «لقد زرعت بذور التغيير في البنتاغون قبل رامسفيلد وقد تطورت مع الوقت في كوسوفو وافغانستان، واليوم نراها في اكبر تجلياتها.. ان تركة رامسفيلد في العراق هي تسريعه لهذا التحول المسألة ليست التقنية فقط، بل هي طريقة التفكير». غير انها طريقة تفكير لا تزال تبدو راديكالية للكثيرين في البنتاغون وهكذا حينما علقت فرقة المشاة الثالثة الاسبوع الماضي وهي في طريقها الى بغداد نتيجة الهجمات عليها، اخذ منتقدو رامسفيلد يروجون حملة سرية ضده في كل واشنطن. ويقول هؤلاء ان وزير الدفاع الاميركي قد رفض خططاً تطالب بمئات الآلاف من الجند وفجأة رأى رامسفيلد نفسه، وهو الذي استضاف احد اسلافه في حقبة فيتنام ـ روبرت ماكنمارا ـ في البنتاغون قبل ذلك بأسبوع، رأى نفسه وهو يحدق في شبح ماكنمارا في المرآة. ماكنمارا كان بدوره قد اتى معه بروح الجرأة والمغامرة من عالم التجارة الى وزارة الدفاع واصبح الوجه الممثل للحرب التي تبين عجز اميركا عن النصر بها ودامت وقتاً طويلاً. غير ان رامسفيلد رفض اي نوع من هذه المقارنات ويقول مساعدوه انه يفكر الآن في الخطوة المقبلة حيث يتهاتر مع وزارة الخارجية حول شكل الحكومة العراقية الجديدة. يقول دان غور وهو مسئول سابق في وزارة الدفاع عمل في فريق ادارة بوش الانتقالي: «رامسفيلد محارب صليبي وما اعنيه هو المعنى الايجابي للكلمة انه لا ينظر للأمور وفق قيمتها السطحية». طفولة رامسفيلد التي شهدت الكساد الاقتصادي العظيم والحرب العالمية الثانية بعده كانت مبنية على قيم الغرب الاوسط المحافظ، فقد عاش في ضواحي شيكاغو حيث كان والده يعمل في مجال العقارات وكان تقدمه التعليمي والعملي سريعاً ومباشراً حيث تخرج من جامعة برينستون وتزوج من محبوبته وامضى ثلاث سنوات طياراً حربياً في البحرية. وبعد فترة وجيزة، قضاها موظفاً في مجلس النواب، فاز رامسفيلد في الانتخابات النيابية، ليصبح عضواً في الكونغرس عام 1962 في ذروة كاميلوت والتزم رامسفيلد بالقضايا الحزبية الجمهورية كمحافظ عرف كيف يستثمر اسلوب كينيدي بأناقته وشعره الطويل المسبل ومقدرته على الظهور بمظهر المفكر والعملي في الوقت نفسه. كان سجل رامسفيلد الانتخابي جمهورياً متشدداً وهكذا حيث استقال عام 1969 ليصبح مديراً لمكتب الفرص الاقتصادي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون توقع كثيرون ان يفككه رامسفيلد باعتباره شيئاً قديماً من عهد المجتمع العظيم، غير ان رامسفيلد تكيف مع منصبه الجديد وسرعان ما وجد نفسه يبادر بسياساته الخاصة ليتقدم بنسخ من برامج مكافحة الفقر. وحصل رامسفيلد على عدة ترقيات في عهد نكسون واصبح مقرباً من الرئيس كما كان مقرباً اكثر من نائب الرئيس الثاني جيرالد فورد وهو حليف قديم له من زمن الكونغرس. وبضربة حظ اصبح رامسفليد المندوب الاميركي في حلف شمال الأطلسي، وذهب الى بروكسل ليبقى بعيداً عن تداعيات فضيحة ووترجيت. وهذا جعل منه احد مساعدي نيكسون القلائل الذين لم يتسخوا بهذه الفضيحة مما مكنه من لعب دور قيادي في ادارة فورد وبعد نجاحه في تنظيم الادارة الجديدة بمساعدة نائبه الشاب ديك تشيني، فاز رامسفيلد بمنصب وزير الدفاع وهذا ما جعله يدخل مباشرة في الخصومة مع وزير الخارجية حينها هنري كيسنجر. وبتذكرهم لتلك السنوات يقول مساعدوه حينها ان اهم معالم عهد رامسفيلد الاول وزيراً للدفاع هي دعمه المكثف للاعتماد على الأسلحة المتطورة والتي يعمل بعضها حالياً في العراق مثل صواريخ توماهوك كروز وقاذفات الشبح بي 2. يقول مسئول عرفه جيداً: «لقد حاول تغيير توجه القوات المسلحة عام 1975 باثارته للكثير من الاسئلة الكبيرة جداً امامهم: هل نحتاج الى حاملات طائرات ذات سطح ضخم؟ هل يجب علينا تطوير مقاتلات نفاثة باقلاع عامودي؟». بعض افكاره تلك مثل الحاجة لمقاتلات تستطيع الاقلاع عامودياً بطريقة الهيلوكبتر اصبحت الآن تتبلور مثل طائرة «في 22» التي تعتبر الآن على قمة اولويات المارينز على الرغم من الاخفاقات التجريبية وفرط التكاليف الذي يتعرض لها برنامجها. عشق رامسفيلد للأسلحة في السبعينيات بدا حينها اقل ابداعاً واكثر محافظة كان كيسنجر يسعى لكسب الحرب الباردة عبر المناورات الدبلوماسية وتوازن القوى والمصالح العالمية. اما رامسفيلد فكان منافسه المتشكك بهذه الاستراتيجية الذي يؤكد على ان انتاج افضل الأسلحة لمواجهة الشيوعية هو الدفاع الاقوى. وقد كتب كيسنجر في مؤلفاته حول هذه الخلافات، ويقول في مذكراته ان رامسفيلد: «كان يجهض المبادرات الدبلوماسية الجديدة او التحركات العسكرية باصراره الضاري على الاجراءات البيروقراطية ولعبه دور حامي الشيطان في وجه كل اقتراح جديد». وحين هزم جيمي كارتر منافسه فورد في انتخابات 1976 الرئاسية اختفى رامسفيلد عن الساحة العامة ليتذكره الجميع بأنه مجرد النسخة المعاكسة لكيسنجر غير ان السنوات اللاحقة التي امضاها مديراً تنفيذياً لشركة سيرل فارماسيتيكال وتقديم مشوراته للرؤساء الاميركيين كانت ابعد ما تكون عن الجمود وقد تعرف على سياسات الشرق الاوسط القاسية في عهد الرئيس ريغان حينما جعله مبعوثه الخاص في حرب لبنان عام 1983، وهي المهمة التي تضمنت زيارة للرئيس العراقي صدام حسين، والاهم من ذلك انه ابقى على علاقاته مع شركات السلاح مثلما ابقى نفسه على اطلاع اولاً بأول على التطورات في الأسلحة. كما طور رامسفيلد ذائقته لنظريات التسلح المستقبلية وتعلم مصطلح «الصدمة والرعب» من دراسة اكاديمية قدمها عام 1996 هارلان اولمان الصحفي المتخصص في القضايا العسكرية وكانت دراسة اولمان تدعو لاستخدام قدر هائل من القوة التقليدية لتحقيق معادل عسكري للقوة النووية التي استخدمت في ضرب هيروشيما للفوز باستسلام سريع من جانب العدو. يقول اولمان عن هذا المبدأ وعن رامسفيلد ومحاولته تطبيقه في العراق «كان قد درسه بكثافة وفهمه» لكنه يضيف انه فشل في العراق لأن رامسفيلد تحرك ببطء شديد في تنفيذه. في عام 1999 تولى رامسفيلد رئاسة لجنة لدراسة مخاطر الصواريخ الباليستية على الولايات المتحدة ليصدم البعض بتحذيره من تهديد كوريا الشمالية لأميركا وبعد اسبوع واحد من نشر تقرير الدراسة، ردت كوريا الشمالية باطلاق صاروخ باليستي من ثلاث مراحل فوق اليابان ليكون الاشارة الاولى على امتلاكها هذه التقنية. ومع ذلك وحتى تعيين جورج بوش لرامسفيلد وزيراً لدفاعه لم يكن العامة ولا الجنرالات على ادراك ما الذي يريده هذا الثنائي. ان سن رامسفيلد وجذوره الضاربة في فكر الحرب الباردة تجعله خلف الزمن وليس امامه، وربما كان هذا ليبدو ملائماً للبنتاغون بعد ادارة كلينتون حينما كان الجنرالات هم من يرسمون له طريقه.غير ان بوش يتمتع بمصداقية اكبر بين الصفوف الاولى من ضباط القوات المسلحة وبدأ رامسفيلد بممارسة سيطرة مدنية اكبر عليهم، وشرع في العمل فوراً للضغط نحو مزيد من الاسلحة المتطورة والقوات الافضل تدريباً على حساب تشكيل فرق عسكرية اكبر ومحشوة بالمدرعات لكن حتى الآن لا يزال الكثير من الجنرالات محجمين عن مسايرته ويبدو انهم يثيرون الشكوك بخصوص خططه. لكن رامسفيلد رد على حربهم له بسلاح البيروقراطية الذي يتمتع به فقد كان الجنرال اريك شنسكي رئيس الاركان القوي في الجيش كارهاً لهذا التحول، فما كان من رامسفيلد الا ان قام بسابقة اولى من نوعها حينما سمى خلفه في هذا الموقع قبل 15 عاماً من انقضاء مدة خدمته. غير ان شنسكي رد لرامسفيلد الصاع حينما تقدم بشهادة امام الكونغرس قال فيها ان السيطرة على العراق بعد الحرب تحتاج الى مئات الآلاف من الجند، وهو رقم انكره وزير الدفاع بوصفه بأنه «خارج النص». ومنذ 11 سبتمبر حاول رامسفيلد ان يضع زوابع التاريخ خلف ظهره فبشكه التليد بالدبلوماسية كان القوة الدافعة وراء الاعمال العسكرية واحياناً يزعزع الدبلوماسية بتعليقاته المربكة حول الحلفاء والاعداء على السواء وداخل البنتاغون كان دوماً يستخدم استفزاز الارهاب لتسريع سياساته. وحتى لو سارت الحرب في العراق على غير ما يشتهي الاميركيون فليس من المتوقع ان يزعزع ذلك رامسفيلد. يقول لورين تومبسون المستشار في اوساط صناعة السلاح: «مكنمارا كان شخصية من المأساة اليونانية اما رامسفيلد فهو لا يحفل بمن يخالفونه الرأي الا اذا كان ذلك بخصوص مسألة لم يأخذ منها موقفاً بعد». اما اذا سارت رياح الحرب بما يشتهيه، فإن رامسفيلد سيصبح ذا زخم يعطيه المقدرة على صياغة السياسة العسكرية لجيل قادم. ولدى اعوان رامسفيلد الآن والجنرالات المقربين منه مثل رئيس هيئة الاركان المشتركة العامة للقوات المسلحة الجنرال ريتشارد مايرز والقائد الميداني للحرب في العراق الجنرال طومي فرانكس، يعملون الآن على اعداد الخطط لتعزيز المؤسسة العسكرية بعد الحرب بجعلها اسرع وارشق لمحاربة الارهاب في كل انحاء العالم. وحينما كان اعداؤه داخل المؤسسة العسكرية ينتقدون خططه، كان حلفاؤه يعترفون بما كان واضحاً لبرهة: اسلوبه في التعامل ابعد عنه التقليديين في البنتاغون اما الآن في التقليد اصبح اخف وزناً في مواجهة رامسفيلد الذي يسرع معززاً بالانتصارات بالتقدم في خططه والآن بعد ان اصبح غير مكترث بحياته المهنية في العمر الذي وصل اليه، اصبح رامسفيلد يتلذذ بالفرصة التي اتيحت له لترك بصمته على المؤسسة العسكرية الأميركية بشكل ملح من قبل رجل يعرف تماماً ما الذي سيكون عليه حاله حالما يخرج من الحكم. يقول كين كريغ مدير التحليل البرنامجي في البنتاغون: «رامسفيلد يعتقد اننا ان لم نصبح مستعدين لمواجهة المستقبل سنكون قد فشلنا في مهمتنا». عن «بوسطن جلوب»