الاربعاء 7 صفر 1424 هـ الموافق 9 ابريل 2003 تشهد الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا حالياً حرباً غير مسبوقة على البلد الذي رأيت فيه النور لأول مرة، وعلى شعبه وأرضه ومدنه، لقد تم شن هذه الحرب من دون موافقة الأمم المتحدة، ومن دون تأييد المجتمع الدولي وضد رغبته، ومن أجل كسب التأييد لهذه الحملة غير الشرعية وغير العادلة، ظهرت ادعاءات تفيد بأنها حرب غير استعمارية وأنها حرب من أجل التحرير، أو بعبارة أخرى هي حرب تعاطف مع الشعب العراقي، فبريطانيا والولايات المتحدة سوف تنقذان العراقيين عن طريق القصف حتى يمكن لهم ان ينعموا بجو من الازدهار والرخاء في العراق، ويعيشوا في سلام مع جيرانهم، وهؤلاء الذين صدقوا هذا الكذب والافتراء والمبالغة توقعوا ان يرحب العراقيون بالجيوش الغازية، وبعد أن أجبرت القوات البريطانية على التراجع والانسحاب من منطقة البصرة الكبرى في مستهل الحرب، قال متحدث عسكري بريطاني: «كنا نتوقع قدراً كبيراً من الاستسلام، لكن الأمر لم يمض على هذا النحو».والآن غدا الأمر واضحاً للجميع ان العراقيين يقاومون هذا الاعتداء العسكري بحياتهم وأرواحهم. وبدا ان المعلقين والسياسيين في بريطانيا وأميركا هم الذين اصابتهم الدهشة والذهول، وأصبح لسان حالهم، يقول: كيف يبدي العراقيون هذه القوة على المقاومة؟ لماذا يقاومون بكل هذه الجسارة محاولة تحريرهم من دكتاتور وحشي؟ بيد أن العراقيين غير مندهشين على الاطلاق مما يجري. فعندما استعمر العراق لأول مرة من قبل بريطانيا عام 1917، وصلت مسامع العراقيين الدعاية نفسها التي تفيد بأن البريطانيين جاؤوا للتحرير من خلال الاحتلال، وآنذاك حاربنا من أجل التخلص من المستعمر البريطاني، وساعدنا بذلك عدداً كبيراً من الحركات المستقلة من شتى أنحاء العالم على أن تحذو حذونا، وربما يتمنى العراقيون ان يزول هذا النظام، ولكن كل من يفهم ثقافتنا وحضارتنا يعلم ان العراقيين سوف يضحون بحياتهم ليس من أجل حماية الرئيس صدام حسين ولكن من أجل حماية وطنهم وأرضهم وكرامتهم واحترامهم لأنفسهم في مواجهة نظام عالمي جديد غريب على أسلوب حياتهم، فنحن شعب أبي يفتخر بنفسه لأبعد الحدود. وهكذا يكرر التاريخ نفسه، فتماماً كما حدث في القرن الماضي فإن الهيمنة العسكرية للغزاة الأنغلو ـ أميركيين ربما في النهاية ستلتهم الجيش العراقي الضعيف وغير المجهز من جراء العقوبات وسياسة الاحتواء والعزلة الدولية، ولكن في الوقت نفسه ما من شك في أنه في النهاية سوف تفشل هذه الحملة الصليبية على العراق، كما فشل الاحتلال البريطاني الذي قاده الجنرال مود في العراق في وقت كانت الامكانات العسكرية في صالح الجيش البريطاني كما هي الحال حالياً، فالعراقيون خاضوا حرباً شرسة وقاسية تكبدوا خلالها خسائر بشرية هائلة من أجل تحرير العراق من الاحتلال البريطاني وهو الأمر الذي سيعاودون فعله مرة أخرى. نعم ربما تسيطر القوات الأنغلو ـ أميركية هذه المرة على البحر والجو والصحارى العراقية، ولكن هذه القوات سوف تفشل في كسب عقول وقلوب الشعب العراقي، إن شعب العراق لا يواجه تدميراً لم تشهده البشرية من قبل على أيدي العدوان الانغلو أميركي، فحسب، وإنما يواجه تدميراً سوف تتسبب فيه حرب أخرى وهي الحرب الأهلية التي ستلي بشكل لا مفر منه الحرب الحالية، فنحن نعلم ماذا يعني الأمر لأننا كنا هناك من قبل.فلقد عشت وأنا صبي صغير في مدينة الموصل وشاهدت أهوال الحرب الأهلية في العراق عامي 1959 ـ 1960 عندما كان التحالف الكردي والشيوعي يحارب القوميين من أجل السيطرة على البلد. وكنت معتاداً ان أقضي مع اخوتي أياماً مختبئين في دور سفلي صغير يقع تحت الأرض من دون ان نصعد إلى أعلى، ونحن نرتعد خوفاً وخشية من أن نتعرض للقتل والذبح، لأننا كنا معدودين من بين صفوف القوميين.ولقد شاهدت بعيني عراقيين يتم تقطيعهم إلى نصفين وهم أحياء عن طريق سيارتين تقومان بالاصطدام بهم عمداً وشاهدت فتيات يتم تعليقهن من صدورهن عن طريق سنارات صيد على أعمدة الهاتف في الشوارع، وكان يتم شنق الرجال أمام بوابات مدرستي وتم اجبارنا على مشاهدة مناظر الاعدام الجماعي وهي تتوالى في ميادين عامة، وكانت تُشاهد بشكل اعتيادي جثث القتلى وقد نحرت رقابها في الشوارع.وبعد مرور 40 عاماً على هذه الاحداث، وأنا الآن أنعم بالراحة والأمان في لندن، ما زالت هذه الصور عالقة بذاكرتي كآثار باقية للخوف من أجل الحياة، تلك الآثار التي يعانيها عدد كبير من شعب العراق. وهذا هو المصير الذي ينتظر العراق «المحرر» كما يصفونه، فاليوم لدى الاكراد الذين تدعمهم أميركا حسابات أكبر حتى من ذي قبل في شراستها وعنفها يريدون تصفيتها، فهناك عدد كبير وكبير للغاية من أبناء الشعب في العراق الآن يخشى حدوث عنف طائفي يمكن ان ينجم عن انهيار النظام العلماني الحاكم، ويؤكد التاريخ ان هؤلاء محقون في خوفهم هذا وأنا لا أتمنى أن يمر أي شخص في العالم عدواً كان أم صديقاً بهذا المصير. ولن تقدر القوات سواء البريطانية أو الأميركية على التحرك بسرعة كافية من أجل منع وإيقاف ذبح الابرياء من المدنيين خلال تلك الحرب الأهلية التي ستلي الحرب الحالية، ففي أعقاب هذه الحرب، لن يكون هناك عراق يمكن إعادة بنائه، ولكن سيكون هناك أجواء من الفوضى. ولذا فإن الرسالة التي يبعثها العراق واضحة وهي: عودوا إلى أوطانكم ودعونا وشأننا! فأنتم لن يتم الترحيب بكم كغزاة مستعمرين. توقفوا عن تدمير العراق. ولا تدفنوا أمتنا. أوقفوا الحرب وأعطوا السلام ومفتشي الأمم المتحدة فرصة باسم البشرية والانسانية! ترجمة: حاتم حسين عن «جارديان»