الاربعاء 7 صفر 1424 هـ الموافق 9 ابريل 2003 على جذوع صواريخهم الفولاذية، يكتب الجنود الاميركيون الفتيان رسائل مبهرجة صبيانية: «الى صدام من ريسنا»، وينهار مبنى او يحترق سوق او بيت او تقتل فتاة تحلم بغدها او طفل يلهو بألعاب شقيقه الاكبر. صباح 21 مارس الماضي الذي بدأ فيه الجنود الاميركيون والبريطانيون غزوهم واحتلالهم الخارجون عن القانون للعراق قابل مراسل شبكة سي ان ان «الملحق» بالقوات الغازية جنديا اميركيا قال المجند اي جي: «اريد الدخول لهذه الاراضي وامخط فيها. اريد الانتقام لسبتمبر». حتى نكون منصفين مع المراسل، على الرغم من انه كان «ملحقا» فقد قام بالاشارة بين اسبوع وآخر الى انه لم يثبت بأي دليل حتى الآن وجود علاقة بين الحكومة العراقية وهجمات 11 سبتمبر غير ان المجند الشاب اخذ يمد لسانه طوال المقابلة بطريقة صبيانية حتى وصل نهاية ذقنه ليقول: «طيب، هذه الاقوال لم تدخل رأسي». تبعا لاستطلاع رأي اجرته صحيفة «نيويورك تايمز» وشبكة «سي.سي.اس نيوز» فان 42 في المئة من الاميركيين يعتقدون ان الرئيس العراقي صدام حسين مسئول مباشرة عن هجمات 11 سبتمبر فيما يشير استطلاع «اي.بي.سي نيوز» الى ان 55 في المئة من الاميركيين يرون ان صدام حسين يدعم بشكل مباشر تنظيم القاعدة، اما نسبة تصديق هذه الاكاذيب في صفوف جنود القوات المسلحة الاميركية فهي امر مجهول. من غير المحتمل ان يكون الجنود البريطانيون والاميركيون الذين يقاتلون في العراق مدركين لحقيقة ان حكومتيهم كانتا تدعمان صدام حسين سياسيا وماليا اثناء ارتكابه لاسوأ تجاوزاته. لكن ما الداعي لارهاق ذهن اي جي وغيره من الجنود بهذه التفاصيل؟ فهي لم تعد مهمة بعد الآن أليس كذلك؟ اليوم يتدفق مئات الآلاف من الجنود والدبابات والسفن والمروحيات والقنابل والذخائر وأقنعة الغاز والاغذية عالية المحتوى البروتيني وطائرات الشحن التي تحمل اوراق التواليت ومضادات الحشرات والفيتامينات والمياه المعدنية على المنطقة وهذا المستوى اللوجستي الاستثنائي للغزو يجعل منه عالما قائما بحد ذاته فهو لم يعد يحتاج لتبرير لوجوده فهو موجود وانتهى. الرئيس الاميركي جورج بوش، القائد الاعلى للقوات المسلحة الاميركية قد اعطى تعليماته: «العراق سوف يتحرر»، (ربما يعني انه حتى جثث القتلى العراقيين ستحرر من ارواحها)، اما المواطنون الاميركيون والبريطانيون فيدينون لهذا القائد الاعلى بهجرانهم تفكيرهم والوقوف وراء جنوده، فبلداهما يخوضان حربا. واي حرب. بعد الالتجاء الى «المساعي الحميدة» لدبلوماسية الامم المتحدة (عقوباتها الاقتصادية ومفتشو الاسلحة) لضمان تركيع العراق وتجويع شعبه وقتل اكثر من نصف مليون طفل وتدمير بناه الاساسية، وبعد التأكد من ان معظم قواته المسلحة قد تحطمت، ارسل «التحالف» او «تحالف الارادة» (والافضل استخدام اسمه الاكثر شهرة: تحالف المذعنين والمبيعين) جيشه الغازي في عمل نذل وجبان لا مثيل له في التاريخ. هل هي «عملية الحرية العراقية»؟ لا اعتقد، انها اشبه بعملية: «دعنا نتسابق لكن اسمح لي اولا ان اكسر ركبتيك». حتى الآن استطاع الجيش العراقي بجنوده المتعبين وعتادهم الهزيل ومدافعه القديمة ودباباته العتيقة ان يصمد مؤقتا، وان يفوق بين الحين والآخر في مناوراته «الحلفاء»، وفي وجه اغنى واقوى قوات مسلحة واكثرها تجهيزا عرفها التاريخ حتى اليوم، اظهر العراقيون شجاعة عظيمة، واستطاعوا ابداء افضل ما لديهم في اطار الدفاع، هذا الدفاع الذي اسرع الثنائي بوش وبلير مباشرة لادانته ووصفه بالخداع والجبن. لكن علينا الا ننسى ان الخداع هو تراث عريق عندنا، فحينما تعرضنا للغزو والاحتلال والتجريد من كرامتنا اصبحنا نعمل بمراوغة وانتهازية). حتى لو تغاضينا عن توصيف «الحلفاء» واعلامهم لما يجري بانه حرب مع العراق، فمن المدهش حقا المدى الذي ابدى فيه هؤلاء استعدادهم للمضي اليه بشكل اصبح فيه ذا اثر عكسي على اهدافهم. فبعد ان ظهر صدام حسين على التلفزيون العراقي ليخاطب مواطنيه، بعد فشل اضخم عملية اغتيال عرفها التاريخ ـ «عملية قطع الرأس» ـ خرج علينا وزير الدفاع البريطاني، جيف هون، ليقرع صدام حسين على افتقاره للشجاعة ليكشف عن نفسه ويتعرض للقتل ووصفه بالجبان الذي يختبيء في التحصينات وسمعنا بعدها جوقة من توقعات «التحالف» ـ هل كان صدام حسين؟ هل كان بديله؟ أم انه كان اسامة حليق الذقن؟ هل كان الخطاب مسجلا مسبقا؟ هل كان خطابا؟ هل كان سحرا وشعوذة؟ هل سيتحول الى بطيخة اذا ما اردنا ذلك حقا، حقا؟ وبعد ان اسقطنا آلاف وليس مئات القنابل على بغداد، وبعد ان قصفنا بالخطأ مدنيين وقتلناهم، خرج المتحدث باسم الجيش الاميركي ليحاول القول ان العراقيين انما يقصفون انفسهم! «انهم يستخدمون اسلحة قديمة جدا. صواريخهم تنطلق للاعلى ثم تهبط فوقهم». لو كانت الحال كذلك، فهل لنا ان نسأل كيف ينسجم هذا مع الاتهام الموجه للحكومة العراقية بأنها عضو في محور الشر وتمثل تهديدا للسلم العالمي؟ حينما عرضت قناة الجزيرة صور القتلى المدنيين ادينت باعتبارها دعاية عربية «عاطفية» تهدف لتفعيل العداء «للحلفاء»، وكأن العراقيين يموتون لمجرد انهم يريدون اظهار «الحلفاء» بمظهر السيئين، وحتى التلفزيون الفرنسي تعرض للضرب بالعصا نفسها للسبب نفسه، اما صور التلفزيونات الاميركية والبريطانية المرعبة والمثيرة لحاملات الطائرات وطائرات الشبح وصواريخ كروز التي تضرب في كل ارجاء العراق فقد وصفت بأنها «الجمال الوحشي» للحرب. حينما وقع جنود اميركيون غزاة (من الجيش الذي جاء «لمجرد تقديم العون») اسرى وعرضوا على التلفزيون العراقي، سارع الرئيس الاميركي جورج بوش للتذكير بان ذلك يخرق معاهدة جنيف و«يكشف عن الشر القابع في قلب هذا النظام». لكنه كان من المقبول تماما ان تعرض التلفزيونات الاميركية مئات السجناء الذين تعتقلهم الحكومة الاميركية في معتقل غوانتاناموا، وهم يجثون على الارض وايديهم مكبلة خلف ظهورهم وعيونهم معصوبة والسماعات على آذانهم لاكمال التجريد النفسي والبصري من كرامتهم، ولدى سؤال الحكومة الاميركية عن هذه المعاملة لم ينكر مسئولوها سوء معاملتهم بل انكروا ان هؤلاء «اسرى حرب»! فهم يصفونهم بأنهم «مقاتلون خارجون عن القانون» وكأنهم يوحون بأن سوء معاملتهم امر مشروع! (ماذا اذن عن المذبحة بحق السجناء في مزار الشريف في افغانستان؟ هل نسامح وننسى؟ ماذا عن السجناء الذي عذبوا حتى الموت على يد القوات الخاصة في قاعدة باغرام الجوية؟ الاطباء قد وصفوا ذلك فعلا بأنه ابادة جماعية). حينما قصف «الحلفاء» التلفزيون العراقي (خطأ ايضا، في خرق لمعاهدة جنيف) ساد جو من الابتهاج السوقي في اوساط الاعلام الاميركي، وفي الحقيقة فان تلفزيون فوكس الاميركي كان يضغط للقيام بهذا الهجوم فقد كان يرى ضربة مشروعة للدعاية العربية، غير ان التلفزيونات الاميركية والبريطانية استمرت في الترويج لنفسها على انها «متوازنة» حينما بلغت الدعاية التي تعرضها حدود الهلوسة. لماذا يجب ان تكون الدعاية حقا حصريا للاعلام الغربي؟ ألمجرد انهم يقدمون بشكل متقن اكثر؟ ان الصحافيين الغربيين «الملحقين» بالقوات يعطون مكانة الابطال وهم ينقلون الاخبار من جبهات الحرب اما الصحافيون «غير الملحقين»، مثل راجح عمر من «بي بي سي» الذي يرسل تقاريره من بغداد المحاصرة تحت القصف والذي يشهد ويتأثر بالتأكيد بمرآى الجثث المحترقة للاطفال والمدنيين الجرحى فيتم التشكيك في مصداقيتها حتى قبل بثها بالقول: «علينا ان نخبر مشاهدينا ان هذا التقرير خضع لمراقبة السلطات العراقية». وشيئا فشيئا بدأت التلفزيونات الاميركية والبريطانية تشير الى الجنود العراقيين على انهم «ميليشيا» (اي عصابات) وأحد مراسلي «البي بي سي» لم يتردد في وصفهم بوقاحة بأنهم «شبه ارهابيين» اما الدفاع العراقي فهو «مقاومة» او حتى اسوأ: «جيوب مقاومة» فيما الاستراتيجية العسكرية العراقية هي خداع. (اما تجسس الحكومة الاميركية على هواتف اعضاء وفود الدول الاعضاء في مجلس الامن فليست سوى نفعية جريئة). من الواضح ان الاستراتيجية الاخلاقية الوحيدة التي يقبلها «الحلفاء» من الجيش العراقي هي ان يتقدم نحو الصحراء لتقصفه قاذفات البي 52 او تحرقه المدفعية واي شيء غير ذلك هو خداع. واليوم نشهد حصار البصرة، مليون ونصف من البشر 40 في المئة منهم اطفال دون ماء نظيف وبقدر قليل جدا من الطعام ومازلنا ننتظر تلك الانتفاضة الاسطورية، وان تخرج جموع الناس المبتهجين ليتدفقوا في الشوارع ويمطروا جيش «التحرير» بالزهور والابتهالات، اين هذه الحشود؟ ألا يعرف هؤلاء الناس ان شبكات التلفزيون تعمل وفق جدول عمل دقيق جدا لا يحب التأخير؟ (نعم ربما نشهد جموعا ترقص ابتهاجا في شوارع البصرة اذا ما سقطت حكومة صدام حسين، لكن اذا ما سقطت حكومة جورج بوش فسنشهد الرقص في كل شوارع العالم قاطبة). بعد ايام من فرض التجويع والتعطيش على مواطني البصرة، اتى «الحلفاء» ببضع شاحنات من الغذاء والماء ووضعوها بشكل مثير للاغراء في ضواحي المدينة، وما كان من الناس اليائسين سوى الركض الى تلك الشاحنات ومقاتلة بعضهم من اجل الحصول على الطعام، وعلى ظهر الشاحنات كان المصورون القانطون من اجل صورة يتصارعون مع بعضهم لاخذ صور لاناس يتدافعون من اجل الطعام وهذه الصور ستتناقلها وكالات الانباء وترسلها الى الصحف والمجلات اللماعة التي تدفع، اما رسالتها: ها هم المخلصون قد اتوا ليوزعوا الخبز والماء على الجياع. لكن منذ يوليو الماضي قام الثنائي بوش وبلير بمنع تسليم امدادات غذائية للعراق بقيمة 4,5 مليارات دولار. ذلك لم نسمعه ابداً في الانباء. اما الآن وتحت العناية الحنونة التي تسجلها كاميرات التلفزيون يتم ارسال 450 طنا من المعونات الانسانية ـ وهو نذر ضئيل مما هو مطلوب فعلاً يصل في سفينة بريطانية «سيرغالاهاد» لقد وصلت ميناء ام قصر في يوم لم تنقطع خلاله ساعات البث التلفزيوني الاحتفالية بوصولها. شيء يدعو للتقيؤ أليس كذلك؟ نك غوتمان رئيس قسم الطواريء في منظمة «كريستشيان ايد» يقول في «اندبندنت اوف صنداي» ان الامر يحتاج الى 32 سيرغالاهاد يومياً لتعويض ما كان العراق يستورده قبل بدء الحرب. لكن مع ذلك يجب ألا نتفاجأ فهذه لعبة قديمة لقد ظلوا يلعبونها منذ سنين ويكفي ان تفكروا في هذه التوصية المعتدلة التي تقدم بها جون ماكنوتون من البنتاغون تم نشرها خلال حرب فيتنام: «ان توجيه القصف للاهداف المدنية «كل ثانية» من غير المحتمل فقط ان يحدث موجة رفض في اميركا والعالم فحسب، بل انه قد يزيد جداً من خطر توسيع الحرب لتتورط فيها الصين والاتحاد السوفييتي. لكن تدمير السدود والحواجز المائية، يمكن لو تم بشكل صحيح ان يكون واعداً لنا، يجب ان ندرس هذا الخيار فمثل هذا التدمير لا يغرق او يقتل الناس. لكن بتطويف حقول الأرز بالماء فسيؤدي ذلك مع الوقت الى تجويع البلاد «ربما اكثر من مليون جائع؟» ما لم نتقدم نحن لتوفير الطعام ـ والذي يمكننا ان نقدمه لهم على طاولات المؤتمرات الصحفية. ان الزمن لم يتغير بالقدر الكبير. فتلك التقنية تطورت لتصبح عقيدة وهم يسمونها الآن «كسب العقول والقلوب». اليكم بالحسابات الاخلاقية كما هي صرفة: 200 الف عراقي قتلوا في حرب الخليج السابقة. مئات الألوف من العراقيين ماتوا بسبب الحصار الاقتصادي على الاقل هؤلاء لم يموتوا بيد صدام حسين (وآخرون يقتلون كل يوم الآن) عشرات الآلاف من الجنود الاميركيين الذين خاضوا حرب الخليج السابقة هم الآن «معاقون» رسمياً نتيجة مرض يدعى متلازمة حرب الخليج، يعتقد انه ينجم في وجه منه عن التعرض لليورانيوم المستنفد. كل ذلك لم يمنع الحلفاء من مواصلة استخدام اليورانيوم المستنفد. واليوم يعود الحديث عن استعادة الامم المتحدة للصورة، لكن تلك الامم المتحدة العجوز تبين انها لم تعد تمثل ما اقيمت من اجله لقد تم تقزيمها «على الرغم من احتفاظها بمرتبها العالي». انها الآن زبال العالم. انها عاملة النظافة الفلبينية او الشغالة الهندية او عروس البريد التايلاندية او الخادمة المكسيكية او اللبيسة الجامايكية، اليوم وظيفة الامم المتحدة هي تنظيف غائط الآخرين، انها تستخدم وتستغل حسب الطلب. رغم كل تأكيدات بلير الصادقة فقد اوضح بوش انه لن يكون للأمم المتحدة اي دور مستقل في ادارة العراق بعد الحرب. والولايات المتحدة هي التي ستقرر من سيحصل على عقود «اعادة اعمار» العراق اللذيذة. غير ان بوش ناشد المجتمع الدولي ألا «يسيس» مسألة المعونات الانسانية، ففي 28 مارس وبعد ان دعا بوش لاستئناف فوري لبرنامج النفط مقابل الغذاء، صوتت الامم المتحدة بوضوح لصالح القرار، وهذا يعني ان الجميع يوافق على ان اموال العراق «من مبيعات النفط» يجب استخدامها في اطعام الشعب العراقي الذي يتعرض للجوع بسبب الحصار الاقتصادي المفروض اميركياً والحرب غير الشرعية التي تقودها اميركا. لقد قيل لنا ان عقود اعمار العراق يمكن ان تشكل دفعة قوية للاقتصاد العالمي ان من المضحك حقا كيف يتم الخلط بين مصالح الشركات الاميركية غالباً ومصالح الاقتصاد العالمي، ففيما سيدفع الشعب الاميركي تكاليف الحرب، فإن شركات النفط والسلاح وتجاره وشركات الاعمار ستحقق ارباحاً هائلة من هذه الحرب، والكثير من هؤلاء هم اصدقاء أو ارباب عمل سابقون لعصابة بوش وتشيني ورامسفيلد ورايس وقد طلب بوش من الكونغرس فعلا 75 مليار دولار، وعقود الاعمار قيد التفاوض مسبقا، مثل هذه الانباء لا تطرق اسماعنا كثيرا لان معظم مؤسسات الاعلام الاميركية مملوكة او مدارة من قبل جماعات المصالح نفسها. ان عملية «الحرية العراقية» كما اكد لنا بلير هي لاعادة النفط العراقي للشعب العراقي وذلك يعني اعادة النفط العراقي الى الشعب العراقي عبر شركات النفط، مثل شيل وشيفرون وهاليبرتون. اما اننا لا ننتبه للخطة هنا؟ ربما تكون هاليبرتون شركة عراقية ونحن لا نعلم؟ ربما يكون تشيني نائب الرئيس الاميركي «المدير السابع لهاليبرتون» عراقياً متنكراً؟ وفيما يتعمق الخلاف الاميركي الاوروبي، هناك مؤشرات على ان العالم يدخل مرحلة جديدة من اعمال المقاطعة الاقتصادية فقد نقلت «سي. ان. ان» عن مواطنين اميركيين انهم يفرغون زجاجات النبيذ الفرنسي في المجارير وهم يغنون «لا نريد خموركم النتنة» وسمعنا عن اعادة تسمية البطاطا المقلية الفرنسية: فاصبحت الآن بطاطا الحرية. وهناك اخبار عن مقاطعة اميركية لبضائع المانية. لكن المهم هو ان هذا التحول ان تبلور فإن الولايات المتحدة ستكون هي اكبر الخاسرين فأمنها الداخلي ربما يمكن ضمانه بدوريات الحدود والاسلحة النووية، غير ان اقتصادها متعلق بكل العالم، منافذها الاقتصادية عرضة للهجوم في كل مكان من العالم، والانترنت تحتشد مسبقا بقوائم ضخمة لمنتجات اميركية وبريطانية يجب مقاطعتها، والى جانب الاهداف المعتادة لهذه المقاطعة مثل كوكاكولا وبيبسي ومكدونالد فإن هيئات تنموية دولية مثل يو اس ايد ووزارة التنمية الخارجية البريطانية والمصارف البريطانية والاميركية ومؤسسات مثل ارثر اندرسون وميريل لينش واميركان اكسبرس وشركات مثل بيشتل وجنرال الكتريك وريبوك ونايكه وغاب قد تجد نفسها تحت الحصار وهذه القوائم تجديدها دوري من قبل نشطاء في كل انحاء العالم، وفجأة قد نجد «حتمية» مشروع العولمة يبدأ بالظهور على انه اكثر من احتمال. لقد اصبح واضحاً ان الحرب ضد الارهاب ليست ضد الارهاب، وان الحرب على العراق ليست فقط من اجل النفط، انها اندفاعة لتدمير الذات من قبل قوة عظمى نحو السيادة والسيطرة العالمية المطلقة والجدل الذي يدور الآن هو ان الشعبين الارجنتيني والعراقي تعرضا للمحرقة ذاتها. والفرق الوحيد هو السلاح فبينما استخدم صندوق النقد الدولي لتدمير الارجنتين كانت صواريخ كروز هي المستخدمة لتدمير العراق. اخيراً، هناك مسألة اسلحة الدمار الشامل التي لدى صدام «لقد كدت انساها». في ضباب هذه الحرب هناك شيء واحد مؤكد: اذا ما كان نظام صدام يمتلك فعلا اسلحة دمار شامل فإنه يبدي درجة مدهشة من المسئولية وضبط النفس في وجه هذا الاستفزاز الهائل. وفي مثل هذه الظروف، لنقل مثلا ان الجنود العراقيين يقصفون نيويورك ويحاصرون واشنطن، هل نتوقع الشيء نفسه من نظام بوش؟ هل كان النظام الاميركي سيبقي آلاف الرؤوس النووية في مخازنها؟ وماذا عن الخزين الاميركي من الاسلحة الكيماوية والجرثومية؟ ومخزونه من الجمرة الخبيثة والجدري وغاز الاعصاب؟ هل سيفعل؟ عفوا لأني اضحك. في ضباب هذه الحرب نجد انفسنا مضطرين للتفكير: اما ان صدام حسين هو طاغية في منتهى المسئولية والانضباط او هو ببساطة لا يمتلك اسلحة دمار شامل في اي من الحالتين وبغض النظر عما سيحدث لاحقا، فإن العراق يخرج من هذا الجدال اطيب ريحاً من الحكومة الاميركية. اذن ها هو العراق: دولة مارقة، تهديد خطير جداً للسلم الدولي، عضو مأجور في محور الشر، وها هو العراق دولة تتعرض للغزو وللقصف وللحصار والعربدة وانتهاك السيادة وقتل اطفاله بالسرطانات ونسف اهله في الشوارع وها نحن كلنا نشاهد ذلك. السي ان ان ـ البي بي سي ثم البي بي سي ـ السي ان ان حتى اواخر الليل. وها نحن كلنا نتحمل رعب الحرب ونتحمل رعب الدعاية ونتحمل مذبحة اللغة كما نعرفها ونفهمها. الحرية اليوم تعني القتل الجماعي «او في المصطلح الاميركي بطاطا مقلية» وحينما يقول احدنا «معونة انسانية» فإن ذهننا يتطلع فوراً للمجاعة المتعمدة. اما «الصحفي الملحق» فعلي ان اعترف انه اكبر اكتشاف جديد في اللغة. انه يعني فعلاً ما يعنيه المعنى الحرفي للكلمة، وماذا عن ترسانة التكتيكات؟ جميلة؟ في معظم اجزاء العالم ينظر الى غزو العراق على انه حرب عنصرية والخطر الحقيقي للحرب العنصرية التي تشنها انظمة عنصرية هو انها تولد العنصرية في كل انسان ـ بمن في ذلك المعتدون والضحايا والمشاهدون. انها تضع معايير الحوار كما ترسي ارضية طريقة معينة في التفكير. هناك مد من الكراهية للولايات المتحدة يعلو الآن في القلب القديم لهذا العالم. في افريقيا واميركا الجنوبية وآسيا واوروبا واستراليا. انا اصادفه كل يوم. واحيانا اراه في اقل الاماكن احتمالاً لوجوده، مصرفيون ورجال اعمال وطلاب مراهقون وهم يضخونه في كل سياساتهم المحافظة غير الليبرالية. هذا العجز عن التمييز بين الحكومات والشعوب: الاميركيون امة من المجرمين، من القتلة، كما يقولون «بالطريقة نفسها من الرعونة التي يقولون فيها ان كل المسلمين ارهابيون». وحتى في هذا العالم العنصري الغريب المهين، اصبح البريطانيون يجدون لهم مكاناً: البريطانيون كلاب تلعق حذاء سيدها، كما يقولون. وفجأة وجدت نفسي انا الذي اتهمت سابقاً بالعداء للغرب والعداء لاميركا ادافع في هذا الموقف الغريب عن الشعب الاميركي، وبريطانيا. على اولئك الذين ينزلقون بسهولة لفخ الابتزاز العنصري ان يجهدوا لتذكر ما فعله مئات الألوف من الاميركيين والبريطانيين للاعتراض على مخزون واشنطن ولندن النووي، وآلاف مناهضي العنصرية الاميركيين الذين اجبروا حكومتهم على الانسحاب من فيتنام، وعليهم ان يعرفوا ان اكثر الانتقادات علمية وشدة للحكومة الاميركية و«الطريقة الاميركية في الحياة» انما تأتي من مواطنين اميركيين، وان اكثر الادانات سخرية ومرارة من رئيس الوزراء البريطاني تأتي من البريطانيين. وعليهم ان يتذكروا ايضا ان هناك مئات الآلاف من البريطانيين والاميركيين في الشوارع يتظاهرون ضد هذه الحرب. ان تحالف «الجبناء والمبيعين» هو تحالف من الحكومات وليس الشعوب لقد نجا اكثر من ثلث الشعب الاميركي من حرب الدعاية التي شنت عليه، والآلاف منهم يصارعون حكومتهم فعلياً، وفي ظل المناخ البطولي الوطني المتطرف الذي يسود الولايات المتحدة الآن، فإن ذلك يعتبر شجاعة لا تقل عن شجاعة العراقيين الذين يقاتلون دفاعاً عن وطنهم. وفيما ينتظر الحلفاء في الصحراء انتفاضة في شوارع البصرة فإن الانتفاضة الحقيقية تحدث الآن في مئات المدن حول العالم لقد اصبحت اعظم استعراض للاخلاقيات العامة حتى الآن. وفي نهاية كل هذا يبقى علينا القول ان الطغاة من مثل صدام حسين وكل الطغاة غيره في الشرق الاوسط وجمهوريات وسط آسيا وفي افريقيا واميركا اللاتينية، والكثير منهم نصبته وتدعمه وتموله الحكومة الاميركية، انهم كلهم يمثلون مخاطر قاتلة على شعوبهم وان تعزيز قوة المجتمع المدني بدل اضعافه كما هي الحالة في العراق هو الحل الوحيد للتعامل معهم. وعلى الرغم من كل ما تقوله حرب الدعاية الطاحنة المسلطة على رؤوسنا فإن هؤلاء الطغاة مع ذلك لا يمثلون التهديد الاعظم للعالم، فالخطر المسلح والحقيقي والتهديد الاعظم الذي يواجهنا كله هو القاطرة الاقتصادية التي تحرك الحكومة الاميركية بقيادة بوش حالياً ان مقولات بوش مضحكة لانه تحرك باتجاه مثل هذا الهدف السهل والمباشر. من الواضح ان بوش سائق خطير جداً لادارة هذه القاطرة لانه سائق انتحاري تقريباً، غير ان القاطرة التي يجلس في مقدمتها هي اكثر خطراً بكثير منه هو. ترجمة: جلال الخليل عن « اوبزرفر»