الاربعاء 7 صفر 1424 هـ الموافق 9 ابريل 2003 هل استمرار الهيمنة الأميركية أمر مضمون ومؤكد؟ وهل حقا، أميركا ذات الـ 240 مليون نسمة، وهي نسبة لا تتعدى 4% من عدد سكان البشرية ستحكم العالم إلى الأبد؟المؤلف، بيير بيرنيس، يؤكد أنه لا يوجد أي سبب للتفكير بهذه الطريقة. فالصين عاكفة على استعادة قوتها وأوروبا عازمة على أن تسترد مكانتها وموقعها، وهناك روسيا التي ستبعث من جديد، واليابان الآخذة بالتحرر، والهند التي تستيقظ في كل مكان، هكذا نجد أن رغبة المقاومة للهيمنة الأميركية مؤكدة وملموسة، وبالامكان التأكيد بأن هذه المقاومة ستنتصر.ومؤلف هذا الكتاب الذي تنشره «البيان» بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر، هو مسئول الشئون الخارجية للبرلمان الفرنسي، عمل خلال ما يقارب 25 عاماً مراسلاً لصحيفة «اللوموند» في أفريقيا، وقد نشر كتابين هما «أفريقيا للأفريقيين»، و «الفرنسيون في أفريقيا السوداء» . لم نكن ندري، ولكننا على الرغم من ذلك عشنا فترة عجيبة فعلاً فترة تكون في نظر البعض قد دامت قرابة نصف القرن، من ابادة هيروشيما الى انهيار الامبراطورية السوفييتية. وفي نظر البعض الآخر تكون هذه الفترة الخارقة قد امتدت على مدى فترة أطول بكثير، في حدود قرون ثلاثة، من بداية «عصر الأنوار» الى يومنا هذا، ولكن بصرف النظر عن هذا الفارق الزمني المهم، فان الجميع متفق على أنّ هذه الأزمنة المباركة قد أصبحت من الآن فصاعداً في ذمة الماضي، وأن البشرية الآن تلج عصراً يلفه غموض كثيف وتحفّه مخاطر داهمة. في هذا الاطار الكلي جاءت حرب الخليج لتسجل على ما يبدو تحولاً حقيقياً بالنسبة للفترة السابقة، فالأرجح أنها ما كانت لتحدث خلال الحرب الباردة. ولو قدّر لها أن تنفجر في تلك الأثناء لكان الانتصار فيها أصعب بكثير على أميركا، حيث هي التي كما يعتقده قادتها، كرست ارتقاءها الى وضع الدولة العظمى الوحيدة، التي يحق لها أن تفعل ما تشاء على المسرح الدولي من أجل حماية ما تعتبره مصالحها الأساسية. ولا أحد اعترض على ما أقدمت عليه أميركا، لا الاتحاد السوفييتي الذي كان يقضي أسابيعه الأخيرة تحت رئاسة غورباتشوف الذي كان في مرحلته السياسية النهائية، ولا الصين التي أفقدتها مجزرة ساحة «السلام السماوي» لعام 1989 سمعتها، ولا فرنسا المتوسطية المساقة وراء أفكارها حول واجباتها كعضو دائم لمجلس الأمن في الأمم المتحدة، ولا معظم الدول العربية المغلوبة على أمرها. وفي هذه الظروف كان البرهان الأميركي ـ الانتصار على صدام حسين وشل الجيش العراقي في بضعة أيام ـ بمثابة تحذير وزارة الخارجية للكرة الأرضية كافة. لكن هل دوام هذه الهيمنة على العالم صار مؤكداً الى هذا الحد ؟ هل «الامبراطورية الأخيرة» هذه مؤهلة فعلاً لأن تستمر في فرض تسلطها على العالم الى ما لا نهاية؟ ليس هناك ما يبرّر هذا الاعتقاد حقاً، حتى وان كثرت في هذه الأيام الأصوات الصاخبة في كل مكان ـ شكل من أشكال الفكر الواحد ـ القائلة بِ «ان القرن الواحد والعشرين سيكون أميركياً» وكأن حائط برلين قد رسم نهاية التاريخ. ان عالماً جديداً، على العكس، يشهد ميلاده الآن، لن يعرف على الأرجح حروباً شاملة قط حتى وان لم ينج من الصراعات الأقل حدّة التي لن تكون أقل فظاعة من صراعات الماضي. وفي هذا العالم الجديد سيكون لأميركا مكانها الذي سيكون كبيراً ومهماً بالتأكيد، بل والأول لأمد طويل أيضاً. ولكن عليها من الآن فصاعداً أن تحسب حساب قوى أخرى، المشحونة تاريخاً، والتي باتت تثبت ذاتها يوماً بعد يوم أو هي تولد من جديد، والتي لم يعد يخيفها أن تقول لها: لا ! أوروبا والصين أولاً، ثم على مدى أبعد بقليل روسيا واليابان والهند. ومن ناحية أخرى، وعلى عكس ما نسمعه في هذا الأيام في هذا الشأن فان اللغة الأنجلو-أميركية التي ينطق بها 478 مليون شخص لن تطفو على اللغات الأخرى. ففضلاً عن اللغات الأكثر انتشاراً في العالم ومن دون أن ننسى لغات أخرى لا تقل عنها حيوية كالألمانية أو الايطالية فلا أحد يتصور كيف يمكن أن تختفي يوماً لغات مثل الماندرين (975 مليون من الناطقين بها) أو الهندية (437 مليون) أو الاسبانية (392 مليون) أو الروسية (284 مليون) أو العربية (225 مليون) أو البرتغالية (184 مليون) أو الفرنسية (160 مليون تقريباً) أو اليابانية (في حدود 120 مليون). لا، لن يكون القرن الواحد والعشرون قرناً أميركياً، سوف يكون متعدد الأقطاب ومتعدد اللغات، كالقرون الماضية. واشنطن والعالم «اننا نضع ثقتنا في الله !» هكذا يقول الشعار الديني عند الأميركيين، الذي يتصدر أوراقهم المالية، الموروث عن الآباء الأوائل. بالتأكيد، ولكن هذا الشعب المقتنع بأن الله معه في كل الظروف لا شيء يمنعه من أن يفكر أيضاً بأنه لو أضاف الى ذلك كله المال الكثير لكانت الأمور عنده أفضل بكثير. فالمال مثل البندقية الجيدة، كلما كانت في متناول اليد كانت أفيد وأنفع ! فالهيمنة المعنوية والتجارية التي يتمتع بها الأميركيون، القائمة على القوة العسكرية والثقة بالنفس ليست قضية حديثة العهد، لقد شاهدناها منذ ظهور أصول الأمة الأميركية الأولى حيث ظلت هذه الهيمنة كمثل جوهرها الأساسي. فالهنود الحمر وجيرانهم الجنوبيون في ريوغراندي يعرفون هذه الحقيقة حق المعرفة منذ أمد طويل. ولكن في سنواتنا هذه فالكرة الأرضية برمتها هي التي صارت لا تطيق أميركا. فلا تزال أفكار أو بالأحرى أسطورة «أجدادنا المسافرون» تؤثر في العقلية العامة للأميركيين. فهؤلاء الكلفانيون (نسبة الى مذهب كالفن) المتزمتون الذين وصلوا الى «بليموث» في العام 1620 على متن السفينة «ماي فلاور» كانوا يرون في العالم الجديد أرض الميعاد التي ذكرتها التوراة، معتقدين أنهم الشعب المختار الذي هيّأه الله لكي ينشئ مملكته على الأرض، «مدينة على التلّة» كما جاء ذكرها في العهد القديم، في تلك الأصقاع المتوحشة التي تعرض فيها الهنود الحمر، سكانها الأصليون، للابادة بقسوة ووحشية. وكافأهم الله (أي الأميركيين) فأعطاهم الثروة ووفّقهم في ذات الوقت الى الانتصار على كل أعدائهم وخصومهم الذين لم يتصوروهم الاّ همجاً، بما فيهم الشيوعيون، على «أمبراطورية الشر» هذه التي أرهبوها باسم القيم المسيحية. وها هم قادة أميركا يعلنون بأن العلي القدير الواثق بأميركا دوماً يمنحها اليوم مهمة سامية هي وحدها الأقدر والأجدر على القيام بها ألا وهي قيادة البشرية جمعاء نحو الحرية والازدهار، على طريق الخير والفضيلة. في هذا الشأن كتب نيوتن غينغريتش رئيس الأغلبية الجمهورية بمجلس النواب سابقاً في 2 مايو 1990 بجريدة «لوموند» الفرنسية يقول: «انّ أميركا وحدها هي القادرة على قيادة العالم. فهي تظل بالفعل الحضارة الدولية والشمولية الوحيدة في تاريخ البشرية. ففي غضون ثلاثة قرون أتاح نظامنا الديمقراطي البرلماني القائم على احترام حقوق المواطن، والحريات الفردية وحرية المبادرة، أتاح أكبر قفزة اقتصادية لكل العصور. ان قيمنا متبعة في العالم أجمع وقد كانت تكنولوجيتنا التي غيرت أنماط الحياة هي العامل الأول للعولمة. وتتمركز قواتنا المسلحة اليوم في كل أنحاء المعمورة بطلب من الحكومات المضيفة، ليس بدافع السيطرة ولكن استجابةً لرغبة هذه الحكومات وشعوبها في الحرية والديمقراطية وحرية المبادرة. فأي حضارة أخرى في العالم غير أميركا أمكنها أن تحقق مثل هذه السيطرة على العالم دون قمع ؟ فأميركا هي الأمة العظمى الوحيدة ذات الأعراق المتعددة، الحريصة على الحرية التي تكفل لها الريادة. أليس من المذهل أن يتمتع هذا المجتمع بهذا القدر من الحظوظ الى جانب الارادة في التعاون المثمر في عالم غارق في الأحقاد العنصرية واراقة الدماء ؟ وان شاءت لنا الأقدار أن نختفي غداً فمن غير المرجح أن يكون لليابانيين أو الألمان أو الروس الامكانية أو القدرة على قيادة العالم. فبدون حضارة أميركية حية فسوف تسود الهمجية والتخلف الحضاري والعنف والدكتاتورية أنحاء المعمورة». لا يسعنا الا أن نقول هذا كلام رجل مغرور، مطمئن البال، لا يكدر الشك صفوه بأي حال من الأحوال. لعبة المد والجزر يشهد العالم الآن لعبة بالغة التعقيد مع النشاط العسكري والدبلوماسي للأميركيين الحريصين دوماً على أن يظلوا في المحيط الهادي، كما هو شأنهم في أوروبا والشرق الأوسط، الحكم المطلق والملاذ الأخير لكل العالم، بدفع كل الذين يسعون الى معاكسة هيمنتها الى ابطال بعضهم لمفعول البعض الآخر. الشرق الأوسط كرهان أكبر في الوقت الحالي تصبح ارادة الأميركيين في أن ينشئوا في كافة مناطق العالم الكبرى على أن يكونوا القائد الوحيد لجوقتها في كل مرة، أكثر جلاء وبداهة. ونرى هذا الحلم الميترنيخي (نسبة الى ميترنيخ) الذي بلغ منتهاه بحكم ما تعرفه المنطقة من تعقّد في الوضع ومن أهمية في الرهانات المطروحة، مجسّداً بكثير من الوضوح في كتاب وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر: «الدبلوماسية» التي يشمل نطاقها في رأي هذا الأخير، العالم أجمع ولا ينبغي أن يقف عند حدّ. ففي الشرق المعقد كما رآه الجنرال ديغول يتقدم الأميركيون أكثر من أي مكان آخر من العالم، بِ «فكرة واضحة» ألا وهي السيطرة على الوضع. فهناك مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية التي تتعدى أهميتها الهائلة كل التصورات. فحسب أحدث التقديرات سيرتفع الطلب العالمي على البترول الى 7,1% سنوياً حتى سنة 2010، ليصل الاستهلاك الى 5,93 مليون برميل يومياً. والشرق الأوسط الذي يمتلك ثلثي الاحتياطي العالمي منه هو وحده القادر على أن يؤمن في الآجال المطلوبة الزيادة في الانتاج الذي تتطلبه مثل هذه الزيادة في الطلب، لأن باقي المناطق البترولية الكبرى في العالم مثل بحر الشمال. وآسيا الوسطى وخليج غينيا في افريقيا لن تسهم الا بقسط ضئيل بحكم امتلاكها لاحتياطي أقل أو تأخرها في استغلال مناجمها النفطية، أو أيضاً بحكم رغبة أصحاب هذه الثروات في الاقتصاد فيها ـ كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة نفسها على وجه الخصوص التي ازدادت تبعيتها لممونيها في الخليج والمناطق المحيطة به وسوف تظل الى أمد بعيد. وفضلاً عن ذلك وبحكم نفس هذه الثروة البترولية التي لا مثيل لها وذات الأهمية الحيوية بالنسبة لكل الدول الصناعية الكبرى وليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة، يشكل الشرق الأوسط في الوقت الحالي أكثر مناطق العالم تعرضاً للمطامع وأكثرها تأزماً ـ منطقة تشمل استراتيجياً، جزءاً كبيراً من شرق افريقيا، من مصر الى القرن الافريقي مروراً بالسودان، وكذلك البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى. وينتج عن ذلك بطبيعة الحال أننا نجد هنا أيضاً البلدان التي تعتبر الى جانب بلدان آسيا الشرقية الأقرب عهداً، من أكبر بلدان العالم شراءً للأسلحة، بلدان تسعى الولايات المتحدة، بالطبع، في هذا المجال كما في مجالات أخرى، أن تكون أول ممونيها، في مواجهة الأوروبيين القوية (ولا سيما الفرنسيين والانجليز) وكذلك الروس الذين عادوا بعد فترة من التذبذب، بقوة كبيرة الى السوق. فحسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن صارت الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أول دولة مصدرة للسلاح في العالم، حيث وصلت مبيعاتها الى حدود 15 مليار دولار سنوياً، أي نصف مجموع المبيعات السنوية، تأتي بعدها بريطانيا العظمى (ما يقرب من 5 مليارات) ثم فرنسا (في حدود 4 مليارات) ثم روسيا (حوالي 3 مليارات). وفي الشرق الأوسط تحديداً فهي تسبق كل منافسيها بكثير، وتتمثل العربية السعودية واسرائيل ومصر أهم زبائنها، علماً بأن اسرائيل ومصر يستفيدان في مجال التسلح بقروض أميركية معتبرة ( حوالي مليارين من الدولارات للأول وما يقرب من مليار ونصف المليار دولار للثاني سنوياً). ويوضح ذلك مدى أهمية الدور الذي تلعبه الصناعة العسكرية الى جانب اللوبيات البترولية في تحديد وبلورة السياسة الخارجية للبيت الأبيض في هذه المنطقة الواسعة ذات المقومات المتعددة. فلا شك أن الولايات المتحدة الأميركية تطمح منذ سنوات عديدة في السيطرة على هذا الشرق الأوسط البالغ التعقيد الذي يأوي الكثير من مصالحها الحيوية، وبتحديد أكثر في اذلاله وتطويعه لصالحها على حساب أهم خصومهم فيه. وذلك بالعمل على تأمين أكبر قدر ممكن من التوازن على مستوى أكبر عدد من القوى المتضاربة التي تحركه، بتأجيج الخصومات والعداءات هنا أو هناك تارة، وبلعب دور وسيط السلام هنا أو هناك تارة أخرى، مع العمل دوماً على اثارة الضغائن وعلى بناء صداقات عديدة بل ومتناقضة ! مع خصومها الذين سرعان ما تنقلب ضدهم حتى وهي تعرف أنها ستلتقي بهم يوماً في مأدبة عشاء. فالشرق الأوسط الذي يتصوره الأميركيون والذي يشبه كثيراً ذلك الذي ظل شيمون بيريز يحلم به منذ اتفاقيات أوسلو سوف يتكون من بلدان يكون معظمها بل وكلها اذا أمكن صديقة لهم، بلدان يوازن بعضها البعض الآخر طالما أن قواها العسكرية والاقتصادية والدينية متكافئة الى حد كبير. وسوف تصبح اسرائيل التي سلم جيرانها في الأخير بوجودها ـ اسرائيل التي ستظل الى أمد بعيد أقوى وآمن شريك للولايات المتحدة في هذه المنطقة من العالم ـ المركز (الزلزالي) الساكن الخامد وقد أحاطت به على مدٍّ استراتيجي واسع كل من تركيا وايران والعراق وسوريا والعربية السعودية ومصر وهي الدول الرئيسية التي تراجعت كلها عن فرض هيمنتها بعضها على البعض الآخر، وعن حلمها في ازالة دولة اسرائيل. تورط غير أنّ وضع الشرق الأوسط لحد الآن، وربما لسنوات عديدة مقبلة، لم يرق الى مستوى التصور الأميركي هذا. ولذلك يقدر الأميركيون وهم يواصلون مواعظهم السلمية أن أفضل ما يمكن أن يستمروا في العمل فيه هو أن يتفرّغوا للعبتهم الكلاسيكية القائمة على مبدأ «فرق تسد»، ويخطئ من يتوهم غير ذلك. فالولايات المتحدة متوغلة في الشرق الأوسط ومرتبطة به أكثر من أي مكان آخر في العالم. وما حجم القوات العسكرية الهائلة التي تحتفظ بها منذ حرب الخليج في العربية السعودية والكويت خاصة الا دليلاً قاطعاً على ذلك التورط. واذا كان لها خصوم ألداء في المنطقة كايران والعراق وليبيا أولاً، الذين استطاعت أن تهمشهم، أو كسوريا ثانياً التي لم تثبط جهودها اليائسة في احتوائها، اصرارها على ايقاعها في شركها، فان لها أيضاً تحالفات قوية حتى وان كانت متناقضة، مع اسرائيل التي تعدّ أكبر قوة عسكرية في المنطقة (جيش متميز وقنبلة نووية)، ومع العربية السعودية ودول الخليج التي تمتلك جميعها أكبر موارد الثروة البترولية في العالم، ومع مصر وتركيا اللتين تلعبان دور حارسي الجناح في لعبتها السياسية. الواقع أن خصوم الولايات المتحدة اليوم كانوا خلال زمن طويل أفضل حلفائها. ففي العام 1955 جندت ايران والعراق في سياستها الرامية الى احتواء الاتحاد السوفييتي، عن طريق ربطهما الى جانب تركيا وباكستان بما سمي «حلف بغداد» الذي لم يكن سوى رد فعل، في هذه المنطقة من العالم، على حلف شمال الأطلسي في أوروبا الغربية وعلى منظمة معاهدة جنوب شرق آسيا التي ضمت الى جانب الولايات المتحدة نفسها، بريطانيا العظمى واستراليا ونيوزيلاندا والفليبين وتايلاند. هذا فضلاً عن القاعدة البحرية الكبيرة التي كانت قد أنشأتها في ذات الوقت في مطار هويلس بليبيا. وفي المقابل لم يظل يناصب الولايات المتحدة العداء في تلك الأثناء سوى مصر جمال عبد الناصر الذي لم تزل قدماه في فخها. ثم تغيرت الأوضاع واختلطت الأوراق منبئة بلعبة سياسية جديدة. فبعد رحيل عبد الناصر صارت مصر الرئيس أنور السادات تقترب تدريجياً من الولايات المتحدة التي رعى رئيسها كارتر بعد مرور ست سنوات على حرب أكتوبر 1973، توقيع مصر في سبتمبر 1978 و فبراير 1979، على اتفاقيات كامب ديفيد للسلام مع دولة اسرائيل. غير أنه على العكس من ذلك وكنتيجة للانقلابات التي أطاحت يوم 14 يوليو 1958 بالعائلة الهاشمية في بغداد، وبالملك ادريس في ليبيا يوم 1 سبتمبر 1969، وبشاه ايران في 16 يناير 1979، ما فتيء العراق الى أن استلم صدام حسين قيادة الدولة فيه في 1979، وليبيا العقيد القذافي، وايران الامام الخميني أن أصبحت أكثر دول العالم معارضة وعداءً لِ «الشيطان الأميركي الأكبر». وبالطبع لم تتوان هذه الدول الثلاث عن تأميم البترول على حساب الشركات الغربية ولا سيما الأميركية، التي ظلت تستثمره لحساب مصالحها العليا. البقية معروفة بعد أن أوهنت الحرب العراقية الايرانية ايران وأضعفتها لم يبق أمام واشنطن سوى اذلال العراق هو الآخر بأكثر ما يسع الاذلال، فقد كان المسئولون في واشنطن وفي غيرها يلاحظون منذ زمن بعيد تنامي قوة العراق الاقتصادية والعسكرية. فقد أصبح العراق تحت رئاسة صدام حسين بلداً عصرياً ويزخر بنخب مثقفة عديدة ولا سيما العلمية منها. وعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي لحقت به عقب حربه ضد ايران ولا سيما بمنشآته البترولية فقد ظل اقتصاده يشهد نمواً مطرداً. وكان جيشه واحداً من أقوى الجيوش في الشرق الأوسط بما يملكه من تجهيزات متطورة ولا سيما الصواريخ متوسطة المدى. وفي ذلك الوقت كان الجيش الأميركي، استعداداً للضربة الكبرى، يجري تدريبات سرية في صحاري نيفادا وأريزونا ونيو مكسيكو بينما وضع أسطوله البحري في حالة استنفار قصوى في البحر المتوسط والمحيط الهادي وكذلك المحيط الهندي. وهكذا صار الشرك الذي نصبته أميركا يتمدد شيئاً فشيئاً، وكانت دولة العراق على وشك أن تقع فيه. والبقية معروفة، فمن أجل الدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها ـ وهي مصالح معتبرة ـ قامت الولايات المتحدة التي لم تكن تنتظر سوى الوقت المناسب لاعلان الهجوم الذي كانت قد تهيأت له قبل ذلك بشهور مع سابق الاصرار والترصد، بتنظيم حملة «عاصفة الصحراء» التي كانت عبارة عن هجوم مضاد مكثف لا مثيل له منذ الحرب العالمية الثانية. ففي 16 يناير عام 1991، وبعد ستة أشهر من المحادثات الزائفة التي ظلت تراوغ فيها الخصم بلا طائل سوى ربح ما يكفيها من الوقت لكي تجمع قواها وتقذف بها الى أقرب نقطة استراتيجية، أرسلت الولايات المتحدة تحت راية الأمم المتحدة ولكن بقيادتها هي 515000 من جنودها المدجّجين بأحدث الأسلحة بعد أن هيأتهم لتلك العملية لأكثر من سنة. وقد احتمى هؤلاء الجنود، لأسباب سياسية، لأن مشاركتهم لم تكن ضرورية لتحقيق الانتصار العسكري، بعشرات الآلاف من الجنود الآخرين الذين أرسلتهم في عملية ارتجالية كبرى أعضاء تحالف من سبعة وعشرين بلداً اصطفوا وراء الولايات المتحدة. وهكذا وفي مدة لم تزد عن شهر ونصف بلغت سفينة التحالف غايتها وأدركت أميركا مأربها، وها هي اليوم تعود لتمضي بالقصة الى نهايتها.