الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 الارهاب المحض المثير للسخرية الذي يعمل على نشره وتشجيعه أشد المتعصبين القوميين في الولايات المتحدة ما هو إلا دليل إضافي على أنه في بعض المناسبات، يستحق أن يسمى «الولايات المتحدة لفقدان الذاكرة». إذ يمكن التأكيد أن الولايات المتحدة عملياً ما كانت لتوجد بدون فرنسا ولعله بدون دعم الملكية الفرنسية، لما كسبت واشنطن ورجالها حرب الاستقلال. فالمؤكد هو أنهم كسبوها بفضل المساعدة الجبارة التي قدمتها لهم فرنسا، ومنذ عام 1776 قدم بنيامين فرانكلن نفسه كسفير للثورة في البلاط الفرنسي (لافتا الانتباه من خلال البساطة الجمهورية لأبهته وسرعته وحيوية ذكائه). وفي تلك السنة ذاتها أذن لويس السادس عشر بتقديم هدية من الذخائر قيمتها مليون ليرة لجيوش جورج واشنطن.المساعدة الفرنسية أنقذت واشنطن خلال شتاء عام 1777 القارس عندما استلمت القوات الثورية مجدداً المساعدة المنقذة الفرنسية بينما كانت محاصرة في «مورستاون» ومترنحة تحت وطأة الفرار من الجندية. في عام 1778، تم توقيع معاهدة الصداقة والتجارة بين فرنسا والمستعمرة المتمردة في شمال أميركا، وتضمنت هذه المعاهدة بند الأمة المحظية وأجبرت فرنسا على الحفاظ على استقلال الولايات المتحدة الأميركية. ولقد تدخل العديد من الرتب الرفيعة من الجيش الفرنسي وبشكل مباشر لصالح واشنطن ومتمرديها. وكان شارلز هيكتور ديستان الجد الاعلى للرئيس المستقبلي فاليري جسكار ديستان على رأس الأسطول الفرنسي الأول الذي أرسل لحصار البريطانيين في ميناء نيويورك عام 1778. وانضم المركيز لافاييت من الوجهة الادبية بمسدساته، الى القوات الثورية وسمي عام 1777 (كما سمي لاحقا في كوبا الارجنتيني ارنستو تشي جيفار) قائدا للثورة. وفي عام 1776، كان لافاييت هو من أقنع لويس السادس عشر بإرسال جيش من ستة آلاف رجل للقتال الى جانب واشنطن. إلى ذلك، ما كان من الممكن تصور نهاية حرب الاستقلال في الولايات المتحدة بدون التدخل الحاسم للأسلحة الفرنسية.ففي عام 1780، عبأ الاسطول الفرنسي بقيادة أمير البحر غراس الجيش الانجليزي في زجاجات في فرجينيا، مغلقا أمامهم إمكانية الهرب عبر البحر، وموازاة ذلك قبض الكونت روشيمبيو وقواته الفرنسية على القائد الانجليزية كورنيليوس في فرجينيا ايضا. وبالتالي يمكن القول أن حصار الأسطول البحري الفرنسي ودعم جيش جورج واشنطن الثوري دمغا مصير إنجلترا في ثلاث مستعمرات. وكان على الجنرال كورنيليوس أن يستسلم في شهر اكتوبر عام 1780، متمماً بذلك استقلال الولايات المتحدة الأميركية. ولا ننسى أن الجنرال جون بيرشنج، قائد القوات الأميركية في الحرب العالمية الأولى، قد بادر إلى الانحناء أمام قبر البطل الفرنسي في الثورة الأميركية وقال: ـ لا فاييت، نحن هنا! لكن الجنرال بيرشنج كان لديه إحساس بالشرف العسكري والامتنان الوطني، يفتقر إليهما بصورة كاملة وزير الدفاع الدموي في حكومة بوش، دونالد رامسفيلد، وأن يكون رامسفيلد بالذات هو أول من كرس تحالف الولايات المتحدة مع صدام حسين عام 1983، مزوداً إياه بأسلحة التدمير الشامل التي تؤرق اليوم مصاص دماء البنتاغون، فذلك دليل آخر لحقيقة مزدوجة. فالولايات المتحدة هي دكتور فرانكنشتاين العالم الحديث ومتخصصة في ايجاد مسوخ خاصين بها يتحولون في آخر الأمر ضد مبدعيهم، وصدام في العراق وبن لادن في أفغانستان هما أبناء سياسة خارجية مطلقة ومأجورة ومتناقضة لأمة تستطيع عندما تريد أن تكون شريفة وبراغماتية في الوقت نفسه. أما بيل كلينتون، فلقد أدى التزاماته المحتومة كرئيس للقوة العظمى برصانة وقدرة تفاوضية واستدعائية لتحالف بعيدة بصورة كاملة عن الفضيحة المدوية «معنا أو ضدنا» و«محور الشر» لليمين المسيحي التي حدثت في البيت الأبيض. وأنا متأكد لو أن الأمر يعود إلى كلينتون وغور لكانا ركزا جهود الأمة، بعد الـ 11 سبتمبر، على محاربة الارهاب، الذي يعد عدواً غير اعتيادي وبالتالي لا يمكن محاربته بشكل اعتيادي، بدل تشتيت الجهد والتضحية بالتضامن العالمي في حرب ضد العراق. إن بوش وجماعته سوف يحولون العالم، بأعمالهم السوداوية والمدمرة للنظام العالمي، إلى منبت للارهابيين، فلقد اصبح لدى بن لادن اليوم، بفضل عمى الحكومة الحالية في الولايات المتحدة، جيش من الارهابيين الكامنين، الذين لن يعتمدوا بعد على قمع صدام حسين المناهض للأصولية. لكن من نافل القول أن الأخطر من كل ذلك هو تكريس مبدأ الهجوم الوقائي من جانب البيت الأبيض فالحرب الباردة لم تعد إلى سخونتها بفضل سيادة مبدأ قوة الردع. وبإزاحة هذا المبدأ وحلول مبدأ حرية استخدام القوة مكانه، فإن كل أمة مناهضة لأخرى تستطيع أن تشعر بأنه مصرح لها بتوجيه الضربة الأولى، أما المثال الأكبر على الهجوم الاستباقي فلقد شنته اليابان في السابع من شهر ديسمبر عام 1941 في بيرل هاربر «يوم سوف يعيش في العار»، كما قال حينها أكبر رئيس أميركي في القرن العشرين، فرانكلن روسفيلت، لكن هل سوف يصبح الهجوم على العراق يوم عار آخر؟ أنا لا أعرف ذلك، لكن إذا لم يلحق العار، فهو سيكون يوماً خطيراً، ومالم يوحد المجتمع الدولي الجهود لإنشاء نظام عالمي متين للقرن الواحد والعشرين، فإننا سنجد أنفسنا نواجه الأزمة تلو أخرى وصولاً إلى هاوية إسمها «القيامة النووية». بسبب كل ذلك نقول أن الثبات الحكيم الذي أبدته فرنسا ورئيسها جاك شيراك ووزير خارجيته دومينيك دوفيلبان، لا تقدم خدمة للعالم وحسب، بل إنه يفعل ذلك للولايات المتحدة نفسها، كاشفاً المنظور الفاسد لنظام عالمي قائم على القانون. وللأسف أن الحكومة الأميركية، الفاقدة لذاكرتها والرعناء والجاحدة، لا تفهم هذه الأسباب ذلك أن متطرفي الشمال يعتقدون أنهم يهينون فرنسا ـ بشكل مضحك ـ بتغيير اسم البطاطا المقلية من ـ فرنش فرايز ـ إلى بطاطا حرة ـ فريدم فرايز ـ وربما يتخلون عن شرب مياه «إيفيان» لبعض الوقت والشمانيا لوقت أقصر. لكن بمجرد دخول خليج نيويورك، فإن تمثال الحرية ـ هدية فرنسا للولايات المتحدة ـ يذكر الأميركيين بأنه إذا كانوا يعتقدون بأنهم أنقذوا فرنسا في حربين عالميتين فإن فرنسا لم تنقذهم وحسب، بل ساعدت بشكل حاسم على إنشاء الولايات المتحدة الأميركية. ترجمة: باسل أبوحمدة خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»