الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 سيحرص الجنرال غاي غارنر، بصفته رجلا عسكريا، على ان تكون حقيبته قد اعدت منذ بعض الوقت، ففي اي يوم سيضع فيها فرشاة اسنانه متوجها الى بغداد، وبحسب وسائل الاعلام، فان غارنر تنتظره العديد من الالقاب، فقبل ان تمضي فترة طويلة، سيكون كما يمليه تفضيلك، ملكا او وصيا على العرش او نائبا للملك او حاكما اداريا او رئيسا معينا على العراق. غير ان لقبه الرسمي يعتبر اكثر واقعية فهو يشغل منصب مدير المكتب الجديد لاعادة البناء والمساعدة الانسانية للعراق التابع للبنتاغون وحالما تتم السيطرة للقوات التي تقودها الولايات المتحدة على بغداد، فان غارنر سيدخلها بصفته الرجل المسئول عن اعادة بناء البلاد وحتى يتم اختيار قائد جديد للعراق، فانه سيحكم 24 مليون عراقي. وخلال الاسابيع القليلة الماضية، استكان غارنر وفريقه، بأقنعتهم المخصصة للحماية من الغاز في فندق يقع على شاطيء البحر بمدينة الكويت، ولكنه كان يقوم بمهامه المتمثلة بالتخطيط منذ يناير الماضي عندما استدعاه، وهو الجندي السابق البالغ من العمر 64 عاما، الرئيس بوش من منزله التقاعدي المريح في منطقة راقية تقع على البحيرات الى الشمال من مدينة عالم ديزني في غابات فلوريدا على بعد ميل فقط من مكان سكنى تايجر وودز. ومن ناحية شكلية فانه يعتبر ترشيحا جيدا، ففي آخر مرة كان غارنر في العراق، لم يرغب البعض بمغادرته، وقبل اثني عشر عاما، وبعد حرب الخليج السابقة، تولى مهمة تقديم الغذاء والحماية للاجئين الاكراد في شمال العراق، وبعد ثلاثة اشهر، وعندما حان وقت الرحيل، كان غارنر آخر رجل يعبر النهر الى تركيا بعد مراقبة انزال العلم الاميركي ـ اوقف آلاف الاكراد العراقيين عملية الانسحاب لبعض الوقت. فقد رفعه اللاجئون على اكتافهم كأحد الابطال الرياضيين وفي واشنطن هناك صور مرسومة باقلام اطفال اكراد معلقة بأطر مرتبة على جدران مكتبه. لقد كان جيدا في امور تتعدى الجوانب العملية لمهمته فقد نجح غارنر في استمالة الالاف من الاكراد واستعادتهم من الجبال عندما فروا للنجاة من صدام وواجه بجسارة مجموعات من المقاتلين الاكراد، وتمكن من الخلاص من عدد من المواقف الحرجة واطلق يد الخبراء لكي يقوموا بعملهم، وهو «رجل المهمات الصعبة» حسب كلام احد زملائه الجنرالات المتقاعدين ويدعى تيد ستروب، والذي عمل مع غارنر طوال عقود. وقال رئيس وكالة الانماء في الأمم المتحدة، مارك مالوتش براون: «إنه اداري عالي الكفاءة وشخص مختص في الشئون اللوجستية». سيحتاج الى ان يكون كذلك. فغارنر مقدم على ما وصفه البعض بـ «اصعب مهمة على وجه الارض». فهو لن يقوم فقط بتوزيع الغذاء والدواء وتوفير المأوى لاعداد كبيرة من العائلات المشردة. وسيكون هناك منازل ومدارس ومكاتب وبدالات للهاتف يتعين اعادة بنائها. ولكن الأكثر من ذلك هو انه سيكون مسئولا عن تطهير الدولة من انصار حزب البعث على جميع المستويات وافساح المجال للديمقراطية. وسيفعل ذلك تحت ضغط من سياسيي العالم وعمال الاغاثة ومجموعة واسعة من الجماعات المحلية والمغتربين، وجميعهم لديه اجندة مختلفة بشكل كبير. وهو، وفق كافة المعايير، عمل كبير. ولزيادة تعقيد الأمور، يتضح ان غاي غارنر شخصية مثيرة للجدلة من نواح عديدة. أولاً مكانته كتاجر سلاح، وكشخص قامت شركته بتزويد التقنية العسكرية المسئولة عن تدمير البلاد التي سيعيد بناءها. فقد كشف تحقيق أجرته صحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل» قبل شهرين عن ان الجنرال السابق ـ وصديق دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي المشاكس ـ كان حتى تولى منصبه الجديد، رئيسا لشركة المقاولات العسكرية ساي كولمان، المتخصصة بأنظمة الصواريخ. وهذه الانظمة تتضمن صواريخ الباتريوت التي استخدمت بكثافة في العراق ونظام أرو الدفاعي، الذي تم نشره في اسرائيل. اما الصلة اليهودية، فسنأتي لها لاحقاً. ظهر خلاف في الولايات المتحدة وعلى الصعيد العالمي، وكان من القوة بحيث ان البنتاغون اضطر الى اصدار بيان يقول فيه ان هذا الخلاف لا يشكل تضاربا في المصالح. ومما زاد من احراج الموقف هو أنه جاء بعد ان اضطر صقر آخر من صقور بوش هو ريتشارد بيرل الى الاستقالة من منصبه كرئيس للجنة دفاعية رئيسية على خلفية مصالح تتعلق بنشاط الاعمال. قد يذهب البعض الى القول ان منتقديه يفرطون في الاعتقاد بنظرية المؤامرة. ففي نهاية المطاف، أليست الصناعة العسكرية هي المكان الواضح لجنرال متقاعد يبحث عن وظيفة؟ فحتى تقاعده قبل خمسة أعوام، كان غاي غارنر جنديا لمدة 38 عاما. وقد انضم الى الجيش الاميركي في بداية الستينيات وخدم مرتين في فيتنام. واصبح مختصا في الارهاب والانظمة الصاروخية، وكان رائدا في مجال استخدام اجندة الليزر في ساحة المعركة وتنبأ بان القادة الوطنيين سيقومون في يوم من الايام مع ان هذا اليوم لم يأت بعد ـ بخوض حروب افتراضية قبل ان يقرروا الذهاب الى الحرب من عدمه. وفي حرب الخليج الأولى كان عمله هو نشر صواريخ باتريوت لحماية الاسرائيليين من صواريخ سكود العراقية. وابلغ الكونغرس المتشكك بعد ذلك ان صاروخ الباتريوت كان فعالاً، مع ان المسئولين الدفاعيين اعتبروه فيما بعد عديم القيمة. (صواريخ الباتريوت المستخدمة في الحرب الحالية تم تحسينها كثيراً). ولكن غارنر خرج من هذه الورطة ليتولى منصب القائد العام لقيادة الفضاء والدفاع الاستراتيجي التابعة للجيش، وهي جزء من برنامج حرب النجوم الذي بدأه الرئيس رونالد ريغان ـ وتمكن بنجاح من السير على خط رفيع بين مؤيدي حرب النجوم الجمهوريين في الكونغرس ورؤسائه المتشككين في ادارة كلينتون. وفي وقت لاحق، وبصفته مساعدا لنائب رئيس الاركان، كان الشخص المرشح بانتظام من الجيش في معارك الموازنة القاسية في اواخر التسعينيات. ويتذكر الميجور جنرال روبرت سكيلز، المتقاعد حاليا، والذي عمل لصالح غارنر: «كنا جميعا نسند ظهورنا الى الحائط. وكان هو عنيداً، ولكن لم يكن هناك أي ازدواجية في اي شيء فعله في حياته». وبعد تقاعده في عام 1997 برتبة ليفتنانت جنرال، ظل لاعبا مهما بانضمامه الى شركة ساي كولمان وعمله في لجنة رئاسية حول الفضاء والتهديدات الصاروخية والتي كان يرأسها دونالد رامسفيلد. وظل مفكراً تقدمياً. وفي اعقاب 11 سبتمبر، دعا الى اعادة تنظيم قوات الاحتياط لكي تتمكن الشرطة العسكرية والفرق الطبية وفرق المختصين الاخرى من التعامل بشكل افضل مع عواقب الهجمات الارهابية.و اراد ايضا ان يتم توظيف المزيد من العملاء السريين لكي يخترقوا الدوائر الداخلية للمنظمات الارهابية. وكان غارنر قد صرح بقوله: «مالم نعد الى الحرب العالمية الثانية حيث لم نكن نأبه لمن نقتله، يتعين على الجنود وقوات المارينز ان تتلقى تدريبا بصورة مكثفة وموسعة على المهارات الخفية والخطرة المتعلقة بالعثور على الارهابيين الذين قد يلحقون الاذى بأميركا وقتلهم».ويقول منتقدوه ان خلفيته تجعله غير ملائم لعمل يتعلق بتسوية خلافات ما بعد الحرب. وان اعطاء مقاول عسكري، مسئول جزئياً عن التدمير، التفويض باعادة البناء وتقديم المعونة الانسانية يبدو خياراً تعوزه الحساسية على اقل تقدير، وقال البروفيسور ديفيد كيرب، وهو اختصاصي في اخلاقيات الاعمال في مدرسة غولدمان للسياسة العامة في بيركلي: ان هذا مثال جيد على عدم مبالاتنا ازاء شعب العراق. وهذا ينم بحق عن غياب التفكير الجدّي من جانب الادارة». وهذه ليست هي المشكلة الوحيدة. ففي عام 2000 ذهب الجنرال غارنر فيما بدا انه رحلة مجانية الى اسرائيل استغرقت 10 ايام وكانت بتنظيم من المعهد اليهودي لشئون الامن القومي، وهي مؤسسة تسعى الى «اطلاع الاوساط الدفاعية الاميركية والشئون الخارجية على الدور المهم الذي تلعبه اسرائيل وتستطيع لعبه في تعزيز المصالح الديمقراطية في الشرق الاوسط». ولجعل الامور اكثر سوءاً، دعم غارنر في حينه بيانا صادرا عن مجموعة من الاشخاص يشيد بالجيش الاسرائيلي لإبدائه ما وصفه بضبط النفس الكبير في التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية. وجاء في البيان ان «وجود اسرائيل قوية هو ميزة يمكن للمخططين العسكريين الاميركيين والقادة السياسيين ان يعتمدوا عليها». ويقول انصار غارنر ان الجنرال لا يشارك الصقور المتشددين الآخرين الذين يديرون البنتاغون الآن آراءهم اليمينية المتشددة، ومن بينهم بيرل ورامسفيلد ودونالد وولفوويتز وديك تشيني، نائب الرئيس بوش. ولكن الكثيرين يعتبرونه مذنباً من خلال علاقته بهم. وهم يقولون ان صوته كان صوتاً رئيسياً في السياسات الدفاعية المثيرة للجدل مثل تقويض المعاهدة المضادة للصواريخ الباليستية الموقعة في عام 1972، وانه سيطبق بسرور ما يتوقع ان يكون اول القرارات لحكومة عراقية جديدة وهو الاعتراف بدولة اسرائيل. الامر غير الواضح هو اين يقف غارنر في الخلاف الدائر بين وزارة الخارجية الاميركية والبنتاغون حول من سيدير العراق بعد الحرب، فوزير الخارجية كولن باول يريد من ادارة الجيش الاميركي ان تفسح المجال، بأسرع وقت ممكن، للامم المتحدة، اما دونالد رامسفيلد فيريد الاحتفاظ بالسيطرة الاميركية كجزء من خطة اوسع لاعادة تشكيل الخريطة السياسية للشرق الاوسط وفق المصالح الاميركية، وشعاره هو دور للامم المتحدة، ولكن ليس حكماً للأمم المتحدة، واحدى ساحات المعارك لهذا النزاع تتمثل في تشكيلة طاقم غارنر. لقد شكلت وزارة الخارجية فريقاً مؤلفاً من ثمانية اشخاص للمساعدة في ادارة الوزارات ال- 23 الخاضعة لسيطرة غارنر، ورامسفيلد رفض القائمة، قائلاً ان الافراد ذوو «مستوى منخفض جداً وبيروقراطيون». اما الاشخاص الثمانية الذين اخضعهم غارنر لاجراءات امنية وتدريبية استعداداً للمغادرة الى الكويت الاسبوع الماضي، ابلغوا في اللحظة الاخيرة بـ «الانسحاب». فرامسفيلد يريد ان يعين بدلاً منهم متشددين من امثال المدير السابق لوكالة الاستخبارات الاميركية «السي. آي. إيه» جيمس وولسي، وقد وضع بالفعل احد المخلصين له، وهو مساعد وزير الدفاع دوغلاس فيث، كنائب لغارنر مع ان غارنر قد عين بشكل ناجح على ما يبدو ـ وبشكل خيب آمال المحافظين الجدد ـ بعضاً من مسئولي وزارة الخارجية من غير الصقور في مناصب متدنية في مكتبه.والآن يدور الصراع حول اي من المستشارين العراقيين سيتم تعيينه. البنتاغون يدفع باتجاه تعيين احمد الجلبي، وهو مصرفي سابق تعلم في اميركا ومدان باحتيال في الاردن، وهو رئيس المؤتمر الوطني العراقي المثير للجدل في المنفى. ويرى رامسفيلد ورفاقه فيه شخصية معروفة وانه سيكون طيعاً في عملية خلط اقليمية طموحة للتحالفات مع بروز العراق كدعامة للسياسة الاميركية في المنطقة. اما موقف وزارة الخارجية فهو ان الجلبي لن يكون شخصاً مرحباً به في العديد من دول الشرق الاوسط. وبحسب صحيفة «لوس انغلوس تايمز» فإن التشاحن حول المخطط والاشخاص يقال انه احبط غارنر الى درجة انه ابلغ بعض مساعديه بأنه فكر بالانسحاب. وفي هذه الاثناء، يلتزم غارنر نفسه الصمت حتى ان صحيفة «نيويورك تايمز» وصفت عمليته بأنها «سرية بصورة مستحوذة» ويبدو الآن انه لن يمضي وقت طويل قبل ان تضطره الاحداث الى كشف اوراقه على الطاولة. ترجمة: ضرار عمير عن «اندبندنت»