الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 في نهاية الاسبوع عاد محمود عباس (أبو مازن) الى منزله في رام الله بعد ان مكث فترة اسبوع في غزة، حيث أجرى مشاورات ومباحثات، حول الحكومة الفلسطينية الجديدة التي سيترأسها. أبو مازن سيعلن عن هذه الحكومة بعد ايام قلائل، ولكن من المحتمل ان يطلب تأجيل ذلك. الحرب في العراق تثقل عليه. أبو مازن يعتبر نصيرا للاميركيين وقد دعي حتى لزيارة واشنطن. صحيح انه لم يتحدد تاريخ للزيارة الا ان المشاعر المناهضة لاميركا تتزايد في اوساط الفلسطينيين وهناك مظاهرات تنظم ضد الحرب، ولذلك من المريح له الآن ان يؤجل كل الخطوات الى ان تتضح نتائج الحرب. أي حكومة هذه التي سيشكلها أبو مازن؟ ممثلو حركة فتح، التي هي حزب السلطة، سيكونون بالطبع في مركز الحكومة، وفتح تتمتع باغلبية في المجلس التشريعي كما هو معروف. وممثلو المعارضة من حماس والجهاد والجبهات اليسارية الذين قابلهم أبو مازن في الاسبوع الماضي في غزة، أعلموه انهم لا يريدون الانضمام للحكومة. وهكذا لا يتبقى أمام أبو مازن الا حلفاؤه الائتلافيون الصغار: ثلاثة احزاب يوجد لكل منها ممثل في الحكومة الحالية. هذه الاحزاب اختارت ممثليها في الاسبوع الماضي. «حزب الشعب» انتخب غسان الخطيب وزير العمل في الحكومة الحالية. «جبهة النضال الشعبي» اختارت احمد مجدلاوي عضو قيادة الحزب. وحركة «فدا» اختارت زهيرة كمال الناشطة من اجل رفع مكانة المرأة. ممثل «فدا» السابق في المجلس الوزاري كان وزير الاعلام ياسر عبد ربه الذي هو منذ سنوات مقربا من ياسر عرفات. عرفات أشرك عبد ربه في كل المشاورات الداخلية ومكانته البارزة أثارت حفيظة الكثيرين. قادة فتح اغتاظوا جدا واشتكوا كثيرا عن سبب تفضيل عرفات عليهم لشخص ليس من حركة فتح. مؤسسات حركة فتح العليا ستضطر لاجراء مداولات واختيار ممثلين عنهم في الحكومة. عرفات وأبو مازن سيشاركان في هذه المداولات طبعا والتي تهدف في جوهرها الى ايجاد توازن بين المجموعات المختلفة وتمثيل قطاع غزة والمحافظات في الضفة: نابلس والخليل وجنين وطولكرم. كما يتوجب إيلاء الاهتمام لمجموعات الضغط في قيادة حركة فتح ولممثلي المخيمات وللأقلية المسيحية، والأهم من كل ذلك يتوجب ايجاد توازن بين الموالين لعرفات والموالين لأبو مازن. أبو مازن محسوب أكثر من أي فلسطيني آخر على اتفاق اوسلو. والجميع يتوقعون منه ان يواصل عملية السلام وفقا لصيغة اوسلو وان يكبح ما يطلق عليه هو «عسكرة الانتفاضة». وهو يتحدث منذ أكثر من سنة على انه يحظر على الفلسطينيين ان يستخدموا الوسائل العسكرية في الانتفاضة وانه يتوجب ايقاف العمليات ببساطة خاصة تلك التي تنفذ داخل اسرائيل. الشخص الذي سيكلف عمليا بايقاف العمليات سيكون محمد دحلان الذي كان رئيسا للامن الوقائي في السابق وراكم لنفسه قوة كبيرة في اجهزة السلطة. وبين دحلان وأبو مازن ظهر قبل سنوات خلاف بعد ان أخفق الوفد التفاوضي الفلسطيني مع حكومة نتانياهو في اطلاق سراح قدر كبير من السجناء الامنيين. بعد ذلك تصالح الاثنان خاصة على خلفية التوتر الناشيء في السنة الاخيرة بين دحلان وعرفات. فدحلان أمل ان يعينه عرفات وزيرا للداخلية، الا ان هذا الأخير فضل هاني الحسن عليه في حينه. محمد دحلان يعتبر محببا على الاميركيين وذا صلات مع اجهزة الاستخبارات الاميركية ولديه تجربة في معالجة اعضاء حماس في غزة خلال السنوات السابقة. والآن يتحدثون عن تعيينه كوزير للداخلية في الحكومة الجديدة حيث يعتبر خوف أبو مازن الأكبر الا يقدم عرفات لكليهما المساعدة. عرفات شهير بمناوراته السياسية، وقد أرسل اشخاصا في مهمات مختلفة في مرات عديدة، فاذا نجحوا فانه سيتمتع بنجاحهم، أما اذا فشلوا فهم من يدفع الثمن. المحللون الفلسطينيون يوردون أمثلة على هذه المناورات خلال سنوات عملية السلام. ففي مطلع الثمانينيات أرسل عرفات الدكتور عصام سرطاوي لاجراء اتصالات مع الاسرائيليين. الاتصالات لم تنجح والنتيجة كانت قتل السرطاوي (في عام 1983 في البرتغال). وبعد ذلك بعشر سنوات أرسل أبو مازن وأبو العلاء الى اوسلو. الاتصالات نجحت فحظي عرفات بجائزة نوبل للسلام. ماذا سيحدث الآن؟ مهمة أبو مازن ودحلان في ايقاف العمليات هي مهمة صعبة ومعقدة. وعرفات سينتظر ويشاهد، فاذا نجحا فانه سيحال التمتع بذلك واستعادة جزء من شرعيته الدولية الضائعة. أما اذا فشلا فانهما سيقومان بدفع الثمن. الجمهور الفلسطيني يعتقد ان لا فرصة أمامهما للنجاح طالما كان شارون على رأس الحكومة الاسرائيلية. وزد على ذلك ان حرب العراق قد تتعقد والعداء لاميركا عند الفلسطينيين سيزداد، وبذلك سيكون أبو مازن ودحلان ضحية لذلك. أما عرفات فسيخرج نظيف اليدين. وفي الأروقة الفلسطينية يتحدثون عن تغيير ثلاثة ـ اربعة وزراء عدا عن تعيين دحلان، وانه سيبقي الآخرون في مناصبهم. تغيير هذا العدد القليل يهدف الى ابراز الحكومة كحكومة واعدة مع عدم إغاظة عرفات. ومعنى ذلك اننا سنرى في حكومة أبو مازن اشخاصا مثل نبيل شعث وانتصار الوزير وصائب عريقات. الكثيرون يثنون على سلام فياض ولذلك سيبقى هو الآخر في منصبه على الأغلب. حقيبة وزارة العدل مثيرة للخلاف وقد كانت حتى الآن بيد الغزاويين. أبو مازن التقى مع عدد من المرشحين للمنصب في غزة، الا انه لم يقرر بعد. المقربون منه يقولون ان لديه رغبة قوية في إحداث تغييرات واحراز النجاح، الا ان الامر منوط كثيرا بالمقابل الذي سيحصل عليه. نجاحه في مسعاه يتطلب قيام اسرائيل بايقاف الحصار والاجتياحات وان تبدأ اميركا بتطبيق خريطة الطرق. ومن دون هذا المقابل لا تملك حكومة أبو مازن احتمالية للنجاح، كما يقول المقربون منه. عن «هآرتس»