الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 قبل فترة تعدّ بالأشهر، وليس بالسنوات، كانت أغلبية المحللين والمراقبين السياسيين الفرنسيين ترى ان المغامرة السياسية لجاك شيراك على وشك ان تصل الى نهايتها، لكنه ها هو يبدو اليوم أحد أكثر رؤساء الجمهورية الفرنسيين قوة وسلطة، إذ منذ عهد الجنرال شارل ديغول لم يلعب أحد دوراً حاسماً مثل الدور الذي لعبه على المسرح الدولي، بل لقد بدا بمثابة الرئيس الوحيد في العالم الذي استطاع أن يحتج ويعارض بالقوة والحزم ذاتهما إرادة القوة الأميركية الجبارة. لقد عرف جاك شيراك كيف ينتفض باستمرار من «رماده» ويعود أكثر قوة وأشد بأساً في وجه خصومه. هنا نلقي نظرة على محاولة المؤلفين الكشف عن الطبيعة الحقيقية للرئيس الفرنسي وأسرارها. حصل الرئيس جاك شيراك في الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية عام 2002 على أكثر من 82% من أصوات الناخبين، أي ما يعادل 25537956 صوتاً، كان أصحابها قد اختاروا البطاقة التي تحمل اسمه ووضعوها في صناديق الاقتراع. كان ذلك بمثابة انتصار كبير لم يحصل عليه الجنرال شارل ديغول نفسه، أي الاب الروحي لجاك شيراك ومؤسس التيار الديغولي الذي يشكل أحد أقوى التعبيرات السياسية الفرنسية منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن. وكان الانتصار كبيراً ايضاً بسبب حالة التشاؤم التي عرفتها الفترة الرئاسية الأولى منذ قرار الرئيس شيراك حل الجمعية الوطنية الفرنسية في أواسط عام 1997 ووصول أغلبية يسارية الى قبة البرلمان، وبالتالي وصول حكومة يسارية تزعمها لمدة خمس سنوات ليونيل جوسبان. لقد تحول الرئيس جاك شيراك الى بطل ديمقراطي عندما أقصى جان ماري لوبن زعيم اليمين المتطرف الفرنسي الذي كان منافسه في الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية. لكنه تحول الى «بطل وطني» عرف كيف يعطي لفرنسا دوراً مركزياً في العالم ويكرّس موقعه وأحد أهم رجال السياسة على المسرح الدولي وهذا كله من خلال الموقف المتفرد والشجاع الذي تبناه حيال الأزمة العراقية والتي انتهت الى الحرب ضد العراق.لقد عرف جاك شيراك كيف يفرض على الجميع لعبة دبلوماسية دقيقة في مواجهة المواقف المتشددة التي اتخذها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش. وبدا ان فرنسا تتخذ موقفاً سيادياً متفرداً لم تعرفه منذ زمن الجنرال شارل ديغول مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1958 والذي كان قد أخرج بلاده عام 1965 من البنى العسكرية للحلف الأطلسي للتأكيد على استقلالية الصوت الفرنسي، وهذا ما فعله جاك شيراك الى حد كبير. البعد الملحمي إن موقف الرئيس جاك شيراك حيال الأزمة العراقية ورفضه الكامل للانسياق وراء ارادة الحرب التي أبدتها الادارة الأميركية كان بمثابة تجسد لـ «معركة السلام» على الرغم من انه لم يستطع ان يمنع الحرب، وفي الوقت نفسه جسّد شيراك التأكيد على القيم الجمهورية من «حرية ومساواة واخاء» أي الشعارات التي كانت الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 قد رفعتها، وأعطى فرنسا صوتها العالي والقوي ضد التفرقة والتطرف، في الوقت الذي كان الآخرون مرغمين على الاستماع بل على الانصياع، وقد اقترب موقفه من البعد الملحمي على الرغم مما يتملكه من حس عملي، وعلى الرغم من انه كان يرى بأن الملاحم هي لشخصيات في التاريخ من أمثال جنكيز خان وايضاً للفاتحين في الأزمنة البطولية. لكن نشوة الانتصار لا تلغي هموم الحكم ومشاغله، وقد بدا ان الحملة الانتخابية القاسية التي كان عليه ان يخوضها قد أيقظت كل طاقاته الحيوية بحيث انه غدا أكثر شباباً، كما علق عليه آنذاك العديد من المراقبين. كان الفرنسيون قد رفعوه الى أرفع ما تصل اليه أحلامهم بحيث انه أصبح لم يعد يلامس الأرض، لكنه مع ذلك كان يتقدم مع ادراكه العميق بأنه يحمل على كتفيه وعلى رأسه مسئوليات كبيرة، فـ «تاج فرنسا ثقيل ويشحذ الطموحات». وقد كان الرئيس الفرنسي يرى ان عليه مهمة ينبغي تأديتها، كان هو نفسه الذي استخدم تعبير «مهمة» وهي أن يصالح الفرنسيين فيما بينهم، فهو رئيس للفرنسيين كلهم وليس لهذا الحزب أو ذاك أو لهذا المعسكر والمعسكر الآخر، وان يحميهم ويحبهم، وان يتحمل الوزر الكبير لخطاياهم.. كان ذلك هو الخطاب الذي يعلنه الى هذه الدرجة أو تلك، بينما كان لا ينسى في الوقت نفسه بأن هناك شروراً أخرى تنبغي محاربتها، ذلك ان القائد الحربي شيراك لا يدع أطماع الوقائع السياسية تغيب عن عينيه. وعشية انتخابه رئيساً للجمهورية لفترة رئاسية ثانية ثار غضباً ضد قادة اليمين لعدم تحضير الانتخابات التشريعية التي كانت ستجرى بعد أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية، وقال بحنق: «ليس هناك ما يكفي من النساء المرشحات، وأي معلمة ابتدائية اشتراكية سوف تفوز ضد هذه الأحصنة المترهلة العائدة من مرشحي اليمين، الذين كانوا قد انهزموا في انتخابات 1997 التشريعية، ينبغي أن نجدد كي نفوز». لم يكن يكفيه إذن ذلك الفوز الجمهوري العظيم الذي حققه على جان ماري لوبن وان يكون الى جانبه ايضاً مجلس شيوخ يميني وأغلبية ممثلي المناطق والمحافظات والمدن الكبرى، وايضاً المجلس الدستوري والمجلس الأعلى للقطاع السمعي ـ البصري. لقد كان يطمح بكل السلطة وبكل سلطاتها الفرعية، وبالتالي لابد من الحصول على أغلبية كبيرة في الجمعية الوطنية الفرنسية. تجدر الاشارة هنا الى انه يوجد في فرنسا مجلسان منتخبان يشكلان البرلمان، هما الجمعية الوطنية الفرنسية (النواب) ومجلس الشيوخ. وقد كان يرى في الوقت نفسه ان خصماً طريح الأرض على ساحة المعركة، ولكنه غير ميت تماماً يمكن ان يشكل خطراً، من هنا لم يقبل ان يستهين أنصاره بمعسكر اليسار. وبأنه قد أصبح خارج السباق في أفق الانتخابات التشريعية. كان يخشى بأن «الهبّة» التي عرضها الشارع الفرنسي ضد لوبن ان تنعش ذلك اليسار الذي يمكن ان يستفيد ايضاً من الاخطاء التي قد يرتكبها اليمين. لاشك بأن اليسار كان فقد بوصلة التوجه، لكنه كان لا يزال يتحرك. وكان الرئيس يردد في تحليلاته بأن الحزب الاشتراكي قد خسر كثيراً بالفعل، وربما ان ايديولوجيته نفسها قد أصابها الصدأ، ولكنه احتفظ بجذوره، وبأن له ماضياً قوياً وتاريخاً غنياً، وان قواه متفرقة الآن. وبالتالي ليس من المستحيل ان يستعيد بعد قدراته القتالية ويمنع وصول أغلبية يمينية مطلقة الى الجمعية الوطنية الفرنسية. وفضلاً عن ذلك هناك تجربة عام 1988 حيث ان الرئيس فرانسوا ميتران الذي كان قد أعيد انتخابه لم يستطع ان يحصل سوى على أغلبية نسبية في الجمعية الوطنية على الرغم مما كان يتمتع به من هالة وسلطة. كان الرئيس شيراك يريد جمعية وطنية تستجيب لمطالبه، ونواب يمكن لقصر الاليزيه الاعتماد عليهم وليس مترددين أو متحالفين يتقدمون على رؤوس أصابعهم. بتعبير آخر كان من المطلوب تأمين قوات منضبطة ولكن في الوقت نفسه شابة وتتمتع بروح الحداثة، وذلك على عكس اليسار القديم. ولاشك ان مثل هذه المعادلة تبدو مقلوبة إذ كان اليسار هو الذي يمثل تاريخياً الشباب والحداثة وليس اليمين، لكن البعض من الذين كانوا يحيطون بالرئيس اعتبروا ان الفرصة مناسبة من أجل التخلص من التقسيم التقليدي المعروف بين اليسار واليمين، وبأن يتم التالي: الالتفاف حول الرئيس الذي كان قد فاز بنسبة 82% من أصوات الناخبين في الدورة الرئاسية الثانية، ثم ان مثل هذا الالتفاف والتوحيد يبدو ذا طبيعة جمهورية. ثم ان القطيعات الايديولوجية أصبحت تنتمي للماضي بعد سقوط المعسكر الشيوعي. مثل هذا التحول أشار اليه فرانسوا بايرو رئيس حزب الاتحاد ومن أجل الديمقراطية الفرنسية الممثل لتيار وسط اليمين بعد الدورة الانتخابية الرئاسية الأولى بالقول موجهاً كلامه للرئيس شيراك: «نحن الآن من جديد في عام 1958 ـ تاريخ تأسيس الجمهورية الفرنسية الخامسة ـ وعلينا أن نعيد جميعنا بناء كل شيء. أنت في وضع استثنائي، ومثلما كان الأمر بالنسبة للجنرال شارل ديغول يمكنك ان تجعل جميع القوى السياسية تشارك في عملية اعادة البناء هذه، وان تبقى أنت فوق جميع الأحزاب». إن هذه الدعوة باسم الديغولية لم تلق الاستجابة لدى الرئيس شيراك الذي أجاب بالقول: «أنت مخطيء في تقديرك، فأنا سوف أعمل من أجل انشاء حزب واحد يضم قوى اليمين وحدها كي تكون ممارسة الحكم ممكنة». كان بايرو يريد الابقاء على الاحزاب السياسية كما هي للابقاء على سلطته، فأكد جاك شيراك موقفه بالقول له: «هذا هو تحليلي، وهذا هو اختياري، إنني لست غاضباً لكن عليك أن تتحمل مسئولياتك». واذا كان قد تم التفكير في لحظة ما باشراك عدد من الشخصيات السياسية الاشتراكية من امثال رئيس الوزراء الفرنسي الاسبق ميشيل روكار او وزير الصحة في حكومة جوسبان، برنار كوشنر في تحمل المسئولية، فان هذه الفكرة التي كان دومينيك دوفيلبان وراءها لم تتحقق لان الرئيس جاك شيراك لم يرد ان يخلط الاوراق مما قد يترتب عليه نتائج غير مرئية. لقد قبل بعض المرونة «على الاطراف» لكنه بقي متشددا فيما يتعلق بـ «العمق» لان ذلك يشكل برأيه طمأنة لعدم انحراف الامور، بنفس الوقت حافظ على صورته كأب للجميع ولكن اب حازم وكرجل متسامح ولكن دون تساهل في القضايا الجوهرية وحليم دون ان يفقد قدراته الهجومية «ان القوة في داخله» وكان انتصاره الكبير في الانتخابات الرئاسية لعام 2002 بمثابة «تكريس» شعبي حقيقي له و «تكريس» وضعه فوق الجميع. لا للقوة العمياء كان الرئيس جاك شيراك في بداية فترته الرئاسية الثانية متحررا من كل اشكال الضغط التي يمكن ان تعيق حركته .. وواثقا بنفسه وبحدسه وبتحليلاته وبأفكاره، انه الرجل الذي قال «لا لمنطق القوة العمياء وأزعجه جدا ـ ان يعتبرنا الاميركيون ـ وكأننا اطفال»، وفي شهر سبتمبر 2002 اسر قوله لوزير خارجيته «دومينيك دوفيلبان» ما يلي: «ان لاميركيين يبحثون في العراق عن تأكيد منطق ثورة القوة فقط . لكنهم مخطئون في ذلك .. وما يثير الدهشة ليس قوتهم وانما فراغ هذه القوة .. وما لا يفهمونه هو ان القوة وحدها لا تؤدي الى شيء» كذلك لم يتوقف الرئيس جاك شيراك عن ان يشرح ويبرهن ويردد: «ينبغي عدم اذلال العرب، والا فان الانفجار قادم» وقد حاول بنفس الوقت ان يقنع محاوريه بما فيهم جورج دبليو بوش، والمتشددون الذين «يريدون ان يفرضوا على العالم مفهومهم للديمقراطية»، بأن فرنسا تسعى الى جعل الديمقراطية بمثابة «تجسيد للمشاركة والتبادل وحوار الثقافات» ثم يضيف: «ليس هناك خيار آخر، والا فان هذا يعني المواجهة وصدام الحضارات». لقد كرر باستمرار القول: «ان الافراط في القوة يخرب القوة». لقد وقف جاك شيراك في وجه الميل الحربي لدى جورج بوش واظهر رؤية دبلوماسية ـ استراتيجية متفردة. جاء على لسان دومينيك دوفيلبان قوله: «ان الرئيس معروف في جميع انحاء العالم، وعندما يعلو صوته، فانه مسموع في كل مكان» وهو في الواقع يتمتع بمعرفة واسعة لاوروبا وافريقيا واسيا والاميركيتين. كما يخاطب الكثير من رؤساء الحكومات ورؤساء الجمهورية بأسمائهم ـ اي من موقع الصديق ـ ويعرف كيف يتحدث بإلفة بعد حوار قصير، ان الرئيس شيراك قد امتلك خبرة كبيرة تكدست عبر تجربته السياسية الطويلة .. ويقول مدير مكتبه عندما كان رئيسا لبلدية باريس: «عندما كان يستقل القطار الى منطقة الكوريز كان يأخذ معه مجموعة كبيرة من البرقيات والكتابات الخاصة بالشئون الدولية فقد كان ذلك يشكل متعة بالنسبة له». يقول دومينيك دوفيلبان انه «اعتمادا على الخبرة الكبيرة للرئيس شيراك، امكن القيام بمبادرات بخصوص الملف العراقي، وفي الواقع ينبغي الاعتراف بأن الثنائي شيراك ـ دوفيلبان انجز عملا دبلوماسيا رائعا حيال هذا الملف سمح بالتميز ـ بالتقدم ـ عن الصديق الاميركي والامر الذي اغضب جورج دبليو بوش وحاشيته .. وقد كانت فرنسا هي التي قادت مجموعة الدول الصغيرة والكبيرة مثل الصين وروسيا في معركة السلام ـ وبأسلوب رفيع .. وكان الرئيس شيراك كبيرا «سوبر». لقد تقدم الرئيس شيراك، رجل السياسة، معتمدا على افكاره، واضاء دومينيك دوفيلبان الى جانبه الشعلة بأسلوبه الرفيع ـ فهو شاعر، كان المطلوب هو ان تتوصل الكلمات الى اسكات المدافع .. هذا ما شرحه وزير الخارجية الفرنسي بالقول: «لدينا مبادئنا ورؤيتنا للعالم تختلف عن رؤية الاميركيين، وقد فهمنا قبل الجميع بأنه في مواجهة هشاشة العالم، ليس هناك اي بديل عن التضامن الدولي، وفي اللحظة التي تتجه فيها الولايات المتحدة نحو القوة تعود فرنسا الى العدالة والقانون .. مما دعا الرئيس الى ابداء الملاحظة الغربية القائلة بأن الاميركيين لم يعودوا في اطار الحرية والتفاؤل». لا شك بأن الرئيس جاك شيراك كان قد امضى خلال السنوات المنصرمة وقتا طويلا في التأمل حول «موقع فرنسا في العالم» كما يعبر دوفيلبان .. وكان قد وظف فترة «الانطواء الداخلي» التي عرفها بعد قراره بحل الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1997 ووصول اغلبية يسارية للحكم لتبدأ فترة «تعايشه» مع ليونيل جوسبان، من اجل ان يعيد التأمل والتفكير بحالة العالم وبطرق العمل فيه. واليوم اصبح نظراؤه لا يترددون في الحديث عن جسارته» وفي الاعتراف بأن الرئيس الفرنسي «يفهم جيدا تنوع العالم». الامر الذي يعني ضمنا انه تفهمه اكثر من جورج بوش و «رعاة البقر» المحيطين به من تكساس. ولم يعد هناك من يستطيع ان يشك بأن الرئيس الفرنسي جاك شيراك يقاتل من اجل البترول (في العراق) او من اجل الكاكاو (في ساحل العاج) كما يتمتع الرئيس بسمعة كبيرة بأنه ذو نزعة انسانية عالية، وان شهرته العالمية لا ينافسه عليها سوى لاعب كرة القدم الشهير زين الدين زيدان، وشخصية «تان تان» الشهيرة في قصص الرسوم المتحركة، ولا شك بأن الرئيس الفرنسي قد اصبح في مقدمة الذين يستحقون جائزة نوبل للسلام. لقد فاز بـ «تكريس» فرنسي ولكن ايضا بـ «تكريس» عالمي حول ما دعا اليه من مفهوم للانسان ولاحترام التنوع والاختلاف ولمطلب المساواة والتأكيد على الاخوة بين البشر هذا ما اكده واكد عليه اثناء زيارته الى الجزائر حيث استقبله ابناء الجزائر ووهران بمئات الالاف منهم يحيونه ويحييهم .. لم يكن ذلك يعبر عن شجاعة كبيرة فحسب، ولكن ايضا عن شكل من الحب غريب جدا عن «حداثتنا الغربية» يقول: دومينيك دوفيلبان عن شيراك «انه يحب العالم ويحب الآخرين». السر ان الرئيس شيراك ومهما يقال له فكرة خاصة عن فرنسا، انه هو نفسه فكرة عن فرنسا «فكرة انسانية وعاطفية»، تأخذ باعتبارها آلام البشر، هكذا عندما فقد ليونيل جوسبان ذات يوم والدته قام الرئيس جاك شيراك بالتحدث هاتفيا مع «خصمه السابق» كي يشاركه احزانه، تماما كما يفعل من اجل رفاق دربه او من أجل انسان قابله صدفة ويرى بأن المرض والموت يجعلان جميع البشر أخوة، هكذا يبدو بمثابة أب يواسي الارامل واليتامى، ويحاول ان يخفف آلام الآخرين عندما يستطيع ذلك، اذ طالما ردد «ينبغي عدم اذلال الناس» ويذهب اكثر في هذا الاتجاه حيث يقول: «عليكم ان تعتبروا الصغار بمثابة البشر الاقوياء وكأناس يستحقون كل ما نبذله من اجلهم» ان الرئيس شيراك يتواجد باستمرار الى جانب أصدقائه في اوقات الشدة ويحاول ان يطمئنهم بابتسامة مطمئنة ويتمنى لهم الشفاء العاجل وكثيرا ما يقول لهذا منهم او ذاك: «اطمئن ولا تقلق فانا مهتم بزوجتك واطفالك .. ان الجميع بخير» هذا الحضور الحميم للرئيس شيراك كان باستمرار مصدر قوة للذين يزورهم يقول احد هؤلاء: «ان شيراك قد كرس حياته للتخفيف من آلام الشعب .. ولعله هو نفسه يتألم في أعماقه من جرح لم يبدأ هنا نحن نلمس سر هذا الرجل». ان البعض يعتقدون بأنهم قد كشفوا هذا السر الذي اعتبروا ان مصدره الجوهري يعود الى مرض ابنته لورانس المرض الذي لا يمكن لاي أب ان يكون بمنجاة منه في مثل هذه الحالة. ويعيد البعض الآخر هذا السر، وبالاضافة الى مرض ابنته، الى حالات الاسف التي يحسها حيال عدم الوفاء بالكثير من الوعود، وخاصة تخليه عن العدالة الاجتماعية عام 1995 وتحدث آخرون عن «عقدة الاذلال» لديه بحيث انه يتعاطف دائما مع الضعفاء ومع ابناء الطبقات الشعبية الى جانب اصراره على ان يضاعف من نشاطه خلال السنوات الاخيرة بعد ان كان الكثيرون قد اعلنوا «موته السياسي». لكن جاك شيراك لم يمت سياسيا بل انه قد يكون رجل السياسة الوحيد على رأس السلطة الذي استطاع ان يؤكد على ارادة السلام في مواجهة ارادة الحرب التي هددت بها ادارة الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش ثم ترجمتها الى حرب في العراق.