الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 حين كان يتناول وجبة فطوره الدسمة، نظر رئيس الحكومة الاسرائيلية الى الخارج من خلال النافذة في مزرعته الريفية، فرأى أكوام القمامة المتراكمة، وسمع عن بعد أصوات العاطلين عن العمل. تمعن في الملحق الاقتصادي لصحيفة صباحية واكتشف أنه لم تحدث في الليل معجزات: فالكارثة مستمرة وموجة الاضرابات في أوجها، وخطة التقليصات عالقة، والنمو الاقتصادي أبعد مما كان ذات يوم. وطالع كذلك أن الجيش الاسرائيلي قرر وقف هدم البيوت في غزة لأن الهدم غير ذي جدوى، وشاهد خبرا عن ستة جنود احتياط يقومون بحراسة مستوطن وحيد، وقرأ مقالا عن تصاعد مقاطعة اسرائيل اقتصاديا بسبب سياستها في المناطق. وبالرغم من أنه كان يعرف هذه الأمور قبل أن يطالع الجريدة، لم يكن رئيس الحكومة راضيا ـ لأن الجميع باتوا يعرفون. صحيح أن الجيش الاسرائيلي يواصل انتصاراته في المناطق، وفي شهر مارس سقط «فقط» 25 قتيلا اسرائيليا وبضع مئات من الجرحى، بيد أن العجز المالي يزيد على عشرة مليارات شيكل، والبطالة تناهز 12 في المئة والركود الاقتصادي آخذ في التفاقم، والآن تأتي المقررات الاقتصادية أيضا ـ لقد أضحى ذلك موضوعا آخر. متضايقا، تصفح رئيس الحكومة التقرير السنوي لدائرة الأبحاث في بنك اسرائيل، فوجد أن الانتفاضة قد سببت خلال الشهر الأخير خسائر تصل الى أكثر من 15 مليار شيكل. تذكر شارون على الفور أن موجة الاضرابات في المرافق الاقتصادية قد انفجرت لأن وزراء ماليته سعوا الى تمرير خطة تقليصات يبلغ حجمها 11 مليار شيكل، فلم يتبدد وجه الشبه من ناظريه، وفي بارقة من العبقرية، طافت في رأسه فكرة أنه بالامكان منع هذه الدوامة بواسطة تطبيق المبدأ المستهلَك المنبثق من تغرير بنك اسرائيل، كل المطلوب أن يفعله هو العمل على استئناف العملية السياسية وإتاحة الفرصة لانهاء الانتفاضة. وبصرامته المميزة دعا رئيس الحكومة لعقد اجتماع عاجل للوزراء ال24 في حكومته. وفي طريقهم الى القدس سمعوا في الراديو أن شارون قام بالاتصال المباشر ببناة الجدار الفاصل، آمرا اياهم باستكمال بنائه خلال أربعة أشهر، وان رئيس الحكومة قرر الاخلاء الفوري لجميع النقاط الاستيطانية غير القانونية، وكذلك نيتسريم وعتنيئيل، بغية تسريح مئات جنود الاحتياط، واعطاء العالم مؤشرا على تغيير في سياسته. النبأ الأخير من أنباء الصباح أفاد أن شارون دعا أبو مازن، رئيس الحكومة الفلسطيني الجديد، الى محادثة ثنائية بينهما، وأخطره بأن بناء الجدار الفاصل سيستكمل خلال أربعة أشهر، وسيتم اخلاء المستوطنات المنعزلة، واذا ما بدأ هو،أبو مازن، باحلال النظام وراء الجدار، تكون اسرائيل مستعدة للشروع في مفاوضات حول تسوية دائمة تشتمل طبعا على اخلاء مستوطنات. خلال اجتماع الحكومة هاجت الخواطر. أعلن حزب الاتحاد القومي عن انسحابه، وهدد الحزب الديني القومي (المفدال) بالانسحاب. لكن رئيس الحكومة لم يخشَ. فهذه الاجراءات تمكن حزب العمل من العودة الى الحكومة، وواضح بالنسبة له أنه طالما واصل طريقه الجديد هذا، فبامكانه ضمان أغلبية ثابتة لحكومته. في مساء ذلك اليوم نفسه، تلقى شارون مكالمات هاتفية كثيرة من مختلف زعماء العالم، ودعي لزيارة برلين وباريس ولندن، في طريق توجهه الى الولايات المتحدة. وأعلنت الولايات المتحدة عن تحرير الضمانات المالية، ووعدت بدراسة زيادة قيمة المنحة من مليار دولار الى ثلاثة مليارات، وارتفعت الأسهم في بورصة تل أبيب بنسبة 20 في المئة وأفادت مصر بأنها أفلحت في اقناع حماس والجهاد بوقف عملياتهما بدون قيد أو شرط. وقدر رؤساء الاقتصاد أنه خلال أسابيع معدودة، يبدأ رجال الأعمال والسياح بالعودة الى زيارة البلاد، ويبدأ الاقتصاد بالانتعاش، وتعود المرافق الاقتصادية الى النمو وتنخفض البطالة وتتحسن أجواء البائسين. استيقظ رئيس الحكومة والعرق يتصبب من جبينه، أية أضغاث أحلام هذه. اتصل بوزير الأمن وأمره بتصفية مطلوب كبير ما في لواء الخليل وبهدم منزلين خاليين في غزة، ثم توجه لزيارة المستوطن الفرد في مافو دوتان. عن «معاريف»