الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 قسما بالله أنني وبعكس اسرائيليين آخرين، لا أضمر ذرة من شماتة إزاء ما يواجهه الاميركيون من مصاعب في العراق. فأنا طاهر من كل غريزة شريرة ترمي الى توجيه اللوم لهم«قلنا لكم»، و «ماذا ستقولون الآن؟» فهم أيضا واجهوا الشهداء و(الارهابيين) الذين اختبأوا خلف النساء والأطفال، واضطروا الى نصب الحواجز القبيحة وجعل المواطنين البسطاء يقفون وأيديهم فوق رؤوسهم ووجوههم نحو الجدار. هذا بغيض، ولا يهب أحد لأداء هذه المهمة الجاحدة. لكن هذه العملية في جوهرها هي«دفاع الضرورة». بالصدفة، وكنتيجة ملازمة، تُحسن اميركا صنعا الآن، اذا تفهمت نفسية اسرائيل التي تحارب العنف الفلسطيني بوسائل صارمة. من الطبيعي والمفهوم تماما انها تحفظت مما يجري على الحواجز. وحتى الآن كان الاميركيون مثل الانسان السليم الذي يتمنون له: «لتكن معافى»، فلا تستطيع نفسه وروحه التآلف مع هذا الدعاء، الى أن يهاجمه الفيروس، وعند ذاك يستوعب عبارة «لتكن معافى»، أنه حتى الرأسمالية الاميركية ، تقتبس من كتابات كارل ماركس «ان الكينونة تحدد الوعي» وها قد جربت اميركا في العراق الكينونة الاسرائيلية. هذا مهم لكن ليس سببا للسخرية منها. هي قوة الانقاذ الأخيرة للعالم المتنور في الصحراء القائظة. والمصلحة الانسانية العامة هي في انتصار جيشها انتصارا سريعا، قويا باهرا وبعيدا. فقط ليت بامكاننا أن نهديها نموذج الانتصار الباهر في حرب الأيام الستة ونجنبها ما ارتكبنا من أخطاء فيما بعد، حبذا. أمس الأول اجتمع أرييل شارون الى شاؤول موفاز وعاموس يارون وغابي أشكنازي واخرين. بدون وسائل اعلام كما يليق بالاجتماعات المهمة فعلا. لخص رئيس الحكومة مع وزير الأمن ومدير عام وزارته ونائب رئيس الأركان العامة، مخطط الجدار الفاصل الجنوبي الذي سيمتد من ألقنا حتى جبال الخليل، وبعد غد يقدم شارون المخطط للحكومة كي تصادق عليه.هكذا ستبدو خارطة الجدار الأمني الذي لولا تأخره لكان بامكانه انقاذ نحو 500 من قتلى الانتفاضة. في تموز سيستكمل بناء الجدار الشمالي بطول 180 كم ، وبعدذلك يواصلون بناء الـ 200كم في الجنوب. بنيامين نتانياهو أوضح أنه برغم الركود الاقتصادي، فالمال المخصص لمد الجدار متوفر في كل لحظة. ممتاز، لكنه نظري. بما أنه تقرر بمبادرة من موفاز وآخرين زحزحة الجدار الموعود شرقا، مقارنة بالمخطط الأصلي الذي كان قريبا من الخط الأخضر، فان المنطقة هناك ستضم 45 ألف مستوطن و3000 فلسطيني آخرين. صحيح أن الحكومة تدعي أن المقصود ليس جدارا فاصلا سياسيا، بل وسيلة أمنية ولذا فان الضم العسكري لا يحدد أين تمر الحدود النهائية التي ستقررها المفاوضات لكن الحكومة هي الوحيدة في العالم التي تؤمن بأن المقصود ليس حدودا سياسية، اذا كانت تؤمن فعلا بذلك. مؤسف أن موفاز بالذات هو الذي توجه بالجدار شرقا، وذلك لأنه يركز في جهاز الأمن أطقما تقوم بالاعداد لاستئناف الحوار مع الفلسطينيين، ويدفع باتجاه التفاوض معهم ، ولا طعم لواقع لا يكون فيه ثمة ما يمكن التحدث عن شيء. ان جدارا فاصلا كهذا هو وصفة لتمزيق خارطة الطريق الى أشلاء بحيث لا يبقى شيء لفلسطين المؤقتة. فهل تقوم الحكومة باقتلاع الجدار الذي بنته عن طيب خاطر؟ لا يوجد شيء كهذا في الشرق الأوسط. الحكومة والجيش الاسرائيلي قررا اقامة جدار لأن سيل دم الاسرائيليين قد طفح في الانتفاضة. وهي تقوم بذلك كما لو أن جنيا قد تلبسها. ويراود القلب تخوف ثقيل من أن الحكومة تقوم الآن بزحزحة الجدار شرقا استدعاءً لغضب اميركي شديد. وحيال هذا الغضب من واشنطن تضطر الحكومة الى الانكفاء والتنازل عن الجدار. وهي مشتبهة بأنها تفعل ذلك برغبة قوية. كثير من الألغام مطمورة في خارطة الطريق. أخطرها هو الاستعداد لاقامة دولة فلسطينية بدون التنازل عن حق عودة اللاجئين الى اسرائيل. لكن حتى موضوع اللاجئين الخطير ليس نهاية الطريق. فالدول العربية تسعى الى أن تتضمن المفاوضات مستقبل المفاعل الذري في ديمونة أيضا. الآن يتبين أن بريطانيين ومصريين واميركيين واسرائيليين ساذجين يتحدثون عن هذه القضية ، في معظم الحالات يثرثرون. لكن الموضوع يضرب جذورا. ففي مقال نشرته «نيويورك تايمز» مؤخراً، ادعى الدبلوماسي الاميركي المتخصص بمراقبة السلاح الذري،جيمس غودباي، ان هذا هو الوقت المناسب للخوض في تجريد الشرق الأوسط كله من السلاح، طالما أن جيوشا اميركية كثيرة العدد موجودة في المنطقة، ويتأهب أبو مازن لتسلم منصبه، ويتم بسط «خارطة الطريق». من أجل المشاركة في المحادثات(حول تجريد الشرق الأوسط من الأسلحة - دان مرجليت) ستطلب اسرائيل ضمانات أمنية قاطعة من الولايات المتحدة. لا يوجد ما هو أخطر من هذا على طريق السلام مع الفلسطينيين والعالم العربي، الذي هو شرط لتجريد اسرائيل من قدرتها العملية. حين جيئ بأفكار خطيرة الى مناحيم بيغن(من جيمي كارتر بصورة رئيسية) اضطر الى سرد حكاية أمنون ممغنيتسا، الذي قضى نحبه جراء آلام مبرحة، وبشهادة مريض ميئوس من شفائه، عرف كيف يوضح لأتباعه لماذا كان يستحق ذلك. فقد كان حاخاما محابيا، رد على الدوام عروض النصر التي اقترحها الأساقفة عليه، لدرجة أنه تريث ذات يوم لدراسة اقتراحهم، وبالرغم من أنه بعد بضعة أيام عاد ورفضه، فقد عوقب على مجرد استعداده للتفكير فيه. ينبغي تجنيد أمنون ممغنيتسا ضد الجيمس غودبايين على اختلاف أصنافهم. عن «معاريف»