الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 أوضح كولن باول، وزير الخارجية الأميركي في حوار أجري معه، في سفارة بلاده في بروكسل انه يأمل بحدوث تحول كامل للسلطة في العراق في مرحلة ما بعد صدام حسين، مروراً بمرحلة انتقالية تقودها ادارة مؤقتة مؤلفة من عراقيين من الخارج والداخل على حد سواء. وتطرق الى العديد من القضايا المتعلقة بالحرب على العراق. وفي ما يلي نص الحوار الذي أجرته معه صحيفة «إيه.بي.سي» الاسبانية: ـ ثمة أناس كثيرون يشعرون بالانزعاج من جراء خطط حكومتكم بالنسبة للمرحلة اللاحقة للحرب في العراق. كيف تتناولون ذلك القلق؟ وهل يمكن وضع الأمم المتحدة من جديد في قلب المشهد العراقي؟ ـ نعرف ان على الأمم المتحدة ان تكون مشاركة والرئيس جورج بوش قال ذلك مراراً وتكراراً وأنا موجود في بروكسل لأني أردت سماع وجهات نظر الآخرين حول الدور الذي يجب أن تضطلع به الأمم المتحدة. لكن الأمم المتحدة قالت بشكل واضح انها لا تريد تحمل مسئولية العراق. وهكذا لا يجري سباق هنا لمعرفة من يتكفل بأمر العراق. وإنما نحن نحاول التأكد من أن تنشأ هيكلية في الأمم المتحدة قادرة على الاهتمام بالمساعدة الانسانية التي تعزز دور السلطة المؤقتة المستقبلية بإعطائها صبغة شرعية منبثقة عن الأمم المتحدة. وسوف نعمل مع حلفائنا وأصدقائنا في مجلس الأمن للتوصل الى قرارات مناسبة. أما فيما يتعلق بإنشاء سلطة مؤقتة، الأمر الذي نعمل عليه الآن، وقد كان يطيب لي البدء مع أناس موجودين خارج العراق، ويشكلون جزءاً من المعارضة الخارجية التي ناضلت كثيراً في سبيل التخلص من هذا النظام، لكننا نعرف كذلك انه يتعين تضمين هذه الادارة أناساً من الداخل، كي ينظر الى هذا كشيء تمثيلي، وليس كمعارضة فحسب. إن ما نحاول توضيحه هو ان مؤتمراً يمكن ان يشكل نموذجاً ملائماً لتحقيق ذلك، مثلما كان عليه الامر في أفغانستان. ـ من يملك السلطة للقيام بدور الإدارة المؤقتة؟ وكم من الوقت يمكنها أن تدوم؟ ـ إننا نقوم بحملة عسكرية، وبمجرد ان تسير هذه الحملة في طريقها، يتحمل القائد العسكري والزعماء السياسيون المسئولية الكاملة على الأرض التي يحتلونها. وبينما يتواصل الجهد التحريري، وفيما نكسر قبضة السيطرة التي يمارسها هذا النظام، نضطلع بصورة فورية بمسئولية أمن السكان وأمن ممتلكاتهم وثروات البلاد ومسئولية ضمان الاستقرار ووحدة البلاد. وليس هناك أحد آخر قادر على فعل ذلك. لا يمكنك تحميل مسئوليته للأمم المتحدة أو الولايات المتحدة، لا يمكنك تحميل مسئوليته لأحد. إنها مسئولية القوة التي دخلت البلاد لكننا تواقون وبأسرع وقت ممكن لتثبيت الأمن والاستقرار وضمان وصول الغذاء إلى السكان وإصلاح البنية التحتية لتزويد السكان بالمياه والرعاية الصحية. لكننا نريد وبأسرع وقت ممكن أيضاً نقل مسئولية العسكريين إلى وزارات مدنية يعاد تشكيلها الآن. كما أننا سوف نوفر موظفين سوف يساعدون هذه الوزارات العراقية لتعمل من جديد بدون مسئولية من حزب البعث وبدون صدام حسين. وبالتالي سوف ننشيء سلطة مؤقتة، بأسرع ما يمكن، لتمارس مسئوليتها بشكل كامل وتدريجي، وفي غضون ذلك، ستكون الأمم المتحدة قد حددت دورها على ضوء قرارات مجلس الأمن. لكن ليس ممكناً معرفة كم من الوقت سيطول ذلك، ولا يمكن القول إن الاستقرار سوف يتحقق في أسبوع أو شهر أو كم من الوقت. ـ يبدو أن لديك رؤية مختلفة عن رؤية وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد فيما يتعلق بإعادة إعمار العراق ودور الشركات الأميركية التي يبدو أنه يريد اعطاءها كل شيء. ـ ذلك ليس موقفنا فالدخول المبدئي للأموال إلى البلاد مصدره الولايات المتحدة، حيث تقدم عقوداً لشركات لديها القدرة على تزويدنا بما نحتاجه على وجه السرعة: تشغيل وإدارة ميناء أم قصر وأشياء من هذا القبيل. وتبعاً لتقدمنا ستكون هناك أرصدة من الولايات المتحدة التي يعود إليها اتخاذ القرار المناسب بشأن وجهتها. وفي الوقت المناسب أيضا، عندما يتم تشغيل النفط واستخراجه وتصديره، وسيكون هناك مداخيل تقدم للحكومة العراقية التي سيكون بإمكانها أن تقرر بنفسها كيف تنفق أموالها ولمن تعطي عقوداً، فنحن نمر بمرحلة تحديد كيف يمكننا جعل العالم يرى أنه لا توجد أية قائمة سوداء لشركات لا يمكن توقيع عقود معها، كما نريد ان توضح للوكالة العالمية للتطوير ما هي الاحتياجات الموجودة وكيف يجب أن تكون المنافسة لترسي العقود على هذه الشركة أو تلك. ـ ألن تكون ثمة فروقات بين البلدان التي ساندت الولايات المتحدة والبلدان التي لم تفعل ذلك؟ ـ طالما تستخدم الأموال التي تنتمي للشعب العراقي، الآتية من عائدات النفط، وسيتعين التأكد من تمتع هذا النظام بالشفافية، وهذه هي القرارات التي يجب على السلطات العراقية أن تتخذها، فلا وجود لقوائم سوداء، لكن لا يعود لي القول كيف ترسو العقود وعلى من، أنا لست إلا وزير خارجية. ـ ما جدية الطلاق بين ألمانيا وأميركا؟ وهل سوف يقول المؤرخون إننا نشهد هذه الأشهر تفكك الغرب؟ ـ لا لقد كنت في ألمانيا خلال الحرب كجندي وكنت مسئولا عن الاركان العامة المشتركة عندما حدثت عملية توحيد شطري المانيا، ولا اذكر عدد المحادثات التي حضرتها حول هدف الناتو، وفي الايام الاخيرة للاتحاد السوفييتي قال لي زملائي السوفييت في محادثاتي معهم: «انظر، سوف نلغي حلف وارسو لماذا لا تتخلون أنتم عن حلف الناتو؟». وكان لدي جواب بسيط: «ان ذلك صعب للغاية، فالناس يبذلون قصارى جهدهم للدخول فيه فجميع الذين تركوا حلف وارسو الخاص بكم يأتون الى مكتبي لطلب صيغة الانضمام ذلك انهم يريدون ان يكونوا مرتبطين بالامن عبر الاطلسي». وما زالت هذه الدول تؤمن بضرورة تلك الصلة المتينة بين الولايات المتحدة واوروبا فهذا لن يختفي لاننا تواجهنا بسبب العراق، وضرورة توفير صلة متينة تمثل واقعا دائما، والمانيا والولايات المتحدة كانتا اقرب حليفتين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واثر سقوط هتلر ساعدنا المانيا وفرنسا واجزاء كثيرة من اوروبا في اعادة الاعمار وضعنا تحالفاً صلباً وروابط ثنائية قوية وانا بدأت مسيرتي في المانيا، وانهيت الجانب العملياتي منها في البلد نفسه ونحن نقوم بأشياء مشتركة كثيرة، في أفغانستان وفي البلقان.. ونحن ممتنون جداً للدعم الذي تقدمه المانيا لقواعدنا في عملية ارسال قوات إلى العراق. لذلك فإن الصداقة بين الولايات المتحدة والمانيا وبلدان اخرى تذهب إلى ما هو ابعد من الاختلافات الظرفية، وستبقى وستواصل اوروبا نموها تحت مظلة العلاقة عبر الاطلسية. فهذه ليست المرة الأولى التي نختلف فيها. اتريد ان اعددها لك؟ في عام 1966. ـ فرنسا. ـ طردونا من باريس وقالوا: «اخرجوا من هنا!». لكن ما الذي حدث؟ قبلنا. فلقد كانت هناك مشكلات في مسائل كثيرة، وعلى مدار سنوات طويلة. وكانت هذه مشكلة جدية، وانا لا اريد التقليل من حجمها، لكن في الوقت نفسه لم تكن ضربة قاتلة. ـ كيف هي الحال مع نظرائك المختلفين معك مثل فيلبين وفيشر؟ لقد انتهيت للتو من رؤية فيشر، الذي هو صديق جيد، لكن هذا لا علاقة له بالصلة بأصدقاء وانما بأعمال ولا شيء شخصياً في هذا مع اننا لم نتخل أبداً عن كوننا اصدقاء وعن الحديث واحياناً تبرد العلاقة قليلاً واحياناً اخرى تطلق شرراً، لكننا لم نكسر صداقتنا أبداً وعلى الرغم من انه لا يزال هناك جدالات واختلافات حول ما يتعين علينا عمله. لكن هذه الاوضاع تظهر عادة حيث يجب تناولها وتختفي. ولقد توصلت إلى اليوم إلى استنتاج انه ثمة احساس بأن ساعة العودة إلى الاتحاد قد أزفت. ويمكننا القيام بذلك في إعادة اعمار العراق وليس من خلال هذه الحرب، بل عبر عقود من التدمير الذي ارتكبه صدام حسين. فهو الذي دمر مجتمعه، وليس نحن. ـ هل أنت مندهش بسبب نقص الدعم الشعبي لقواتك بعد اسبوعين من الحرب؟ ـ اعتقد اننا سنشاهد تنامياً للدعم بشكل تدريجي. فتبعاً للناس، يمكن ادراك ان سيطرة النظام قد دمرت وبالتالي سوف يبدأ بالتزايد عدد المرحبين الذين يستقبلون قوات التحالف، وما نشاهده في الجنوب هو أنه بمجرد تدمير سلطة حزب البعث، بمجرد لم يعد الناس خائفين، فانهم يخرجون ويبدأون بالتعاون مع قوات التحالف التي بدأت بتوظيفهم في أعمال مختلفة وهم يرون ان هذه القوات دخلت كي تبقى، وليس كما حدث عام 1991. وهذا الأمر يتعاظم عندما يشاهدون ان النظام قد انتهى وان حياة افضل في انتظارهم. ـ هذه الحرب ضد الارهاب، لكن قائمة البلدان التي تدعم الارهاب أوسع، هل يتعين علينا انتظار حروب اخرى فيما بعد؟ ـ لقد كانت هذه الحرب ضد اسلحة تدمير شامل. حرب ضد دولة ماكرة، لكنها دولة ارهابية ايضا، مضى 12 عاما منتهكة ما مجموعه 17 قرارا للأمم المتحدة، وقام بذلك مرة اخرى بعد ان اتفق مجلس الأمن بالاجماع في شهر ديسمبر المنصرم وقال له: «تصرف في الحال وبدون شروط. انك مخطئ وتنتهك القرارات». ولم يلتزم كذلك. هناك شعور في أنحاء كثيرة من أوروبا بأن الولايات المتحدة تبحث الآن، بعد أن فعلت هذا، عن موقع آخر تذهب اليه للحرب. ان الامر كما لو أنكم لا تعرفون تاريخنا. نحن لم نبحث عن حروب نذهب اليها. ونحن نفعل ذلك بتحفظ. وعندما تدينون الحرب الوقائية، ربما تستطيعون مراجعة تاريخ أوروبا ورؤية أمم قد تمتعت هاربة الى الحرب. نحن لا نبحث عن حروب، وانما عن شركاء لمواجهة مشكلات مرض نقص المناعة المكتسبة ومشكلات العائلات والنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. لكننا لا نتجاهل الأنظمة التي تدعم منظمات ارهابية. وهكذا سنقول للمجتمع الدولي بأن سوريا وايران تدعمان نشاطات «ارهابية». وان ايران تطور أسلحة تدمير شامل. الأمر الذي لا يعني، تماما كما يعقب الليل النهار، انه سيكون ثمة حروب ضد سوريا وايران وكوريا الشمالية. فأحداث وتطورات الاشهر الأخيرة فقد بددت الجهود التي نبذلها لمواجهة المشكلة الكورية الشمالية بصورة متعددة الجوانب. وألزمنا الجيران: الصين وكوريا الجنوبية وروسيا واليابان، بايجاد حل. والانتقاد الذي اواجهه بشكل مستمر هو: «لماذا لا تقول ـ بشكل أحادي ـ للكوريين الشماليين بأن عليهم الجلوس للحديث على الفور؟» لاننا في هذه اللحظة نريد الاهتمام بالمشكلة العراقية وبلوغ مجتمع افضل للعراقيين. وسوف نحاول عندئذ مواجهة تهديد دول ماكرة اخرى والتي تساند الارهاب ولا نريد فقدان منظور الاجندة الاوسع: توسيع الناتو وتوسيع الاتحاد الأوروبي والصلة عبر الاطلسي. ويجب النضال ضد مرض نقص المناعة المكتسبة، الذي يقتل اناسا عديدين شهرياً اكثر من اي نزاع على وجه الأرض، والمجاعات والجفاف، علينا مجابهة احداث غير انسانية مرعبة. كما يتعين ضمان الا تشتعل حرب بين الهند وباكستان وان يزداد عدد أعضاء مجتمع الأنظمة الديمقراطية كما يجب ضمان علاقات حسنة مع الصين وروسيا، القوتين العظميين الأخريين. ـ أي دور يمكن ان يلعبه الناتو في العراق؟ ـ لقد قدمنا بعض الاقتراحات في سياق عمليات تثبيت السلام والحفاظ عليه. واقترحنا ايضا ان بامكانه المساعدة في البحث عن اسلحة التدمير الشامل. وما يرضيني في اجتماع اليوم هو ان احدا لم يعارض أياً من هذه الاحتمالات. فلقد كان هناك اليوم ارادة لاعتبار دور للناتو في العراق وايضا تم الحديث عن افغانستان. ترجمة: باسل أبو حمدة عن «ايه بي سي» ـ اسبانيا