عاصفة النار الأميركية سترتد على أصحابها، بقلم: حسين حقاني

الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 «لا تأخذنكم شفقة بهم، فأرواحهم مدنسة» بالنسبة لمن اعتادوا على الشعارات المعادية للغرب في العالمين العربي والإسلامي، فإن هذه العبارة ربما تبدو مقتطفة من أحد بيانات تنظيم القاعدة. ولكن الحقيقة تشير إلى ان هذه العبارة جاءت في سياق حديث ادلى به قائد بريطاني منذ فترة وجيزة، وهو لفتنانت كولونيل تيم كولينز، أمام قواته التي تحارب في العراق.لقد جاءت الحرب على العراق لتمثل أسوأ كابوس بالنسبة للمعتدلين من المسلمين الذين ظلوا لسنوات يدعون إلى الوصول إلى صيغة تصالح مع الغرب. فربما يتبين ان نزعة الاعتدال في العالم الإسلامي هي الضحية الاولى التي سقطت من جراء هذه الحرب، فكل يوم هناك صور جديدة تبث عن طريق وسائل الاعلام العربية المستقلة الى البيوت العربية لحالات الدمار التي تصيب العاصمة التاريخية للخلافة الاسلامية بغداد. وتؤكد وتبرز هذه الصور الموت والدمار الذي تلحقه أسلحة غالوت الموجهة بدقة لقوات داوود التي اضعفت إلى حد كبير بفعل العقوبات التي فرضت عليها وكسرت شوكتها. ولا تغني من شيء تلك الحقيقة المتمثلة في ان الحرب غير مبررة ولا تتمتع بدعم دولي واسع وانها ينظر اليها حتى من قبل بعض مؤيديها على انها حرب من اختيار أميركا.ومن وجهة نظر المعتدلين من المسلمين، فإن الحرب على العراق تقسم العالم بين المسلمين الذين هم «نحن» والغربيين الذين يشار اليهم على انهم «هم». ولم يعد سهلاً على أصحاب المذاهب العصرية من المسلمين ان يشيدوا بالنوايا الاخلاقية للغرب، وذلك بعدما اكد القادة الأميركيون والبريطانيون على استخدام قوتهم على حساب مثلهم.فمنذ شن الضربة الاولى من هذا الحرب والتي كانت تهدف الى القضاء على الرئيس العراقي صدام حسين وباقي القيادة العراقية، فإن كل ما سمعناه من واشنطن ولندن هو انه لا يوجد شك ان هيمنتهما وتفوقهما العسكري والتكنولوجي سوف يحسمان المعركة وقد تم تحديد بالفعل اسم الحاكم الأميركي الذي سيقود العراق بعد اتمام الاحتلال. وتم توزيع بعض العقود الخاصة باعادة اعمار العراق على الشركات الاميركية التي تتمتع بأفضلية من قبل حكومتها. وقد بذلت قوات المارينز البريطانية والأميركية جهوداً للسيطرة على حقول نفط الرميلة، كانت أكثر من تلك الجهود التي بذلوها لتوصيل مياه إلى المدنيين الذين يعانون العطش في جنوبي العراق. فهل بعد ذلك كله يعد الأمر مستغرباً ألا تنظر الغالبية العظمى في العالم الإسلامي العربي بعين الجد إلى تلك الوعود الخاصة ببناء دولة عراقية ديمقراطية والتوصل إلى بداية جديدة في الشرق الأوسط؟ فقد اوضحت استطلاعات حديثة للرأي ان نسبة الموافقة على المواقف الأميركية تقريباً من جميع البلدان ذات الاغلبية المسلمة تقل عن 15%. وبعد مرور كل هذه الأيام على بداية الحرب لم يعثر على شيء بشأن أسلحة الدمار الشامل التي ذهبت قوات التحالف بقيادة اميركا لشن الحرب على العراق من اجلها. ولم تحدث أي انتفاضة شعبية ضد القيادة العراقية أو أي تأييد وترحيب بالقوات الغازية. وتسير عمليات التقدم نحو بغداد بشكل جيد، كما يقال ولكنها تمضي بشكل بطيء بالمقارنة بتوقعات إدارة بوش حيالها. ولتزيد الأمور سوءاً، انتهى الأمر بالمصادر الصحافية التابعة لقوات التحالف وبالصحافيين الغربيين الذين يرافقون هذه القوات الى ترويج أكاذيب وتلفيقات صحافية ومثل تلك الخاصة بسقوط البصرة واعتقال ضابط عراقي برتبة لواء مما ادى إلى القضاء على مصداقيتهم بلا أي ضرورة في الوقت الذي تتمتع فيه هذه القوات بميزات هائلة على نظيراتها العراقية. وعلى الوجه الآخر يبدو البعثيون العراقيون في موقفهم اقرب إلى مدافعين محاصرين يتعرضون للقصف والهجوم من كونهم ممثلين لنظام مقيت.لقد قررت اميركا ان «تصدم وتروع» بدلاً من ان «تصادق وتحتضن» المليار مسلم الموجودين في العالم. فالأمر الذي يؤكد عليه المفكرون من المتحفظين الجدد هو ان العالم العربي الإسلامي لم ولن يرحب بالمثالية الغربية في الوقت الذي يتبنى فيه الغرب استخدام القوة. فالمشكلة المتمثلة في بناء امبراطورية من خلال وسائل القوة هي ان هذه الامبراطورية ستبقى معرضة للخطر الذي تمثله الحركات الإرهابية التي تبغي تدميرها. وبشكل تقليدي لم يظهر الشعب الأميركي إلا القليل من الرغبة في انشاء امبراطورية أو في ان يخوض صراعاً طويلاً. فضلاً عن ان تجربة اسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتجربة روسيا في الشيشان، تفندان نظرية ان القوة الساحقة يمكن ان تقنع العرب والمسلمين بشكل أفضل من الوسائل الأخرى. فبدلاً من ان تهمش المعتدلين من المسلمين عن طريق تنحية قيمها جانباً واعتمادها على اظهار القوة وحسب ما ينبغي على الولايات المتحدة ان تراجع علاقاتها مع العالم الاسلامي فهناك امثلة عديدة من القادة المسلمين الذين تطلعوا إلى الاستفادة من الحضارة الغربية. فمؤسس تركيا الحديثة، كمال اتاتورك، قال ذات مرة لأحد الفلاحين والذي كان يستفسر منه عن معنى «التغريب»: «انه يعني ان تصبح انساناً أفضل» واستشهد مؤسس باكستان، محمد علي جناح، بشعور المواطن الانجليزي بالعدالة على انه قيمة يمكن من خلالها الربط بين المسلمين والغربيين وحاول ان يقلد السلوك الأميركي نحو كندا ويطبقه في سياسة بلاده الخارجية. وحتى مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز وجد الأميركيين الذين يخشون الله أفضل من الشيوعيين الذين يعادون الدين فالبحث عن حلفاء ديمقراطيين على نمط هؤلاء القادة سوف يضمن صداقة المسلمين للغرب بشكل أكثر فعالية من اللجوء إلى قصف العراق بصواريخ توما هوك. ترجمة: حاتم حسين خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»

طباعة Email