الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 قبل فترة تعدّ بالأشهر، وليس بالسنوات، كانت أغلبية المحللين والمراقبين السياسيين الفرنسيين ترى ان المغامرة السياسية لجاك شيراك على وشك ان تصل الى نهايتها، لكنه ها هو يبدو اليوم أحد أكثر رؤساء الجمهورية الفرنسيين قوة وسلطة، إذ منذ عهد الجنرال شارل ديغول لم يلعب أحد دوراً حاسماً مثل الدور الذي لعبه على المسرح الدولي، بل لقد بدا بمثابة الرئيس الوحيد في العالم الذي استطاع أن يحتج ويعارض بالقوة والحزم ذاتهما إرادة القوة الأميركية الجبارة. لقد عرف جاك شيراك كيف ينتفض باستمرار من «رماده» ويعود أكثر قوة وأشد بأساً في وجه خصومه. هنا نلقي نظرة على محاولة المؤلفين الكشف عن الطبيعة الحقيقية للرئيس الفرنسي وأسرارها. بعد قرار الرئيس جاك شيراك حل الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1997، أي بعد عامين من وصوله الى سدة الرئاسة في فرنسا، ونهاية الاغلبية اليمينية التي كانت تدعمه، بدا انه قد فقد الكثير من سلطته، وزاد في توتر الوضع تفجر المنافسات بين أركان معسكره وتياراته المختلفة. كان على الرئيس جاك شيراك من أجل مواجهة مثل هذا الوضع التحلي بقدر كبير من الصبر ومن المقاومة الاستثنائية ومن القدرة على المناورة من أجل رأب الصدوعات الكبيرة والكثيرة ولم شمل «الجسد الرئيسي» حول خطه السياسي، لكن هذا الأمر لم يتم من دون صعوبات كبيرة. ففي ديسمبر 1999 فشل المرشح الذي اختاره لرئاسة حزب «التجمع من أجل الجمهورية» أي الحزب الذي أسسه في الفوز بهذا المنصب. لقد فشل مرشحه عضو مجلس الشيوخ بول دولوفوا أمام ميشيل اليوت ـ ماري الاستاذة الجامعية ووزيرة الدفاع الفرنسي حالياً، والتي جاء دعمها من قبل قواعد الحزب. لقد بدا الأمر بمثابة «تمرد ضد الأليزيه» وضد ارادة الرئيس. لكن الرئيس شيراك كان يدرك تماماً انه بحاجة الى حزب «التجمع من أجل الجمهورية» والى رؤوسه واذرعه وامكانياته المادية من أجل المعركة الانتخابية المقبلة، كما قال انه كان يدرك ايضاً بأنه ينبغي «تجديد حياة هذا الحزب» لاسيما وان الفشل في الانتخابات التشريعية لعام 1997 أعقبه الفشل في الانتخابات المحلية ثم في الانتخابات الاوروبية. وهذا ما علقّ عليه جاك شيراك بالقول ان الناخبين سئموا من «صراع الديكة» ومن «معارك أصحاب الدكاكين» وبالتالي لابد من اعادة بناء كل شيء، ولا يمكن للحال القائم ان يستمر. التحصن في الاليزيه إن الفارسين اللذين اختارهما جاك شيراك من أجل اعادة صياغة التوجه السياسي للمرحلة المقبلة كانا صديقه القديم جيروم مونو الذي تعود معرفته له الى عام 1963 والذي كان قد ساعده لاعادة الظفر بمقعد النيابة عن منطقة السكوريز واصبح مديراً لمكتبه في قصر ماثينيون ـ مقر رئاسة الحكومة الفرنسية عام 1974، والفارس الآخر هو دومينيك دو فيلبان الأمين العام لرئاسة الجمهورية والذي أثبت فعالية كبيرة في مجمل القضايا. كان الرئيس جاك شيراك بحاجة الى سيفي هذين الفارسين. لقد حدد الرئيس أمام الجمعية مهمة أساسية، هي اعطاء دفقة حياة جديدة لحزب التجمع من أجل الجمهورية بحلة جديدة، وقد قال ذات مرة: «لتتفتح ألف زهرة، اننا سوف نصبح أكثر قوة وحزب التجمع من أجل الجمهورية سوف ينبعث بصيغة جديدة. ولم تكن ميشيل اليوت ماري رئيسة حزب التجمع متحمسة للصيغة الجديدة المعنية والتي تتمثل في بناء حركة سياسية واحدة تضم مختلف فصائل معسكر اليمين الجمهوري، أي اليمين «غير المتطرف» الذي تمثله في فرنسا الجبهة الوطنية التي يترأسها جان ماري لوبن.كانت حجة ميشيل اليوت ماري والعديد من قادة الحزب في معارضتهم في كون انهم يريدون حماية البيت الديغولي العريق. في الجهة المقابلة كان الان جوبيه رئيس وزراء فرنسا الاسبق خلال فترة 1995 ـ 1997، أي منذ فوز جاك شيراك بالرئاسة وحتى قراره بحل الجمعية الوطنية الفرنسية، في رأس قائمة دعاة تشكيل حزب موحد يضم فصائل اليمين الجمهوري.لقد كان على الرئيس أن يهديء حماسة الجميع، أو بالأصح من «نزاعاتهم». هذا في الوقت الذي كان فيه العديدون من معسكره يتطلعون الى الفوز بـ «ارثه» في أفق هزيمته المحتملة أمام ليونيل جوسبان. في الواقع وبعد عام من الاخفاق الكبير انتخابياً بعد قرار حل الجمعية الوطنية الفرنسية في منتصف عام 1997، بدا ان الرئيس جاك شيراك يتحصّن في قصر الاليزيه. كما بدا ان معسكر اليمين يحتضر، وبدا ايضاً ان نجم ليونيل جوسبان رئيس الحكومة الاشتراكية يتلألأ أكثر فأكثر ويسبق كثيراً في استطلاعات الرأي الرئيس شيراك بالعديد من المناطق الفرنسية. بل والأسوأ من هذا كله بدا ان معسكر اليمين «رهينة» لدى اليمين المتطرف في العديد من الحالات وخاصة في جنوب فرنسا، إذ كان عليه ان يتحالف مع هذا اليمين المتطرف أو يفقد تماماً ما بقي له من سلطة ونفوذ. لقد قبل شارل ميون صديق شيراك ووزير الدفاع الفرنسي الاسبق التعاون مع الجبهة الوطنية اليمينية المتطرف في منطقة رون ألب التي عاصمتها مدينة ليون وسط فرنسا. رفض الرئيس بقوة مثل هذا التحالف مع من وصفهم بـ مجموعة من بقايا أنصار المارشال بيتان من الذين كان قد تعاملوا مع النظام النازي أثناء الحرب العالمية الثانية ومن النازيين، وحيث علق على ذلك جيروم مونو بالقول «انه يحس حيالهم بمقت واقعي وثقافي». ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك لم يتردد في ان يعلن موقفاً صريحاً من اليمين المتطرف: «أقول لليمين الجمهوري بأنه ينبغي احترام التزاماته التي كررها مراراً والتي أكد فيها بعدم التعامل أبداً مع اليمين المتطرف. وينبغي احترام هذه الالتزامات بحرفيتها وبروحها. وإذا كنت حريصاً على تحية أولئك الرجال والنساء ممن أثبتوا انهم يمتلكون شجاعة ونفاذ بصيرة كبيرين فإنني في الوقت نفسه لا يمكنني إلا أن أرفض موقف الذين فضلوا الانسياق وراء الألعاب السياسية على الاستماع لصوت ضميرهم. ان مثل هذا الموقف قد يكون خطيراً. كما أريد أن أقول لناخبي الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة بأنه ينبغي عليهم ايضاً أن يقيسوا مدى مسئوليتهم، وهل يقبلون المخاطرة بالاقتراع لصالح حزب ذي طبيعة عنصرية وكارهة للآخرين مثل الجبهة الوطنية»؟ مثل هذا التصريح بدا للكثيرين بمثابة اضاعة الرئيس شيراك لأي حظ في امكانية اعادة انتخابه لرئاسة الجمهورية عام 2002. وكان بعض قادة اليمين نفسه، أي اليمين الجمهوري من أمثال الان مادلان يشيرون للرئيس الفرنسي بأنه ينبغي القيام بنوع من المصالحة التاريخية مع جان ماري لوبن. لكن الرئيس شيراك لم يرد ان يستمع الى أي شيء من هذا القبيل ولم يغير موقفه «بوصة واحدة»، الأمر الذي جعله يكسب تقدير الملايين من الفرنسيين من غير الشيراكيين ـ أنصار شيراك ـ أو حتى من الذين كانوا مناهضين لشيراك والذين كانوا ينتمون الى مختلف المشارب. ان هؤلاء قد فهموا آنذاك انه يمكنهم اعطاء ثقتهم لرئيس مصمم على النضال ضد اليمين المتطرف. هكذا وفي كل مرة بدا فيها بأن الرهان يتعلق بالجمهورية وبقيمها وبأسسها الثابتة وبرفض العنصرية والعداء للآخرين، ظهر الرئيس شيراك صامداً حاضراً ومستعداً للحرب.كان موقف الرئيس شيراك جلياً واضحاً حيال بغضه الكبير للعنصريين وولعه الحقيقي بافريقيا أو اليابان أو بالفنون البدائية. هذا المقت لليمين المتطرف من قبل الرئيس معروف لدى جميع الفرنسيين بمن في ذلك انصار جان ماري لوبن أنفسهم. وجميع الفرنسيين ايضاً يعرفون بأن الرئيس الفرنسي الاسبق فرانسوا ميتران كان قد استغل ورقة اليمين المتطرف لفائدة اليسار عبر حرمان اليمين الجمهوري من نسبة مهمة من ناخبيه.لكن الرئيس جاك شيراك أعلن بوضوح وبقوة رفضه الكامل للتعاون مع اليمين المتطرف على الرغم مما كان يحمله مثل هذا الموقف من خطر خسارة سلسلة من العمليات الانتخابية. وضمن هذا الاطار بدا ان ليونيل جوسبان رئيس الحكومة آنذاك كان غائباً تماماً «نظرياً» و«عملياً»، كان المسار الذي انتهى بهزيمة مرشح اليسار في انتخابات عام 2002 الرئاسية قد بدأ آنذاك ولم يكن هناك من يمكن أن يكبحه. الحلف غير المقدس في الوقت نفسه أدرك الفرنسيون بشكل كامل بأن الهدف الحقيقي لزعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبن هو ان يمنع الرئيس جاك شيراك من البقاء في قصر الاليزيه، أي من جهة اخرى المساهمة في فوز المرشح اليساري الأوفر حظاً في معسكر اليسار ليونيل جوسبان بالمنصب الرئاسي. لذلك صعد لوبن من حملاته ضد الرئيس شيراك ووصفه بأنه «حافر قبر الأمة» لكنه فهم سريعاً بأن الرئيس لن يتراجع أبداً، إذ نقل له احد أصدقائه في صفوف حزب التجمع من أجل الجمهورية ـ يقيم لوبن صداقات مع حفنة من انصار شيراك ـ بأن الرئيس قد صرح ذات يوم: لوبن؟ انه ورم ينبغي استئصاله. من هنا أراد ان يساهم في فوز ليونيل جوسبان للانتقام منه.لقد وجد اليسار في جان ماري لوبن حليفاً موضوعياً له وهو حليف ذو وزن كبير. واعتبارا من عام 1999 بدأت مشكلة الامن تظهر وكأنها احدى القضايا الرئيسية التي يوليها الفرنسيون اهتمامهم وحتى أكثر من مشكلة البطالة التي تصيب اكثر من مليوني فرنسي. لقد بدت الدولة غائبة، ولا تقوم بدورها في ضمان أمن المواطنين. ولم يكن هناك أي لقاء عام لا يتم فيه طرح هذه المشكلة الحيوية والتعرض للسلطات العامة والى عجزها عن القيام بمهماتها بسبب ابتعادها عن الواقع وعدم تقديمها ما هو مطلوب للشرطة الوطنية من أجل التصدي للنواة الصلبة، لأولئك الجانحين الصغار الذين أصبحوا عامل قلق حقيقي في حياة البشر، وخاصة في العديد من الاحياء الشعبية. لقد فهم الرئيس جاك شيراك اهمية موضوع الأمن بالنسبة لمواطنيه الفرنسيين، وبأنه اذا نجح في تقديم اجابات جيدة على هذا الموضوع، فانه لن يحقق نجاحا اضافيا على المستوى الانتخابي فقط، وانما سيكتسب اكثر فأكثر صورة رجل الدولة الذي يعرف كيف يطمئن شعبه، لا سيما وان جانبا كبيرا من الفرنسيين يواجهون واقعا يثير الخوف في اعماقهم على حد تعبير الرئيس نفسه، وشيئا فشيئا اصبح هؤلاء الفرنسيون «يصغون» اكثر فأكثر لرئيسهم، وقد علق «الان جوبيه» على ذلك بالقول: «انطلاقا من شكليات حقيقية سوف يزيد الرئيس من مصداقيته لا سيما وان الاشتراكيين ليس لهم أية مصداقية في هذا الميدان الذي ينبغي علينا استثماره الى اقصى درجة ممكنة»، لقد غشي على بصر جوسبان والمحيطين به حيال مشكلة كلمة «أمن» الفرنسيين لا سيما بعد استقالة جان بيير شوفنمان من منصبه كوزير للداخلية في الحكومة اليسارية، هذا مع العلم بأن الفرنسيين كانوا يرون في بداية فترة التعايش بين الرئيس شيراك «اليميني» ورئيس حكومته «اليساري» بأن هذا الاخير ـ اي جوسبان ـ اكثر فاعلية في ميدان «مكافحة غياب الأمن» من رئيس الجمهورية.كانت المشكلة الامنية ذات اهمية حاسمة الى درجة تصريح باتريك ديفيد جيان، المقرب جدا من الرئيس جاك شيراك، في معرض تذكره لتلك الفترة: «لم يكن امامنا اي خيار آخر، اننا لم نكن نستطيع الفوز الا عبر اقناع الفرنسيين بأننا مصممون على مكافحة غياب الأمن، وبشكل حقيقي هذه المرة». ولم يتردد الرئيس جاك شيراك في متابعة «الضغط» بهذا الاتجاه، الامر الذي ازعج رئيس الحكومة ليونيل جوسبان الذي حاذر مع ذلك من ان يرتكب «الخطأ الفادح» الذي كان يتمثل في اتهام الرئيس بأنه يريد ان يقيم «دولة بوليسية» وان الكثير من الشرائح الشعبية التي يفترض ان تكون من بين ناخبيه بدأت بالمقابل بالتوجه نحو الرئيس جاك شيراك الذي اكد قوله: «اني سوف لن اتراجع امام الارهاب الفكري الذي يمارسه اليسار المرفه ـ يسار الكافيار» باختصار اظهر الرئيس فاعلية كبيرة على صعيد المكتب الامني الذي كان يستحوذ على اذهان اغلبية الفرنسيين. بالمقابل لم يكن الرأي العام «مغفلا» اذ كان يتذكر جيدا مدى ما اظهرته مختلف الحكومات السابقة، اليمينية منها او يسارية، من عجز في معالجة المشكلة الامنية، وكان هناك وزيران سابقان، احدهما يميني هو شارل باسكوا والآخر يساري و «هو» جان بيير شوفنمان قد اثارا بعض الامل بامكانية دحر غياب الامن، لكن سرعان ما بدا واقع عدم فعاليتهم الى درجة كافية تبعث الاطمئنان الحقيقي لدى الفرنسيين المعنيين، وقد عرف الرئيس جاك شيراك كيف يطرح نفسه كرجل الثقة في امكانية التعامل مع الملف الامني، هذا على عكس رئيس الحكومة «ليونيل جوسبان» الذي قدم في 3 مارس 2002 اي قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية بأسابيع قليلة، اجابات «مشوشة» حول مسألة الأمن، هذا لم يمنع من واقع ان تحليله كان منطقيا الى حد كبير ومتناسقا فكريا لكنه كان بعيدا كل البعد عن اهتمامات الفرنسيين هذا فضلا عن استخدامه صفة السذاجة حيال الطريقة التي تعامل فيها اليساريون، بمن فيهم هو نفسه، مع الملف الامني الدقيق، وكيف يمكن اذن اعطاء الثقة لـ «ساذج»؟! هذا ما عبر عنه احد المحللين السياسيين بالقول: «ان جوسبان بتصريحاته حول قضية الامن انما اثبت للفرنسيين بأنه كان يعيش على كوكب آخر. ولم يكن بمقدور الناخبين ان يغفروا له ذلك لا سيما وانه هو الذي يسير امور الحكم، وليس جاك شيراك، على صعيد الامن الداخلي، وضمن هذا السياق، اظهر الرئيس جاك شيراك مهارة سياسية عالية في مجال «طمأنة الامة» والتأكيد كلما سنحت الفرصة على ان «قضية الأمن» تتجاوز جميع الخلافات التقليدية لتشكل هما قوميا عاما ولم يكن ينسى بالطبع في كل مرة ان يشير الى عدم فهم اليسار «للأسف» لهذا الواقع. يسار الكشمير والكافيار في ذلك السياق ايضا اطلق الديغولي جان لويس دوريه الرئيس الحالي للجمعية الوطنية الفرنسية البرلمان ـ نبوءة قال فيها «اذا سقط رئيس الوزراء فان ذلك سوف يكون على خلفية المسألة الامنية» في الواقع كان رد فعل اليسار عند مواجهته للطلب المتزايد من الفرنسين لمعالجة غياب الامن ردا «سرياليا» لقد اكتفوا بتوجيه الادانات والاتهامات للافكار التي يقدمها الرئيس شيراك لمواجهة المشكلة، وبالتالي جلبوا المياه اكثر الى «طاحونته» ومن المثير للدهشة ملاحظة غفلة الاشتراكيين وعدم قدرتهم على رؤية حقيقة ان الرئيس جاك شيراك انما كان يلامس مشكلة حقيقية موجودة في صميم الاهتمامت الجماعية للفرنسيين وبالتالي لا يسعى فقط الى تحقيق مكاسب انتخابية، ووصل استخفاف ليونيل جوسبان بالامر الى القول: «ان الفرنسيين لا ينتخبون وزيراً للداخلية لقد كان لدى رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك الذي تحدث بلهجة فيها الكثير من «القرف والتعالي» الحق فيما قاله، لكنه نسي ان الفرنسيين ينتخبون «ابا للامة» وانه هو نفسه لا يستطيع ان يمارس هذا الدور بكفاءة باختصار وفي مواجهة التحدي الامني الذي اطلقه الرئيس جاك شيراك برزت ظاهرة عودة اليسار النخبوي ـ يسار الكشيمر والكافيار ـ الذي لا يحس بمطالب الطبقات الشعبية الى الواجهة بقوة .. وكان لابد ان يكون «اليسار الخاسر» ايضا، اليسار البرجوازي الذي لم يسمع شيئا.قبل ايام فقط من الدورة الانتخابية الرئاسية الاولى عام 2002 بدا ان جان ماري لوبن يتقدم اكثر فأكثر في مختلف استطلاعات الرأي العام، وقبل ظهور نتائج تلك الدورة بساعات فقط قال «فريدريك دوسان سيرفان» رجل استطلاعات الرأي في قصر الاليزيه قائلا لشيراك: «ان لوبن في المرتبة الثانية» لم يتفوه الرئيس عنها بفكرة واحدة، ثم اردف «سان سيرفان» قائلا: سيادة الرئيس انت في المرتبة الاولى» لكن جاك شيراك بقي صامتا مقطب الجبين كان يحدق البصر ببعض الذين يحيطون به والذين كانوا يكادون يصرخون: «لقد ربحنا لقد ربحنا».كان تفكيره يذهب في اتجاه آخر، وهذا ما عبر عنه مهندسي الحملة الانتخابية بالقول: «لم تعد المطروحة آنذاك هي الفوز في الدورة الانتخابية الثانية ـ الانتخابات الرئاسية الفرنسية تجري على دورتين بينهما اسبوعان ويتنافس في الثانية المرشحان اللذان يحتلان المرتبة الاولى والثانية في الدورة الانتخابية الاولى. عندما تم اعلان نتائج الدورة الانتخابية الرئاسية الاولى عام 2002 وجه ليونيل جوسبان كلمة في دقائق فقط، كلمة تلفزيونية للفرنسيين اعلن فيها انسحابه الكامل من الحياة السياسية الفرنسية ولكن دون ان يدعو صراحة لانتخاب جاك شيراك في الدورة الثانية، كان اليسار في السلطة آنذاك قد تحطم ولفترة طويلة من الزمن» وكان ليونيل جوسبان يدرك ذلك جيدا،ان اليساريين لم يفهموا كما يبدو اولويات الفرنسيين وخاصة المكانة التي تحتلها المسألة الامنية في اذهانهم لقد كانوا «ساذجين» فعلا. معركة مع لوبن كان الخطاب الذي القاه الرئيس جاك شيراك في مواجهة جان ماري لوبن واضحا وهذا ما عبر عنه قوله: «اننا نلتقي جميعا في انتمائنا للامة الفرنسية وفي رفضنا للتطرف والعنصرية والمعاداة للسامية ولكره الآخرين، واننا نرفض جميعا الحلول التبسيطية الفظة التي لابد وان تؤدي ذات يوم الى عنف الدولة، كما اننا نريد جميعا ان نعلن رفضنا للتخلي عن اوروبا، لان اوروبا تعني السلام وتعني الديمقراطية وتعني الحرية وتعني الازدهار» اي اوروبا، «الموحدة» . وقد رفض جاك شيراك الدخول في أية «مناظرة تلفزيونية» مع جان ماري لوبن، كما جرت العادة بعد الدورة الانتخابية الاولى بين المرشحين للدورة الثانية، وقد قال «دومينيك دوفيلبان» بهذا الصدد: «اننا لم نتردد ابدا، اذ كانت الاجابة واضحة في اذهاننا وهي: لا .. والف لا». في الواقع لم تكن المجابهة مع «جان ماري لوبن» بمثابة معركة حقيقية، وانما كانت بمثابة «تكريس للقيم الجمهورية الامر الذي عبر عنه بأفضل تعبير مئات الالاف من المتظاهرين، وخاصة من الشباب، الذين نزلوا الى الشوارع ـ عفويا ـ في العاصمة الفرنسية باريس للاحتجاج ضد «وصول: لوبن الى الدورة الانتخابية الثانية مع ما يمثله من فكر عنصري ـ وقد قال الرئيس جاك شيراك موجها حديثه لجماهير الشباب الذين نزلوا الى الشارع: «انني احيي الشباب في نضالهم ضد اشكال التطرف التي تسمم الديمقراطية وعندما يتعلق الرهان بالمسائل الجوهرية، يكون الشباب دائما في الخط الاول».اقبلت الجماهير على صناديق الاقتراع بكثافة يوم الانتخاب في الدورة الثانية وكانت اغلبيتهم تحمل بطاقة مكتوب عليها اسم «جاك شيراك» وهم يهمون لـ «دسها» في صناديق الاقتراع، ان جاك شيراك لم يحصل على ما بين 70% و 80% من اصوات الناخبين كما كان قد تمنى «جيروم مونو، مهندس حملته الانتخابية، وانما بالاحرى على 82% من الاصوات .. وكانت تلك هي جائزة وشجاعة السياسة».