السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 اسبوعان من «الحرب على العراق»، ويبدو انه بات يمكن لنا اجراء تقويم أولي طفيف للحملة «وفي واقع الحال تقويم أولى للتوطئة للمقدمة لمستهل قبل بدء المعركة». اذا ما الذي كان لنا حتى الآن. أولا، لدينا خوف متعاظم من ان قيادة القوة العظمى الوحيدة في العالم هي في أيدي ثلاثة اشخاص - واحد يعطي انطباعاً فاسداً، وآخر يعطي انطباعاً غير انساني، وثالث يعطي انطباع المهمل - وثلاثتهم يعانون من مشاكل نظر عسيرة. ثانيا، لدينا درس مفيد لكل دكتاتور يسعى الى ضمان استمرار طغيانه الاعتيادي. فهذان الاسبوعان القصيران علماه انه فقط اذا ما سارع وتسلح بسلاح نووي يكون حصينا من جيش التحرير التحالفي. واضح على نحو جلي ان مصلحي العالم الاميركيين يتعاطون فقط مع معوزي الذرة، أما أصحاب بسطة الذرات «البذور» فيحظون بعلاج دبلوماسي حذر وخلوق. وبتعبير آخر، تعلمنا ان مطاردة خرقاء جدا وراء اسلحة الدمار الشامل، تؤدي بلا ريب الى حث انتشارها. ثالثا، في كل يوم يمر تغدو الذرائع الرسمية لشن هذه الحرب مدحوضة أكثر وسخيفة أكثر. فخطابات الرئيس بوش التي تهدد بأن تستمر الحرب حتى يرفع آخر عراقي يديه فيُحرر، تبدو وكأن جوزيف هيلر أو دزيغان وشوماخر هم الذين كتبوها. ويبدو أكثر فأكثر ان ليست هناك نية لتحرير العراقيين سياسياً، بل تحرير أرواحهم من قيود أجسادهم. كما ان ذريعة الاسلحة الكيماوية والبيولوجية آخذة بالتبدد رويدا رويدا. فلغير المبالغة، أود ان أذكر الاميركيين انه قبل شهرين ناشدتهم ان يجلبوا معهم بضع البراميل من الكلور أو شيئا كهذا كي يتسنى لهم ان يعرضوه بافتخار أمام عدسات الكاميرا. وفقط يجدر العودة لتذكيرهم ألا ينسوا نزع شارة «صنع في أميركا» ولا يمكنني ان أصبر لأمتنع هنا عن ذكر نكتة وصلتني من بلاد التحالف. فمذيع نشيط يسأل وزير الدفاع الاميركي: «سيد رامسفيلد، كيف أنك واثق بهذا القدر بأن لدى صدام حسين سلاحاً كيماوياً وبيولوجياً؟»، «هذا بسيط جدا»، يجب رامسفيلد، «فقد احتفظت بالوصولات». رابعا، كل يوم يتبلور ويتضح الاستنتاج بأن جذور هذه الحرب هي اقتصادية في أساسها. فلا يدور الحديث، عن سرقة النفط نفسه. ولا حتى عن السيطرة على تجارة النفط العراقي بشكل يتيح للولايات المتحدة ان تهز منظمة الاوبيك، ولا العكس. بل بنهج فظ أكثر بكثير. يكفي متابعة سطحية للصحف الاقتصادية العالمية كي يتبين ان المتاجرة في عقود اعادة ترميم العراق «المحرر» تحظى بزخم متسارع. صفقات بمئات ملايين الدولارات تدور في الأجواء. ومن بين العطاءات يطل نهج محافظ جديد رائع لانتعاش اقتصاد أعرج: في البداية يخربون دولة غنية بالنفط، وبعد ذلك يوزعون عطاءات الترميم على شركات امريكية «ومن المرغوب فيه ان تكون هذه الشركات مقربة من الفاسد، أو الشرير، أو الأرعن»، وعندها يدفعون لهذه الشركات من مال النفط العراقي المرمم. وكل ذلك في ظل ادارة عيون تدعي العدل والقيم واعلان احتفالي بأن ها هو العالم كله يمكنه ان يتبين ان كل النفط العراقي بالفعل لا يتدفق الا من اجل رفاه الشعب العراقي. وحقيقة انه في طريقه من البئر العراقية الى رفاه الشعب العراقي يعقد ايضا توقفا انتقاليا حبيبا في عدة شركات امريكية، لا ينبغي ان تثقل على الانسانية المريضة لهذا الخليط برمته. خامسا، تعلمنا - ونحن نواصل التعلم كل يوم - انه ليس جيدا ان يكون العالم وحده مع قوة عظمى واحدة فقط. فنحن نحتاج الى واحدة اخرى على الأقل. وسادسا، كان يفترض بنا ان نتعلم انه لا يمكن العودة بالدولاب الى الوراء. وبالفعل، لم يعد هناك أي شخص يؤمن بجدية بأنه يمكن ان ينتج عن هذه الحرب شيء طيب. لا في المدى القصير، وبالتأكيد ليس في المدى الطويل. انها لن تنتج سوى الكراهية والارهاب والموت والكثير الكثير من المشاكل لليهود. ومع ذلك، يحرك الجميع رؤوسهم في فهم يستطيب التعذيب ويعلنون بأن بوش لا يمكنه ان يتوقف الآن، خشية ان تتضرر صورته الذكورية. ولولا تخوفي من ان أعتبر سليط اللسان لكنت أجمل قولي ان هذه لم تعد حربا من اجل الحرية، بل فقط من اجل الحجم. ومع ذلك، اسمحوا لي ان اقترح على اعضاء التحالف سبيلا للتخلص من الوحل. ان يعلنوا رجاء بأن العراقيين ناكرون للجميل، فلم ينثروا الأرز ولم يطيروا الحمام ولم ينشدوا التهاليل، بل أثبتوا انهم غير جديرين بكل هذا الجود الذي تغدقه عليهم القاذفات المتملصة. وعليه، فليعد المحررون من حيث جاءوا، ويتركوا العراقيين لمصيرهم بين البراثن، ويكفوا فورا عن مهمة اخراجهم من العبودية الى الحرية. وليكن هذا عقابهم. عن «يديعوت أحرونوت»