السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 قبل نحو عام من الآن، نشر فيلسوف الماني مغمور ـ آنذاك ـ هو اوزفالد شبنغلر كتيباً صغيراً تصدر المبيعات ، بعنوان «اضمحلال الغرب». كان في اسلوبه بعض الشيء من غموض وعدمية نيتشه وفاغنر، مزيج شرير ساهم بعض الشيء في ظهور الهتلرية والموسولينية، وبشكل غير مباشر الشيوعية اللينينية الستالينية. على النقيض من ذلك كان سبنلغر مخطئاً مئة في المئة على جبهة الاقتصاد. فبينما توقع انهياراً للغرب في القرن العشرين، سجل التاريخ الاقتصادي في هذه المرحلة ازدهاراً ضخماً للنمو الاقتصادي اعتمد اساساً على العلوم والتقنية والاسواق العالمية. واللعنة التي اطلقها مالتوس ودارويف قد وجدت ما يبطلها لأول مرة خلال مئة الف عام من علمي الجغرافيا والآثار، بعد ان قالا ان نزعة البشرية للتكاثر المفرط ستقود الحضارات بفعل محدودية البيئة بشكل محتوم نحو النهاية الميتة لقانون العوائد المتناقصة. في كل اوروبا واميركا الشمالية ـ اي الغرب ـ اصبحت حياة الانسان اطول واسهل. وبعد عام 1950 اصبحت المجتمعات الآسيوية في حافة الهاوية قادرة على تحقيق ارباح ضخمة في مواجهة المناطق المصنعة المتقدمة. لكن ما لم يتوقعه اوزفالد شبنغلر وكارل ماركس وارنولد توينبي هو الاعذار المختلفة لهذا الغرب. فمنذ عام 1990، وقبل ذلك في فرنسا، بدأت الطبقات الوسطى المتعلمة والمرتاحة تفقد المقدرة على التكاثر بأرقام ثابتة.هذا الانخفاض في الحضور وعدد الولادات ليس له علاقة بالمقدرة التناسلية البدنية للبشر بين عمر 16 و 45 عاماً. فالعلماء يقولون ان وفرة الغذاء والحياة المريحة قد زادت من المقدرة التناسلية نظرياً. غير ان المقدرة على اختيار التكيف مع واقع الحياة الحضرية المكتظة المعاصرة هي التي غيرت كل شيء. لكن هل كان ذلك في كل مكان؟ عملياً في كل مكان. فاليابان ليست من الغرب غير ان اليابان هي في مقدمة المجتمعات التي لم يعد يستطيع فيها كل زوجين انجاب اكثر من طفلين وهو العدد الضروري لابقاء التعداد السكاني بعيداً عن تراجع جوهري محتوم. الشيء نفسه ينطبق على كوريا والصين. ايطاليا التي كانت يوماً ما ارض الاطفال شهدت التغير نفسه. ومنذ سبعين عاماً مضت حذر غونار وألفا ميردال في السويد اللذان حازا لاحقاً على جائزة نوبل من ان تراجع اعداد الاسكندنافيين في المستقبل وكانا محقين بذلك كما تبين لاحقاً. اميركا وهي القائد المزعوم للعالم ليست استثناء. وما حدث خلال الكساد العظيم الذي اعقبته الحرب العالمية الثانية قد طغى وعكس مؤقتاً هذا التحول السكاني العالمي الرئيسي. ابنائي الستة الذين ولدوا في جيل الازدهار الاقتصادي بين 1945 و 1960 سيصلون سن التقاعد اوائل هذا القرن. لكن احداً منهم ليست لديه ستة اطفال. وقدرهم هو «ضربة مزدوجة»: (1) فيما سيتضخم عدد المتقاعدين (2) فإن نسلهم، الذي يدعم الناتج المحلي الاجمالي يجب ان يوفر لهم سبل الحياة من الضرائب التي يدفعها، سيتراجع في اعداده. لكن لماذا أذكر بهذه التمويلات المعروفة للجميع؟ افعل ذلك لأن الرئيس جورج بوش في البيت الأبيض والنواب الجمهوريين في الكونغرس قد فهموا علم اقتصادات دورة الحياة الحديث وسياساتهم الضريبية الحالية ستكون عكس تخفيضاتهم الضخمة المقترحة على الضرائب للمقتدرين. وهذا التآكل الدائم في القاعدة الضريبية سينتهي بتقليص الموارد الأميركية المتاحة الآن لتشكيلات رأس المال المملوكة لأميركا والتي سنحتاجها بدءاً من عام 2020 وما بعده. نحن والاقتصاد العالمي لم نصبح بعد في حالة مظلمة يائسة. فهناك دوماً العزاء بتقدم علمي وتقني حقيقي. فهل ريغان وبوش مخطأين في المبالغة بقناعتهما أن القوانين الضريبية التي تفيد أساساً المقتدرين مسبقاً ستسرع جداً إيقاع هذا التقدم العلمي الحيوي؟ التاريخ يظهر أن الأمر لم يكن على هذا النحو في ثمانينيات ريغان ولا في عشرينيات هربرت هوفر وحينما يدرس اقتصاديو المستقبل لفقاعة وول ستريت بين عامي 1995 و2000، سيجدون ان تسارع عامل الانتاجية الاجمالي انما تم بفضل شركات كولتيكس و«إم.آي.تي» وبيركلي والمعاهد الوطنية للصحة وكل النظام التعليمي. وموارد التقدم الاقتصادي لن توجد في مكاتب المحامين أو في الأوراق المنمقة لجهابذة المحاسبة الجاهزة للإيجار. وهذه الرسالة ليست لأميركا، فحسب. فالإدارة جيدة التنظيم للشركات وهي ضرورة لا بد منها للمجتمعات في كل مستويات التطور والنضج. إن ديمقراطية الأغنياء هي عدو التقدم الاقتصادي وليست صديقته. خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»