«الكمنجة» أحب آلة موسيقية للوجدان السوداني

الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 تعد «الكمنجة» الآلة الموسيقية الغربية الاكثر ارتباطاً بالوجدان السوداني والاحب للسودانيين، اذ كانت اول الآلات الموسيقية الغربية التي صاحبت الاغنيات الام درمانية المعروفة في السودان باسم «اغاني الحقيبة» التي تم تسجيلها في القاهرة على الاسطوانات (الفونوغرافية) وسادت كأغان وطنية، ومن ثم اخذ الغناء السوداني شكله الذي وضعه الرواد. وتشكل «الكمنجة» عنصراً اساسياً في الموسيقى السودانية، اذ ارتبطت بالوجدان السوداني لانها صاحبت الاغاني الامدرمانية الاولى إلى جانب البيانو والقرب الاسكتلندية وهي التي احدثت نقلة نوعية، وطفرة فنية كبيرة للاغنية السودانية، ذلك ان الاغاني الامدرمانية التي كانت تعتمد على جزالة الفاظها لم تكن محتاجة الا إلى ايقاعات بسيطة تحدثها آليا (الرق) و(المثلث الحديدي) و(التصفيق) والكورس (الشيالين) الذين يرددون مطلع الاغنية في كل فاصل في الاغنية، فأسند الترديد والتطريب للآلات الموسيقية الغربية بدلا عنها. والامر الذي لا شك فيه ان (الكمنجة) قد دخلت السودان مع جيش الغزو الانجليزي الذي قاده (اللورد كتشنر) وفتح الخرطوم العام 1898م الا انها كانت قاصرة آنذاك على الجنود الانجليز ولم تكن معروفة عند السودانيين. وفي العقد الاول من القرن الماضي عرفت للسودانيين بوساطة (الشوام) الذين قدموا للسودان موظفين وتجاراً، وكان لهم فضل في ظهورها في العديد من المدن السودانية إلى جانب بعض افراد الجاليات الاجنبية. وفي العقد الثاني تم تكوين (فرقة موسيقى قوة دفاع السودان) للترفيه عن الجنود الانجليز، وكان يقودها انجليزي يدعى (شيت) كان عازفاً ماهراً على آلتي (الكمنجة والبيانو). فتعلم عدد من العسكريين السودانيين العزف على (الكمنجة) والعديد من الآلات الموسيقية الغربية الاخرى، وكان لهم الفضل في شيوعها بين السودانيين، اذ كانوا اول من استخدمها في الموسيقى السودانية، حيث كانوا يعزفون بها (المارشات العسكرية) سودانية اللحن، وساهموا في تعليم اعداد كبيرة من السودانيين على الآلات الموسيقية الغربية عامة، و(الكمنجة) خاصة، ومن ابرز هؤلاء الرواد المعلمين (حسن التوم) و(احمد مرجان) الذي كانت له بصمات واسهامات واضحة، وكان منذ نهاية العقد الثاني يقوم بتدريس العزف على (الكمنجة) على تقنيات المدرسة الموسيقية الغربية. وفي نفس هذا العقد ظهرت الفرق الفنية للجاليات الاوروبية، والفرق الفنية الاوروبية التي كانت تزور السودان باستمرار، كما ظهرت عند افراد من الجاليات الاجنبية المختلفة، خاصة في العاصمة وودمدني وبورسودان وغيرها من المدن الكبرى. وفي النصف الثاني من العقد الثاني ظهر الرواد الاوائل من عازفي الكمنجة من غير العسكريين السر عبدالله، الدكتور محمد آدم ابراهيم وبدر التهامي الذي قال انه قد تعلم العزف على الكمنجة خلال اعوام (27 ـ 1929م) في ودمدني على يد السوري انور الحلاق فيما قال د. آدهم انه قد اجاد عزف (الكمنجة) عام 1929. وقال الكمنجست عوض فضل الله انه شاهد بنفسه السر عبدالله يعزف على الكمنجة في زواج بحيهم بصحبة الفنان الرائد المشهور كرومة في اغنية (يا رشأ يا كحيل غيثني) وقال الدكتور الموسيقار الفاتح الطاهران (السر) شارك بالعزف على (الكمنجة) في زواج شاعر الاغنية الامدرمانية الكبير عبيد عبدالرحمن ثم اصبح يصاحب الفنان الاشهر (الحاج محمد احمد سرور). الرائد «السر» نشرها ويعود الفضل في استخدام (الكمنجة) كآلة اساسية في الاغنية السودانية كما يؤكد الجميع للرائد (السر) وهو الذي نشرها في جميع انحاء السودان، وجعل قلوب الجميع تتعلق بها حين سماعهم عزفه المصاحب للفنانين الرواد الذين سجل معهم (الاسطوانات الفونوغرافية) في القاهرة بداية من عام 1930 حيث سجل مع الفنان سرور ست اغنيات، وسجل مع خليل فرح الاغنية الوطنية السودانية الاشهر على الاطلاق (عزه في هواك نحن الجبال) وصاحبه في انشاده للبائية العربية المشهورة (اعبده ما ينسى مودتك القلب). كما سجل مع الفنان الرائد اسماعيل عبدالمعين اغنيات (جبال التاكا ـ قابلتو مع البياخ ـ حجبوك ياضوء القمر).. وكانت هذه اول الاغاني التي يغنيها فنان سوداني منفرداً بدون الكورس (الشيالين) وقد اعتبرت هذه الاغاني نقلة فنية كبيرة. وكان للرائد د. ادهم دور كبير في ادخال هذه الآلة في مصاحبة الغناء السوداني، وتشجيع الجيل الثاني من الفنانين الرواد على الاعتماد على الآلات الموسيقية الغربية، واعتاد الفنانون الرواد سرور ـ احمد المصطفى ـ حسن عطية تمضية امسية الخميس من كل اسبوع بمنزله بحي الضباط بام درمان، حيث يصاحبهم بالعزف على (الكمنجة) وكان ذلك حدثاً فريداً شكل نقلة تاريخية للاغنية السودانية. ويقول اهل الفن ان اهم الاسباب التي جذبت الناس إلى الكمنجة صوتها الشجي. الاسطوانات الفونوغرافية التي قام بتسجيلها (الكمنسجت) الرائد (السر عبدالله) في القاهرة للفنانين الرواد (سرور وكرومة وخليل واسماعيل عبدالمعين) والتي كانت تنبعث من اجهزة (الفونوغراف) التي انتشرت في منازل الموسرين والمقاهي والنوادي. انشاء الاذاعة السودانية وبثها للاغنيات الحديثة التي كانت تعتمد كلياً على آلتي العود والكمان. انشاء رابطة الفنانين السودانيين التي كرست استخدام (العود والكمنجة) في الغناء السوداني، حيث كان عدد من اعضائها يقومون بعزفها، وتعليم زملائهم العزف عليها.. وكانوا يعتمدون في تعلم العزف على التلقين، فيحفظون الالحان ويعزفونها بالاعتماد على موهبتهم السماعية والفطرية في اصدار نغمات متوافقة مع الالحان والانغام التي يحفظونها عن ظهر قلب. وجود محلات لبيع الآلات الموسيقية الغربية، اذ كان هناك متجر الارمني (زوريان) بالخرطوم، والاغريقي سوداني الام (ديمتري البازار) في ام درمان. تستوطن وجدان السودانيين وبعد ان استقرت (الكمنجة) في وجدان الشعب السوداني وكونت رصيداً من المعجبين بصوتها الشجي العذب، برزت للوجود عدة مؤلفات موسيقية سودانية خالصة بهذه الآلة الساحرة، اشهرها مقطوعة (الادهمية) التي سميت باسم مؤلفها، ومقطوعة (الدوبيت السوداني) لحسن خواض، وتلتها مقطوعة (كونشرتو) الربيع لعلاء الدين حمزة، ومعزوفة (ماضي كمان) لعبدالله حامد العربي.. وقد كان عزف كل واحد من هؤلاء الرواد يشف عن شخصيته واسلوبه الادائي المتميز، لانه كان يصدر من اعماق عواطفهم الانسانية، ويعبر عن روحهم الابداعية، فارتقوا بمستوى الذوق السوداني، وبمستوى الاداء الموسيقي. وقد برز عازفون ذوو احساس مرهف اسندت اليهم كثير من الجمل الموسيقية التي تؤدي عزفاً منفرداً كان من ابرزهم السر عبدالله، بدر التهامي، حسن الخواض، الماحي اسماعيل، علاء الدين حمزة، عبدالله حامد العربي ومن بعدهم المبدع (محمدية). وقد اتيحت لبعض العازفين فرص دراسة (الكمنجة) بالخارج. كان اولهم (السر عبدالله) درس في معهد فؤاد الاول للموسيقى في آواخر الثلاثينيات، تلاه (الماحي اسماعيل) الذي درس (الكمنجة) لمدة ثلاث سنوات في انجلترا، وسافر (عبدالله حامد العربي) بداية الستينيات إلى النمسا ودرس في معهد (فينا براتس)، وفي آواخر الستينيات درس محمدية بمعهد الموسيقى العربية بالقاهرة. ولم تجد (الكمنجة) الدراسة المتخصصة بالسودان الا عندما قدم الايطالي (اوزو مايسترلي) الذي بدأ بتدريسها بالاذاعة عام 1957م وكان مايسترلي الذي درس في (كونسرفتوار فلورنسا) بايطاليا قد عمل عازفاً أولاً (للكمنجة) باوركسترا (اوبرا فلورنسا) ونصحه الاطباء بالعيش في المناطق الحارة، فذهب إلى اثيوبيا، ثم جاء للسودان، وتعرف عليه الكمنجست (الماحي اسماعيل) ونقل خبره للمسئولين، وتم تعيينه مدربا لعازفي (الكمنجة) بفرقة الاذاعة السودانية الموسيقية، وتعتبر مرحلة (مايسترلي) بمثابة الانتقال من تعلم العزف على (الكمنجة) بالتلقين إلى التعليم بالدراسة العلمية المتخصصة. من التلقين إلى التعليم وقد اسهم مشكوراً في رفع قدرات العازفين (التكنيكية والتعبيرية) وقد تعلم على يديه ابرز عازفي الكمان في السودان الذين كان لهم اكبر الاثر في نهضة الموسيقى السودانية.. وبذل (مايسترلي) جهوداً كبيرة في تصحيح اخطاء عازفي (الكمنجة) الذين تعلموا عن طريق التلقين، كما قام بتدريبهم على عزف الاعمال الموسيقية العالمية التي تستخدم السلم السباعي فوسع مداركهم، وفتح آفاق مواهبهم وابداعاتهم. ويذكر اهل الفن بالعرفان كله الدور الذي قام به الفنان المصري العازف البارع الاستاذ (مصطفى كامل) مدرس آلة (القانون) بالمدارس المصرية بالخرطوم والذي تمت الاستعانة به كموجه ومدرب لفرقة الاذاعة السودانية الموسيقية، فقام بجهود كبيرة، واحدث نقلة حقيقية في الاغنية السودانية، حيث قام بكتابة وتوزيع الاغاني السودانية على الآلات الموسيقية، واظهرت توجيهاته عازفين مقتدرين على رأسهم بدر التهامي وعلاء الدين حمزة والخواض والعربي ومحمدية، ثم كان التوسع في دراسة الموسيقى بقيام معهد الموسيقى والمسرح وتطوره إلى كلية جامعية.

طباعة Email