صفقات تجارية تحت غطاء سياسي. مهندس الحرب الأميركي يبحث عن صفقات لشركته الأمنية الخاصة, بيرل يقع في مصيدة تضارب المصالح سيئة الصيت في واشنطن

الاربعاء 30 محرم 1424 هـ الموافق 2 ابريل 2003 في قمة نشاطه التجاري كوسيط في منتصف السبعينيات، استطاع رجل أعمال سعودي أن يتوسط في صفقات سلاح قدرت قيمتها بمليارات الدولارات وأن يحقق منها مئات الملايين من الدولارات في صورة عمولات وأجور. وعلى الرغم من أنه غير مدان بأي جرم، إلا أنه تورط في نزاعات مع محاكم اتحادية أميركية ومع مفوضية البورصة الأميركية كما رفعت عليه دعاوى مؤخراً في تايلاند ولوس أنجلوس من بين مناطق أخرى بتهم تتعلق بالتلاعب بأسواق الأسهم والفساد. وخلال عهد الرئيس الأميركي الاسبق رونالد ريغان كان هذا التاجر الوسيط بين أوليفر نورث في البيت الأبيض والقادة الإيرانيين بخصوص ما عرف بعدها بفضيحة إيران ـ كونترا. وقد زعم بعدها أنه خسر عشرات الملايين من الدولارات دفعها كضمانات للحصول على الأسلحة لإيران لتكون فدية (بموافقة الرئيس) للرهائن الأميركيين. ويبدو أن الفضائح في تلك الأيام كانت تتوالد من بعضها، إذ كشف تحقيق أجري في الكونغرس أنه كان قد اقترض هذه الأموال من مصرف مالبث أن انهار محدثا ضجيجا عالميا. غير أن هذا التاجر السعودي لايزال يعمل وسيطاً، ففي يناير الماضي رتب اجتماعاً على الغداء في فرنسا بين صناعي سعودي تغطي ثروة عائلته شركات إنشاءات والكترونيات وصناعات هندسية في كل الشرق الأوسط وريتشارد بيرل رئيس لجنة السياسة الدفاعية (وقد قدم استقالته مؤخراً من هذا المنصب) في البنتاغون، وهو أفصح خطباء الحرب الأميركيين وأكثرهم نفوذاً. إن لجنة السياسة الدفاعية هي لجنة استشارية تتشكل أساساً من مسئولين حكوميين سابقين مهمين جداً وأكاديميين وضباط عسكريين متقاعدين. وتتضمن في عضويتها، غير مدفوعة الأجر، مستشاري الأمن القومي ووزراء الخارجية ومديري الـ «سي آي ايه» السابقين.. وتجتمع اللجنة عدة مرات في السنة في البنتاغون لدراسة وتقويم السياسات الاستراتيجية للدفاع الوطني. بيرل هو أيضا شريك إداري في شركة استثمارية جديدة هي «ترايريم بارترنز إل بي» التي تم تسجيلها في نوفمبر 2001. أما عمل «ترايريم» الرئيسي، كما ورد في رسالة من صفحتين أرسلها أحد مندوبيها للتاجر السعودي في نوفمبر الماضي، فهو الاستثمار في الشركات التي تعمل في مجال التقنية والسلع والخدمات ذات الأهمية بالنسبة للدفاع عن الأمن القومي الأميركي الداخلي، وأفادت الرسالة ان الخوف من الارهاب سيزيد الطلب على مثل هذه المنتجات في أوروبا ودول أخرى من السعودية وسنغافورة. وأكدت الرسالة على صلات الشركة بالحكومة الأميركية على نحو واضح: «إن ثلاثة من اعضاء مجلس إدارة «ترايريم» هم حالياً من يقدمون المشورة لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد عبر عضويتهم في لجنة السياسة الدفاعية في مجلس الشيوخ، وريتشارد بيرل هو رئيس هذه اللجنة. أما الاثنان الآخران فهما هنري كسينجر وزير الخارجية الأميركي الاسبق (وهو في الحقيقة عضو في الفريق الاستشاري لترايريم ولا يقوم بدور إداري) وجيرالد هيلمان المستثمر الذي له علاقات تجارية مع بيرل ويقوم ببعض الشئون في فرع «ترايريم» في نيويورك. وقد حققت الشركة حتى الآن 45 مليون دولار، بينها 20 مليون من بوينغ، وهذا ما سيجذب مزيداً من المستثمرين ومنهم التاجر السعودي. عمل بيرل مستشاراً للسياسة الخارجية في حملة جورج بوش الانتخابية للرئاسة، فقد كان مساعداً لوزير الدفاع في عهد ريغان. إلا أنه اختار عدم الحصول على منصب رئيسي في هذه الإدارة. إلا أنه قبل أواسط 2001 عرضاً من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد لرئاسة لجنة السياسة الدفاعية والتي كانت حتى ذلك الوقت مجموعة غامضة تم تشكيلها في وزارة الدفاع عام 1985. ومع أن اعضاءها (حوالي 30 منهم) يمكن أن يكونوا في خارج الحكومة، إلا أنهم يطلعون على المعلومات السرية وامكانية الاتصال بكبار السياسيين وتقديم الشورة ليس فقط بخصوص السياسة الاستراتيجية بل وحتى مسائل مثل مشتريات القوات المسلحة. ومعظم أعمال تلك اللجنة تبقى سرية. وباعتباره رئيسا لهذه اللجنة، فإن بيرل يعتبر مسئولاً حكومياً خاصاً، وبالتالي يخضع لمعايير السلوك الفيدرالية. وهذه المعاير تحظر على أي مسئول خاص ويقول محام ساهم في صياغة معايير السلوك: «أحدى القواعد العامة هي الا تستفيد من منصبك الحكومي لمساعدة نفسك مالياً بأي طريقة كانت. والهدف من ذلك هو حماية الاجراءات الحكومية من اي تضاربات فعلية أو شكلية». إن المجموعات الاستشارية مثل لجنة السياسة الدفاعية توفر الفرصة للعارفين من خارج الحكومة لوضع خبراتهم وتجاربهم في اطار التنفيذ حول القضايا السياسية المهمة، ولكون هؤلاء الخبراء على صلات بالصناعة العسكرية في أغلب الأحوال، فإن هذه التضاربات لابد منها. وقد قال لي عضو في إحدى هذه اللجان إن معظم الاعضاء هم ناشطون في مجال المال والأعمال وأن أحد الاعضاء في مرة واحدة على الأقل غادر الاجتماع حينما خضع منتج عسكري أو استخباري له مصلحة فيه لبعض المناقشة. وقال لي أربعة اعضاء في لجنة السياسة الدفاعية التي اجتمعت آخر مرة يومي 27 و 28 فبراير الماضي لم يكونوا على علم بعلاقة بيرل بشركة ترايريم. وأحد أعضاء اللجنة حين أخبرته بهذه العلاقة وباجتماع بيرل مع التاجر السعودي قال متعجباً: «آه، مستحيل إنه الرئيس! إذا كانت لديك قصة عن تأسيس شركة أمن داخلي وطني وأني عقدت اجتماعاً بين اعضاء اللجنة وألئك الذين أقوم بهذا العمل التجاري معهم، فأكون قد فعلت» وذلك في إشارة إلى جيرالد هيلمان الذي ليست له تقريباً أي خبرة سياسية أو عسكرية رفيعة المستوى في الحكومة ومع ذلك دخل عضوية اللجنة. وأضاف: «يبدو لي أن هذا هو نهاية المواثيق الأخلاقية. أعتقد أن الأمر سيكون فضيحة نتنة». هيلمان، وهو مستشار سابق لشركة ماكينزي، أذهل أحد اعضاء اللجنة على الأقل في اجتماع فبراير الماضي، حينما أثار الشكوك حول مصداقية عقود النفط العراقية المبرمة فعلاً. وقال لي هذا العضو: «إن العقود القديمة هي أخبار سيئة، وقال إننا يجب أن نركل الروس والفرنسيين خارج العراق. كانت تلك محادثة. لقد اصبحنا وسطاء. ثم نبدأ بعدها ببيع عقود مستقبلية في شركة النفط العراقية. قلت في نفسي: يا رجل، لا تمضي في هذا الطريق! لكن هيلمان أنكر انه قال شيئا من هذا في ذلك الاجتماع. وعلاقة بيرل بترايريم لم تكن الكشف الاول عن الصلات بين مدير مالي كبير ومسئول سياسي كبير. امضى بيرل عقداً من الزمان موظفاً في مجلس الشيوخ قبل ان يترك الوظيفة الحكومية عام 1980 ليعمل في شركة استشارات عسكرية. وفي العام التالي عاد للحكومة مساعداً لوزير الدفاع. وكان عام 1983 موضوعاً لتحقيق اجرته «نيويورك تايمز» لانه اوصى بشراء الجيش الاميركي لاسلحة من شركة اسرائيلية كان قبل سنتين قد قبض من ملاكها اجوراً بلغت 50 الف دولار. وقد اعترف بيرل لاحقا انه قبض هذا المال، لكنه انكر بقوة قيامه بأي مخالفة. ويقول انه لم ينقذ نفسه من هذه القضية لان الاجور التي تلقاها كانت عن عمل قام به قبل ان يتسلم منصبه في وزارة الدفاع. لكنه يقول: «القضية الجوهرية، بالطبع، هي ان ما نتحدث عنه كان قضية مشتريات عسكرية، وانا لم اكن مسئولا عن المشتريات». ولم توجه له اي تهمة اخلاقية عن ذلك. وعمل بيرل في البنتاغون حتى عام 1987 ثم اصبح غارقاً بعد ذلك في سياسات جماعات الضغط والتجارة. ومن بين التزامات عديدة يقوم بها في عالم الشركات، يعمل الآن مديراً لشركة لها اعمال مع الحكومة الاتحادية: اوتونومي كوربوريشن وهي شركة بريطانية فازت مؤخراً بعقد حكومي كبير في ميدان الامن الداخلي. وحينما سألت بيرل عن العقد قال لي انه لم يكن هناك اي تضارب محتمل لأن العقد ارسي من خلال مناقصة وانا لم اتحدث مع احد بشأنه». وتحت رئاسة بيرل اصبحت لجنة السياسة الدفاعية مؤثرة على نحو متزايد. فقد استخدامها كاداة تنمر على المعارضين في ترويجه للاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين واستخدام العمل العسكري الاستباقي لمواجهة الارهاب ولبيرل حلفاء كثر في هذا الرأي مثل بول ولفوتز نائب وزير الدفاع، لكن كانت لها معارضة مكثفة في كل المؤسسات الحكومية وخصوصاً وزارة الخارجية واصبحت الحرب الاستباقية منذ ذلك الوقت الفكرة الرئيسية في السياسة الخارجية للادارة الاميركية. وقد تحدث إلى مسئول استخباري سابق رفيع بقدر من الرعب عن مقدرة بيرل على «تغيير السياسة الحكومية بشكل جوهري على الرغم من انه خارج الحكومة. انه انجاز يستحق الاعجاب ان يستطيع شخص بدون مسئوليه تحقيق هذا القدر من النفوذ، بل واعطى ايضاً قاعدة دستورية لنفوذه هذا. نفوذ بيرل في ادارة بوش تعاظم نتيجة علاقته الوثيقة السياسية والشخصية مع العديد من وجوه الادارة المهمين مثل ولفويتز ودوغلاس فيث وكيل وزارة الدفاع للشئون السياسية الذي يعتبر المدني الثالث في البنتاغون. وكان فيث عام 1989 قد اسس شركة الاستشارات الدولية لتكون شركة ضغط زبونها الرئيسي الحكومة التركية. وحينها استخدمت الشركة بيرل كمستشار لها حتى عام 1994. وفيث لم يحصل على منصبه الحالي، كما اخبرني مسئول رفيع سابق في وزارة الدفاع، الا بعد ان تدخل بيرل شخصياً مع وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي كان يتشكك فيه. وبدأ فيث بالمشاركة مباشرة في التخطيط الاستراتيجي وسير العمليات العسكرية ضد طالبان في حرب افغانستان كما قام بإدارة أوجه عديدة من التخطيط للحرب في العراق وما بعدها. ويشترك مع بيرل في الكثير من الآراء حول السياسة الخارجية. فكلاهما كان يدعو للقضاء على حكومة صدام حسين منذ سنوات وقبل وقت طويل من 11 سبتمبر كما عملا معاً لاعداد قائمة من المبادرات السياسية لرئيس الوزراء الاسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو مباشرة بعد انتخابه وكانت تلك الاولويات تتضمن الاطاحة بصدام حسين كما كان الاثنان من الداعمين بقوة لأحمد جلبي الزعيم المثير للجدل للمؤتمر الوطني العراقي المعارض، كما تنازعا كثيراً مع المسئولين في الخارجية والسي آي ايه حول مستقبل العراق. وكان بيرل خطيباً مفوهاً في عدائه للحكومة السعودية والاميركيين الذين يتعاملون معها كما وبخ علناً كل المسئولين الاميركيين ذوي العلاقة بمراكز البحوث والمؤسسات الاميركية التي يمولها السعوديون، وقال عن ذلك لمجلة «ناشنال ريفيو» الصيف الماضي: «اعتقد ان هذا مشين فهؤلاء هم من يظهر على شاشات التلفزيون ومن يكتبون مقالات الرأي، ان السعوديين هم السبب الرئيسي للمشكلات التي نواجهها وهذا يصبح اكثر وضوحاً لو كانوا مسئولين ودبلوماسيين سابقين يعملون بفاعلية لصالح حكومة اجنبية». كما ثارت مشكلة للحكومة السعودية في اغسطس الماضي حين كشفت صحيفة «واشنطن بوست» ان لجنة السياسة الدفاعية قد تسلمت يوم 10 يوليو من مؤسسة راند للدراسات بحثاً اعده المحلل لورينت موريس وصف السعوديين فيه بأنهم اعداء الولايات المتحدة، واوصى الحكومة الاميركية بأن توجه لهم انذاراً نهائياً بوقف دعمهم للارهاب او الاستيلاء على ارصدتهم المصرفية واحتلال حقول نفطهم وقالت مجلة «تايم» لاحقاً ان بيرل شخصياً هو من وجه الدعوة لموريس ليقدم دراسته تلك للجنة. لكن عداء بيرل للسياسات الحكومية السعودية لم يمنعه من الاجتماع بمستثمرين سعوديين محتملين في شركته «ترايريم» فقد قال لي التاجر السعودي الذي اجتمع معه بريل انه فهم من كلام بيرل ان احد اهم اهداف شركة «ترايريم» هو كسب دعم شخصيات سعودية مهمة للفوز بعقود أمنية فقد كانت السعودية انفقت حينها مليار دولار لمسح وترسيم حدودها مع اليمن ولا تزال العملية بحاجة لمليار آخر وهنا برزت ترايريم من اجل المساعدة. كان الصناعي السعودي مهتماً بما هو اكثر من مجرد الاستثمار بل اراد ان يسمع وجهات نظره لشخص يعتقد انه مؤثر في الادارة الاميركية فقد كان يأمل بالسلام وتجنب الحرب وهكذا عمل التاجر السعودي على ترتيب الاجتماع على الغداء. حدث الاجتماع في مدينة مرسيليا الفرنسية في 3 فبراير الماضي وكان هو الفرصة الاولى التي اتيحت للصناعي السعودي لعرض بدائل عن الحرب، غير ان بيرل كان يعرف ان هذا غير وارد ثم قال انه يستطيع تأمين 10 مستثمرين في «ترايريم» بعشرة ملايين دولار لكل منهم. يقول من رتب الاجتماع: انصت بيرل بأدب الى ان انتهى الاجتماع». قال الصناعي السعودي في مكالمة هاتفية ان بيرل اوضح انه «فوق المال. وقال انه سياسي اكثر منه تاجر وان التجارة تكون عبر شركة ترايريم وطوال الحديث تمسك بيرل بفكرة انه لابد من التخلص من صدام حسين» ويقول انه حسب علمه لم يدخل دولار واحد شركة ترايريم حتى اوائل مارس الماضي. في اول مكالمة لي مع جيرالد هيلمان اواسط فبراير وقبل ان اعرف بأمر الصناعي السعودي والتاجر السعودي الآخر، اكد لي ان شركة ترايريم «ليس لها اي علاقة بالسعوديين لا أعلم ما الذي يمكن ان نفعله معهم ان ما رأيناه في 11 سبتمبر كان عرضاً غريباً حقاً، ليس لدينا استثمارات لهم او معهم» لكنه اعترف لاحقاً بأنه لم يعرف ان الصناعي السعودي سيكون موجوداً وقال عن بيرل: «انه ليس مخلوقاً تجارياً، ليست لديه اي رغبة بالمكاسب المالية». واعترف بيرل في سلسلة من المكالمات معه انه التقى مع سعوديين اثنين على غداء في مرسيليا وقال: «كان هناك اثنان لكن لم نتحدث عن شركة ترايريم لم نذكرها ابداً، لم نناقشها لقد قيل لي ان احد السعوديين لديه معلومات حول استعداد صدام للاستسلام، ويريد ان يناشدنا القبول بالتفاوض معه». يعترف لي التاجر السعودي الذي رتب الاجتماع انه يشعر بالدهشة من نشاطات بيرل وهيلمان كعضوين في لجنة السياسة الدفاعية اذ ان آفاق نجاح «ترايريم» تعتمد على اندلاع حرب في العراق «واذا لم تحدث الحرب فما هي الحاجة للمنتجات الأمنية؟ اما اذا وقعت الحرب فإن مليارات من الدولارات لابد من انفاقها. انكم ايها الاميركيون تحجبون الرؤية عن انفسكم بمزاعم النزاهة المالية والأخلاقيات الديمقراطية بعيداً عن اي ممارسة للنفوذ في السياسة، لكن كانت هناك ممارسة للنفوذ في السياسة من اجل المال». الصناعي السعودي اقتنع نتيجة محادثاته مع شركة ترايريم قبيل اجتماع مرسيليا بأن هناك فرصة جدية لمناقشة السلام مع بيرل وبعدها ارسل هيلمان للتاجر السعودي مذكرة مؤرخة بيوم 26 ديسمبر 2002 تضم الشروط التي يجب ان يلبيها صدام حسين. تقول المذكرة: «في اعتقادي، ان الولايات المتحدة لن تمضي للحرب اذا ما قام صدام بالمطالب التالية يجب على صدام ان يعترف بأنه طور ويمتلك اسلحة دمار شامل» ثم عليه ان يستقيل ويرحل عن العراق فوراً مع ابنائه وبعض وزرائه. ثم ارسل هيلمان مذكرة ثانية له بعد اسبوع، اي قبل يوم من اجتماع مرسيليا تقول: «بعد محادثاتنا الاخيرة اخذنا نفكر باختبار فوري لنعرف ان كان العراق صادقاً في رغبته بالاستسلام». واضيفت خمس خطوات اخرى تنتهي بطموح كبير: ان يعمل الزهير والتاجر على ترتيب اجتماع له مع الامير نواف بن عبدالعزيز رئيس المخابرات السعودية «بحيث نستطيع ان نقدم العون في واشنطن». كان التاجر والزهير معاً متشككين في صدقية هاتين المذكرتين، الصناعي السعودي اعتبرهما «سخيفتين» فيما قال لي التاجر انهما كانتا مسليتين، بل سخيفتين ويتذكر انه تساءل في نفسه: «هل هذا هو تفكيرهم؟ لم يكن هناك شيء لنرد عليه». في اول محادثة لي مع هيلمان قال لي: «ليس لبيرل اي علاقة بكتابة هاتين الرسالتين وانا اعلمته بمضمونهما لاحقاً، وهو لم يقل اي كلمة، حتى بعد ان ارسلتها اليه اعتقدت ان افكاري كانت واضحة جداً لكني لم اعتقد ان صدام يمكن ان يستقيل ولم اعتقد انه يمكن ان يخرج للمنفى انا واثق في ان بيرل لا يعتقد ان اياً من هذه الاشياء سيحدث». وقال هيلمان انه صاغ هاتين المذكرتين بالتعاون مع ابنته التي تدرس في الجامعة اما بيرل فقال: «انا لم اكتبهما ولم اقترح مضمونهما لم اعرف بشأنهما الا بعد ان صيغتا». بالفعل، ان الآراء الواردة في المذكرتين بعيدة جداً عن موقف بيرل الذي قال علناً ان صدام حسين لن يتنازل عن السلطة ويرحل الا اذا استخدمت القوة ضده، مثلما تختلف جداً عن آراء زملائه المتشددين في ادارة بوش. لكن بالنظر الى اهمية بيرل في اوساط القرار الاميركي والمجازفات في الاعتماد على سمسار مثل التاجر المذكور بتاريخه المعروف، تبقى الأسئلة مثارة حول صياغة هيلمان لمثل عروض السلام المراهقة هذه للزهير. نعم، ان التأكيدات بأن تلك المناقشات وذلك الاجتماع انما كان اجتماعاً تجارياً تحت غطاء سياسي يصعب انكارها. غير ان عروض هيلمان كانت لا تزال تدب فيها الروح فبعد شهر من ارسالها، ظهرت هذه العروض في صحيفة «الحياة» اللندنية ولو اراد بيرل ان يبعد نفسه عنها فإنه لم ينجح اذ جاء في عنوانها الرئيسي: «واشنطن تعرض تجنب الحرب مقابل اتفاق دولي على نفي صدام حسين» واصفة مذكرتي هيلمان على انهما وثيقتين «اميركيتين» وان الاقتراحات الجديدة تحمل بصمة بيرل وقالت الصحيفة ان بيرل وغيره حضروا سلسلة من «الاجتماعات الستة» في محاولة لتجنب حرب وشيكة مع العراق وان «سيناريو قد تم النقاش حوله يتم فيه اعتراف صدام حسين بأنه كان يحاول امتلاك اسلحة دمار شامل وان يتعهد بوقف محاولاته هذه وهو في المنفى». وبعد ذلك ببضعة ايام نشرت صحيفة «السفير» البيروتية ترجمة للرسالتين ونسبتهما لريتشارد بيرل وقالت ان هذه العروض قد تقدم بها بيرل بهدف «رسم رؤية واشنطن المستقبلية للعراق»، وغداء بيرل ذلك اصبح الآن في السفير «مفاوضات اميركية ـ سعودية» اخيراً «كان ريتشارد بيرل يمثل الجانب الاميركي فيها» واضافت الصحيفة: «ان نشر هاتين الوثيقتين مهم لانه يلقي الضوء على قصة كيف يمكن تجنب الحرب» غير انهما في الواقع لم تكونا على شيء من هذا. حينما سئل بيرل عما اذا كانت تعاملاته مع «ترايريم» قد تمثل حضوراً لتضارب المصالح، قال ان اي احد رأى مثل هذا التضارب سيقول: «بشكل شرير» غير ان بيرل في التقاطعات بين العملين الخاص والعام قد وضع نفسه في موقف صعب ـ موقف غير غريب على رجال العمل العام فهو القوة الفكرية المحركة وراء حرب لا يريدها الجميع ويشكك الكثيرون انها مدفوعة بمصالح تجارية اميركية لا شك في ان بيرل يعتقد فعلاً بأن التخلص من صدام حسين هو العمل الصائب غير انه في الوقت نفسه اسس شركة ستستفيد من اي حرب وبفعله ذلك قدم السلاح لكل خصومه ليحاربوه به. ترجمة: جلال الخليل عن «نيويوركر» بقلم: سيمور هيرش

طباعة Email