غارنر.. جنرال متقاعد تحلم الشركات الاميركية بأن يحكم بغداد

الاربعاء 30 محرم 1424 هـ الموافق 2 ابريل 2003 رئيس ام وال ام حاكم ام رئيس للشرطة. ان من الصعب معرفة اي من هذه الاوصاف نطلقه على غاي غارنر، الجنرال الاميركي المتقاعد الذي يحلم الاميركيون بأن يدير العراق اذا ما تمت الاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين. يفضل هذا الرجل البالغ من العمر 64 عاماً والذي يقول «نادني غاي!» لقب «منسق الادارة المدنية». ذلك هو الوصف الرقيق لوظيفته في تولي رئاسة مكتب اعادة البناء والمساعدة الانسانية، وهي الهيئة التابعة للبنتاغون، والتي تعد لحكم شعب العراق البالغ تعداده 23 مليون نسمة في اعقاب الحرب وتقديم الدعم الانساني وادارة نشاط الاعمال المربح المتعلق باعادة البناء. ان اوراق اعتماد غارنر تعتبر مثيرة للاهتمام حقاً، فهو يملك سجلاً رائعاً في العمليات الانسانية المدعومة من الامم المتحدة، حيث لعب دوراً بارزاً في «حماية» الاكراد في شمالي العراق، بعد حرب الخليج عام 1991 في عملية تقديم العون، وبشكل حاسم، فإنه يعد الآن خارج بزته العسكرية، مصاحباً حيوياً للجنرال تومي فرانكس، الذي يتوقع ان يكون الحاكم العسكري الاميركي للعراق. ومن جهة اخرى، فإنه مرتبط بشكل وثيق بمجموعة الصقور الذين يتمحورون حول وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد (الذي اعطاه منصبه الاخير)، ونائبه بول وولفوويتز ونائب الرئيس ديك تشيني، الحريصين على تجاوز الامم المتحدة في اعقاب الحرب كما كانوا قبلها. ويبدو انه يشاركهم كذلك مواقفهم المؤيدة لاسرائيل. وقد شارك في صياغة سياساتهم الدفاعية المثيرة للجدل، بما فيها منظومة الدفاع الصاروخي القومي الاميركية التي ساهمت كثيراً في تقويض الاتفاقية المضادة للصواريخ البالستية الموقعة في عام 1972. والشركة التي يعمل لديها الان هي شركة متخصصة في الصواريخ تحقق ارباحاً من انظمة منشورة في اسرائيل ومنشورة من جانب قوات التحالف في العراق. وفي ظل خلفيته هذه، فإن وكالات الاغاثة تشعر بالشك والريبة ازاء الدور الذي يقوم به. ويقول فيل بلومر من منظمة اوكسفام ان «العراقيين هم من ينبغي ان يديروا العراق وفي المرحلة الانتقالية يجب ان تكون الامم المتحدة هي المسئولة وليس الولايات المتحدة. وسيكون السيناريو الاسوأ هو وضع شخص من الولايات المتحدة او المملكة المتحدة مرتبط بشركات السلاح او النفط في موقع المسئولية عن عملية اعادة البناء في العراق». وقد اتضحت وجهة نظر غارنر بفعالية الجيش الاميركي في القيام بدور انساني خلال عملية «تقديم العون»، وقال بهذا الخصوص ان الجيش كان الاداة الرحيمة في صياغة العمليات الانسانية المستقبلية. ولكن عملية «تقديم العون» تم تنفيذها في ظل ظروف مغايرة تماماً. فالحرب التي تلتها هذه العملية كانت بتفويض من قرارات مجلس الامن الدولي، كما كان حال المهمة الانسانية. اما اليوم، فإن العلاقات بين غارنر والامم المتحدة تبدو متوترة، كما بدا واضحاً في اجتماع فاتر جداً تم في وقت مبكر من الشهر قبل الماضي، عندما شرح دوره قبل مغادرته متوجهاً الى الكويت. وقال احد المسئولين في الامم المتحدة: «لم يكن هناك تنسيق او مشاورات. وذلك العمل سيكون غير مناسب من وجهة نظر الامم المتحدة لأن العمليات مستقلة، ونحن لسنا بحاجة الى التشاور مع الولايات المتحدة. ولكن ايضاً من وجهة النظر الاميركية، لأنه من المعروف انهم يريدون ان ينفذوا الامر لوحدهم بدون الامم المتحدة». وعلى الرغم من التحرك باتجاه ان يكون هناك دور للأمم المتحدة في اعادة البناء من خلال قرار جديد يحدد العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء، الا ان المسئولين لديهم شكوك عميقة حيال النوايا الاميركية، وبخاصة نوايا اصدقاء غارنر، وقال احد المسئولين ان «باول (وزير الخارجية المؤيد للامم المتحدة) قد خسر المعركة. ومن الواضح ان رامسفيلد، وتشيني والبقية يملكون السطوة ويعتقدون انهم بعد ان ذهبوا لوحدهم الى الحرب، فإنهم سيحظون بميزة اعتبارهم محررين. وغارنر هو رجلهم المعتمد، فهو من اشد المؤمنين بهذا التصور». وفيما وراء الصلات القوية بالبنتاغون لرجل سابق في الجيش، فإ الولاء السياسي لغارنر هو مع اليمين الجمهوري. وعلاقاته بنائب الرئيس تعود الى ايام عملية «تقديم العون» عندما كان تشيني وزيراً للدفاع في حكومة بوش الاب، بينما كانت علاقته برامسفيلد قد تعززت من خلال التعاون الوثيق الحديث حول سياسة الدفاع الصاروخي. لقد اثارت هذه الصلات حالة من عدم الارتياح في اوساط الشركات خارج الولايات المتحدة، التي تعتقد ان الاميركيين يريدون ان يقسموا عقود اعادة البناء بينهم بصرف النظر عن اي دور للامم المتحدة. وقد امنت شركة فرعية تابعة لشركة تشيني القديمة هالبيروتون، مؤخراً، صفقة لاطفاء حرائق آبار النفط. وقد كانت شركتي هالبيرتون وبيشتل، وهي شركة اخرى ذات صلات قوية بالحزب الجمهوري ـ كانتا على قائمة مختصرة للاميركيين فقط للفوز بعقد كبير لاعادة البناء بقيمة 900 مليون دولار يتولى الاشراف عليه مكتب غارنر. وبعد ضغط قوي من الشركات البريطانية، نجحت شركة «تريد بارتنرز يوكيه» البريطانية بالحصول على ممثل بريطاني لها في مكتب غارنر، كما ان وزير التجارة باتريشيا هويت ضغطت على الحكومة الاميركية لضم الشركات البريطانية. ولكن المقاولين يقولون ان مكتب اعادة البناء والمساعدة الانسانية لا يستجيب لطلبات الاتصال به. وقال احدهم: «لدينا مخاوف حيال هذا الامر. وهناك جدل هائل يجري خلف الكواليس حول فوز هالبيرتون وبيشتيل بالصفقات، ولا يمكننا ان نتحدث للناس على ارض الواقع». ولكن هناك مخاوف اوسع نطاقاً، وبخاصة عمل غارنر مع رامسفيلد ونشاطاته التجارية ومواقفه من اسرائيل. فقد تولى رامسفيلد رئاسة اللجنة المكلفة بتقويم خطر الصواريخ البالستية على الولايات المتحدة، التي كانت تقدم تقاريرها الى الكونغرس الاميركي في عام 1998. وحددت لجنة رامسفيلد ثلاث دول تهدد الولايات المتحدة بتطوير صواريخ بالستية، وهي كوريا الشمالية وايران والعراق، ومعرفة بذلك محور الشر الذي يشكل الاساس لاستراتيجية اميركا الاستباقية. وخدم غارنر في لجنة رامسفيلد، التي مدّت الدفاع الصاروخي عملياً الى الفضاء. وقد شارك في نشر صواريخ باتريوت في اسرائيل خلال حرب الخليج عام 1991، وكان قائداً لقيادة الدفاع الفضائي والاستراتيجي في الجيش الاميركي من عام 1994 الى عام 1996. وعندما تم التشكيك في فعالية صواريخ الباتريوت في جلسة استماع للكونغرس في عام 1992، رد غارنر على المنتقدين بقوله ان 40% من عمليات الاعتراض في اسرائيل و 70% في السعودية كانت ناجحة. غير ان تيد بوستول من معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا، الذي قدّم دليلاً في جلسة الاستماع قال: «نعتقد ان هذه الارقام مرتفعة جداً وان الوضع قد يكون هو ان اياً من عمليات الاعتراض لم تكن ناجحة في اسرائيل. وربما كان غارنر متورطاً في التغطية على عيوب النظام». والان غارنر مشارك بصورة تجارية في النسخة الاحدث من باتريوت والمنشورة حالياً بالفعل. فهو رئيس شركة ساي كولمان، وهي شركة مقاولات لأنظمة الصواريخ تقدّم المشورة الفنية والدعم حول ادارة البرنامج. واسرائيل محميّة الآن بنظام جديد يدعى «أرو».وشركة ساي كولمان مشاركة هنا ايضاً: فقد ساعد غارنر في الاشراف على العمل التطويري، وهو برنامج يقدّر بوستول انه ممول بنسبة 80% من الولايات المتحدة. واكد جاك تايلر، النائب الاول لرئيس تطوير الاعمال في شركة ساي، ان الشركة عملت على الصاروخين باتريوت وارو. غير انه قال انه لم تكن هناك عوائد من المشتريات او المبيعات او رسوم الامتياز التجاري الى الشركة من الانظمة، وكل ما حصلت عليه هو رسوم استشارية. ونفى تايلر التلميحات التي تفيد ان غارنر قد وظف بسبب علاقاته العسكرية قائلاً ان دوره هو دور المخطط الاستراتيجي. وكانت لشركة ساي علاقات قوية مع الحكومة الاميركية في حينه. وفي عام 1999، فازت بعقد لحرب النجوم بقيمة 365 مليون دولار لتزويد القوات الاميركية بالمشورة حول الدفاع الفضائي والصاروخي. ويذكر موقع الشركة على الانترنت سلسلة من العقود الحكومية المتعلقة بالشئون اللوجستية والبحث والتطوير. وفي غضون ذلك، تم شراء شركة «ساي» العام الماضي من قبل شركة اخرى هي «إل ـ 3 كوميونكيشنز» وتعتبر شركة «إل -3» تاسع اكبر مساهم للاحزاب السياسية الاميركية في قطاع الالكترونيات الدفاعية. وفي الاسبوع الماضي، تم منحها عقداً بقيمة 5,1 مليار دولار لتقديم الخدمات اللوجستية لقوات العملية الخاصة الاميركية. ان علاقات غارنر باسرائيل لاتقتصر على برامج الصواريخ. ففي اكتوبر من عام 2000، وضع اسمه على بيان قال ان «اسرائيل قد مارست درجة عالية من ضبط النفس في وجه العنف المميت الذي تنظمه قيادة السلطة الفلسطينية». وكانت المنظمة التي تقف وراء هذا البيان هي المعهد اليهودي لشئون الامن القومي، الذي يضم تشيني وريتشارد بيرل، الذي هو صقر آخر، بين مستشاريها في الماضي والحاضر. وفي الاسبوع الماضي فقط استقال ريتشارد بيرل من رئاسة لجنة رئيسية في البنتاغون تقدم المشورة لرامسفيلد، بعد ان تبين انه عقد صفقة مع شركة اتصالات مفلسة هي «غلوبال كروسنغ» كان سيحصل بموجبها على 725 الف دولار. ويتم حالياً مراجعة الصفقة من قبل مجموعة حكومية تضم مسئولين من وزارة الدفاع. ليس هناك من مؤشر الى ان غارنر قد يشعر بالخزي على نحو مماثل من علاقاته السابقة والبعض يجد ان الحجج المناهضة لغارنر مبالغ بها. ويقول ايريك شوارتز من مجلس العلاقات الخارجية الذي يحظى بالاحترام في واشنطن: «انني لست واثقاً من انه شخص يفضل الانفراد الاميركي. فهو يدرك الاهمية الحيوية لأن لا يقوم الجيش ببناء الامة». ويعتقد شوارتز ان الامم المتحدة ستتولى، بعد فترة انتقالية، السيطرة على قضايا حرجة في مستقبل العراق، مثل صياغة دستور للبلاد والاشراف على الانتخابات. وسيكون الامر متروكاً لواشنطن ان تقرر ما اذا كان «حاكم بغداد» سيتقلد نجمة اميركية ام من الامم المتحدة. وسجله يشير الى انه سيكون سعيداً في الحالتين. والامر يتعلق بكيفية استغلاله للشارة المؤثرة. ترجمة: ضرار عمير عن «اوبزرفر»

طباعة Email