على ضوء خارطة الطريق، بقلم: يسرائيل هريئيل

الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ الموافق 1 ابريل 2003 في مساء الحرب، وفي المنصب العالمي السامي في الجزر البرتغالية، اهتم رؤساء التحالف بأن يباركوا أمام العالم لأبو مازن، رئيس حكومة فلسطين المستقبلي. وقد وعدوا أيضا بأن خارطة الطرق، التي يفترض أن تؤدي لاقامة دولة مستقلة، الدولة العربية الـ 23، بأنها حية وقائمة رغم الهجوم على العراق. وحتى بعد نشوب المعركة ضد صدام حسين، كرر توني بلير وباول الوعد عدة مرات. يمكن تفهم الأميركيين والبريطانيين الذين يرون على ضوء خارطة الطريق التي ينص أحد بنودها بتجديد وجه القيادة الفلسطينية، يرون بأن أبا مازن هو بمثابة «الوجه الجديد» والنضر. ما لا يمكن تفهمه، وبعد المحاولة المريرة مع (عدم) تغير عرفات، هو مغزى الدعم الاسرائيلي لأبو مازن الذي كان شريكا على مدى عشرات السنوات، ومن منصب قيادة، في عمليات منظمة التحرير. وكذلك فانه استمر مؤخرا بدعم (الارهاب)، كما تبين حتى قبل أسبوعين في موقع جيش الدفاع الاسرائيلي على الانترنت. صحيح، فهو أحيانا يثير «أفكار تكفير» بخصوص فائدة استمرار العمليات التخريبية. لكن ليس من وظيفة دولة اسرائيل، وبالتأكيد ليست وظيفة الجهاز الأمني، أن يمنحه مصداقية، حتى لو كانت هنالك على المدى القصير اعتبارات سياسية واقعية، كما حدث مع عرفات، لفعل ذلك. بالعكس، يجب الكشف، لا الاخفاء، عن الدور المزدوج الذي يلعبه. فقبل أسبوع فقط، بخطابه في غزة (الخطاب الذي نشره جيش الدفاع على الانترنت)، استمر الرجل بشكل مبدئي باعتبار الارهاب وسيلة «لمحاربة الاحتلال». ولأن هذه العمليات التخريبية في داخل اسرائيل لم تدعم أهدافه، قال انه من المفضل وقفها داخل اسرائيل وتخصيصها للمستوطنين فقط. وقد حظي هذا التصريح برد فعل فاتر فقط. فقام الاعلام الاسرائيلي، بالتقليل من شأن الخطاب، ربما لكي لا يتضرر صورته أمام الرأي العام في اسرائيل مساء اختياره للوظيفة السامية. لكن يبدو بأن السبب أعمق من ذلك وهو أنه بعد كل شيء، هنالك فارق جوهري بين العمليات داخل الخط الأخضر والعمليات ضد المستوطنين «فقط»، التي يدعمها هذا الرجل المعتدل والمنطقي، أبو مازن. أثبت «أبو مازن»، في رسالة الدكتوراه التي كتبها في الستينيات في شرق ألمانيا، أن الكارثة اليهودية هي اختراع يهودي لاثارة شفقة العالم، مما سهل عليهم احتلال فلسطين وطرد الفلسطينيين من موطنهم. ومن الاستقبال الايجابي الذي تلقاه منكر الكارثة هذا من حكومة الليكود ـ شينوي ـ مفدال، يمكن أن نفهم بأن هنالك تقادم، على الأقل بخصوص من ترغب الحكومة بدعمه، لمنكري الكارثة. لكن ما ليس مفهوما، حتى من ناحية تكتيكية، هو سبب تلقي أبو مازن اعفاءً بهذا المجال الحساس والمبدئي، الذي يمكن أن تستغله اسرائيل من ناحية دعائية على الأقل. فان الولايات المتحدة، بعكس اسرائيل السياسية الواقعية، ما زالت تولي أهمية للكارثة اليهودية، وضد المنكرين. لكن الحقيقة التي لا تقل خطورة هي أن حديث أبو مازن بخصوص استمرار الارهاب ضد المستوطنين لم تقلل من دعم الحكومة لانتخابه. فهل يفرق أعضاء الائتلاف الان، مثل موضوع الجدار الفاصل، بين دم ودم؟ ان احد النماذج الواضحة لأسلوب الابن العزيز ـ والنتائج السيئة ـ هي خطاب عرفات في «جوهانسبرغ». فبعد التوقيع على مذكرة اوسلو سافر الرجل الى جنوب أفريقيا حيث وعد، أمام مشجعين متحمسين اجتمعوا بالمسجد، بأن يستمر الجهاد المسلح حتى تحرير كل فلسطين من الاحتلال الصهيوني. هذا الوعد الذي دأب على تنفيذه. وقد وصل شريط فيديو من تلك الخطبة الى اسرائيل، الا أن وسائل الاعلام، التي دعمت انكار رجال اوسلو لماهية عرفات الحقيقية، رفضوا تقبله (الشريط)؛ لأنهم لم يرغبوا في اعطاب احتفالات السلام التي روجوا بأنفسهم لها. لكن الذين اجتهدوا لنشره، مثل بيني بيجين، اعتبروا أعداءً للسلام، لحوحين وعديمي الادراك السياسي «للاحتياجات الداخلية» لعرفات. وحتى الان، في نطاق حث ابن حكومة الليكود العزيز، يحاولون اخفاء الحقيقة المريرة. مثال على ذلك: قاموا بانزال خطاب رئيس الحكومة الفلسطينية، الذي ينادي به بالارهاب ضد المستوطنين، عن موقع جيش الدفاع على الانترنت. مبدئيا، لا يوجد فرق بين التغاضي عن خطاب جوهانسبرغ في أيام رابين وبين التقليل من شأن خطاب غزة في أيام ارييل شارون. فان حديث أبو مازن ليس مختلفا، من ناحية النيات والأهداف، عن حديث عرفات الذي بشرنا بالحرب . لذلك فمن الصعب تفهم سبب انضمام رئيس الأركان موشيه يعالون للاستقبال الايجابي لأبو مازن. فقد كان أول من انتقد عرفات، حين تنصب منصب رئيس الاستخبارات في أيام رابين، ووصف اعادته الى اسرائيل كادخال جواد طروادي اليها. ما الذي جعله إذن يقول بأن تعيين أبو مازن، الذي يعرف بخصوصه شيء أو شيئين، هو «حدث مهم»؟ عن «معاريف»

طباعة Email