الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 عندما قررت الولايات المتحدة وبريطانيا شن الحرب وحدهما ضد الرئيس العراقي صدام حسين، عانت الأمم المتحدة بلا شك من نكسة ولكن هل تتحول تلك الخطوة لأن تكون بمثابة ضربة قاضية كما تنبأ بعض المراقبين؟ ان السلطات الفرنسية لا ترى الأمر على هذا النحو فبنظرها ان المعركة التي تخوضها فرنسا منذ صيف عام 2002 من اجل الحفاظ على نهج متعدد الاطراف ازاء القضية العراقية لم تذهب سدى، حتى وان كانت نتيجتها «محبطة» فالأمم المتحدة خرجت منها بحالة افضل مما كان سيحدث لو ان ذلك الصراع الدبلوماسي لم يحدث أو ان أتونه قد خبا وحتى كانت الغلبة في الادارة الاميركية للاتجاه المؤيد للحرب، اثبت المجتمع الدولي انه قادر على الاتفاق على اسلوب موثوق للتعامل مع الازمات المرتبطة بانتشار أسلحة الدمار الشامل. وحالما قررت الولايات المتحدة خوض الحرب، عارضت الغالبية العظمى من الدول الاعضاء في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة خطط واشنطن مستحضرين الحاجة الى الدفاع عن مبادئ معينة وهو موقف لم يفسح المجال، لمرة واحدة فقط، للمصالح الذاتية الأكثر الحاحاً. ولم يعط اهتمام كبير في الخريف الماضي لتأكيد فلاديمير بوتين على ان القضية العراقية ليست «سوقاً شرقية» لموسكو وزعم البعض ان الرئيس الروسي سيعود الى الصف لكي لا يتم استبعاده من العائدات الاقتصادية لفترة ما بعد الحرب في العراق او يعرض «شراكته الاستراتيجية» مع واشنطن للخطر وساد الاعتقاد ايضاً بأن الصين ستحذو حذوها وان فرنسا «لن تجرؤ أبداً» على استخدام حق النقض الفيتو. ومع ذلك، وقفت مجموعة الدول المعارضة للعمل العسكري بحزم وفيما يتعلق بالاعضاء الاضعف في مجلس الأمن، فإن الولايات المتحدة فشلت في تأمين الدعم من أي منها على الرغم من بعض المحاولات القوية للي الذراع وبحسب دبلوماسي فرنسي بارز، فإن «الضغط الأميركي كانت له نتائج عكسية، وذلك يعود على وجه التحديد الى ان تلك الدول ادركت طبيعة الامر المطروح على المحك وارادت ان تبقي النقاش دائراً حول القضية الأساسية وهي رؤية معينة للكيفية التي يجب ان ينظم بها العالم». وتشعر السلطات الفرنسية ان «الولايات المتحدة كانت ستخرج بوضع اقوى من الأزمة لو أنها دعمت المجتمع الدولي بصدق في سعيه لنزع أسلحة العراق عبر الطرق السلمية التي أمكن استخدامها في أزمات اخرى». ان الرئيس بوش نفسه تردد قبل ان يدير ظهره للأمم المتحدة وفي البداية، كانت الادارة الأميركية منقسة بعمق حول فكرة التدخل «الاحادي الجانب» ضد العراق وبالتأكيد، فإنه لا واشنطن ولا لندن وجدت من السهل اتخاذ القرار بالمضي قدماً في الحرب بدون دعم الأمم المتحدة. ووجهة نظر الحكومة الفرنسية هي ان الدولتين ستجد ان الامر اصعب عندما يضطران الى مواجهة المشكلات الحقيقية حال انتهاء العمليات العسكرية في العراق واوضح الرئيس الفرنسي جاك شيراك ووزير خارجيته دومينيك دوفيلبان ان الولايات المتحدة ستكون في تلك المرحلة قادرة على الاعتماد على المساعدة الفرنسية. وقال دوفيلبان مؤخراً: «اننا لن نستغل الأزمة الراهنة كذريعة لتقسيم المجتمع الدولي المستقبلي بعمق أكبر وعندما يحين الوقت، سيكون علينا ان نتحرك ونساعد الأميركيين في البحث عن حلول». وبالطبع، فإنه اذا ما اتضح فيما بعد ان الأمم المتحدة لا يتوقع منها ان تفعل اكثر من تقديم خدمة ما بعد البيع في مجال الاغاثة الانسانية او اعادة البناء أو حفظ السلام في كل مرة تحدث عقيدة واشنطن المتعلقة بالضربات الاستباقية دماراً في العالم، فإنه لن يكون هناك اي تقدم ملموس نحو «عالم متعدد الأقطاب». وترفض مصادر الحكومة الفرنسية التنبؤ بالفترة التي سيتم فيها تنفيذ العقيدة ضده، ويحصرون انفسهم في الوقت الحاضر بالتأسف لحقيقة ان تلك العقيدة انتصرت بشأن القضية العراقية ومع ذلك، فإنهم يعتبرونها «عديمة الصلة بالواقع». وهم يرون أدلة على ذلك في الطريقة التي تتعامل بها واشنطن حالياً مع كوريا الشمالية التي، «يستفيد» رئيسها بشكل هائل من الأزمة العراقية فكلما ازداد استخدامك للقوة الوحشية، كلما اصبحت اكثر ضعفاً بالنسبة لاولئك الذين يملكون وسائل لابتزازك». هل ستكون بيونغ يانغ او طهران، حيث انتشار أسلحة الدمار الشامل ليس تهديداً وانما حقيقة، التالي على القائمة؟ باريس لا تعتقد ذلك غير ان بعض المراقبين يتساءلون حول قضية سوريا. ويعتقد دبلوماسي فرنسي سابق يعلم بواطن الأمم المتحدة ان النكسة الحالية التي منيت بها المنظمة، اذا ما نظر إليها في سباق تاريخي، هي اقل خطورة مما قد تبدو عليه وهو لا ينفي ان سلوك الولايات المتحدة بشأن العراق «يتحدى كل شيء يفترض ان تقوم به في الأمم المتحدة، وبشكل اساسي الاستماع للآخرين». ولكنه يقول ان «الامم المتحدة ستبقى قيد الوجود فالمرء ينسى انها همشت كلياً في الكثير من الأزمات الأخرى، ومع ذلك، فإنها استطاعت ان تصمد في وجه الصراع في الهند الصينية، وأزمة برلين وأزمة كوبا والحرب الايرانية العراقية وهي حرب رفضت التدخل فيها لسنوات عديدة الى ان امر الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز ديكويلار، مجلس الأمن بفعل شيء لوقف المذبحة». وعلى غرار دوفيلبان، فإنه يرى ان صدمة هجمات الحادي عشر من سبتمبر هي المسئولة عن التغير في سياسة ادارة بوش ازاء الطرق ويقول بهذا الخصوص ان «الادارة في أيامها الأولى عملت مع الأمم المتحدة على امكانية تخفيف العقوبات المفروضة على بغداد وبعد الهجمات، احتاج الاميركيون الى تقديم عرض للقوة وتبين انهم لم يتمكنوا من جلب فروة رأس أسامة بن لادن، ولهذا اختاروا العراق بدلاً من ذلك واكتسبت فكرة العقاب الأولوية على سياسة الاحتواء التي مارسوها طوال سنوات». ويعتقد الدبلوماسي السابق انه سيتعين بذل جهود جبارة حالما تنتهي المرحلة العسكرية من العملية ضد العراق، ولن يكون امام الولايات المتحدة من خيار سوى ان تحسب الحساب لأولئك الذين عارضوا معاملتها لبغداد والذي قويت يدهم بشكل كبير. عن «لوموند»