الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 كانت الساعة تشير إلى التاسعة وخمس وأربعين دقيقة في واشنطن، الخامسة وخمس وأربعين دقيقة بتوقيت بغداد. وكان يتم في تلك اللحظة اجراء مقابلة مع فاضل مشعل، وهو صحافي عراقي مستقل يعمل لحساب محطة اذاعية حكومية أميركية، من استوديو في بال مول الأميركية عندما بدأت صفارات الانذار بغارة جوية تطلق أصواتها. وعلى امتداد الساعات الخمس التالية، وصف مشعل المشهد في العاصمة العراقية لمستمعي راديو «سوا» في أنحاء العالم العربي: أصوات انفجارات عالية، شوارع خالية، إدانة غاضبة لواشنطن في الصحف العراقية الرسمية. وكانت تتخلل تقاريره من بغداد مقابلات من شمال العراق مع معارضين للرئيس صدام حسين. كان الوابل الافتتاحي من التقارير الإخبارية الحية على راديو «سوا» الذي ينظر إليه من قبل إدارة بوش كوسيلة رئيسية لها للتواصل مع العالم العربي ـ كان بمثابة اشارة تذكير بأن هناك حربين تجريان الآن في الشرق الأوسط. إحداهما يتم خوضها بالدبابات والصواريخ وحاملات الطائرات. والأخرى، وهي عبارة عن صراع من أجل الفوز بقلوب وعقول 250 مليون عربي، يجري شنها بشكل أساسي عبر موجات الأثير. يقول نورمان جي. باتيز، وهو القطب الأميركي البارز في مجال البث الإذاعي، والذي أسس راديو «سوا» قبل عام لكي يكون الرد الأميركي الرسمي على القناة التلفزيونية العربية الناجحة جداً «الجزيرة» ـ يقول: «إننا نتنافس على جذب الجمهور مع الجزيرة. ومهمتنا هي إشاعة الحرية والديمقراطية من خلال التدفق الحر للمعلومات». إبراهيم هلال، رئيس التحرير في قناة الجزيرة، يهزأ من هذه المقارنة. فمحطته التي يقع مقرها في قطر، تحصد اهتمام 35 مليون مشاهد في أنحاء العالم العربي. وموضوعات السبق الإعلامي التي تتميز بها ومن بينها المقابلات مع أسامة بن لادن وتقارير حصرية من داخل أفغانستان إبان سيطرة طالبان ـ غالباً ما يتم التقاطها من قبل وسائل الإعلام الغربية. وفي مقابل ذلك، فإن «سوا» لا تزال في طور البدء بصنع اسم لها.ويقول هلال بينما يأخذ استراحة من الاشراف على غرفة عمليات الأخبار الخاصة بالجزيرة والتي تبث من الدوحة على مدار 24 ساعة ـ يقول: «إن دافعي الضرائب الأميركيين يضيّعون أموالهم على راديو «سوا». فالعرب يدركون أنها أداة بيد الحكومة الأميركية». ومن حيث الجمهور، فإن «سوا» (التي تعني «معا» في العربية الفصحى) لا تشكل منافسة كبيرة. فهي موجهة بشكل رئيسي إلى المستمعين الشباب من سن 18 ـ 25، الذين يجذبهم إليها ما تقدمه من موسيقى وأغان شبابية غربية وعربية والنشرات الإخبارية الموجزة كل نصف ساعة. وتشير الدلائل القصصية واستطلاعات الرأي للجمهور إلى أن راديو «سوا» له جمهور عريض نسبياً في الأردن ومنطقة الخليج، حيث تبث برامجها على موجات «إف.إم»، وجمهور لا بأس به في العراق نفسه، حيث يمكن التقاط بثها على الموجة المتوسطة. ولها تأثير أقل في بلدان مثل مصر والسعودية، حيث تضعف إشارة الإرسال الخاصة بها. ويقول محرروها إن ما يميّز راديو «سوا» عن «الجزيرة» هو طريقتها في تقديم الأخبار. ويقول موفق حرب، رئيس التحرير في المحطة الإذاعية: «إننا نحاول أن ننزع العاطفة عن الأخبار. فنحن لا نستخدم التوصيفات». ويضيف حرب، وهو أميركي من أصل لبناني عمل في السابق مديراً لمكتب صحيفة «الحياة» في واشنطن، قائلاً إن أسلوب «سوا» الجاف والخفيف في عرض الأخبار يعتبر ترياقاً لـ «العاطفة المفرطة» الشائعة في الصحافة العربية. وتستخدم «الجزيرة» بشكل متكرر كلمات مثل «شهداء» في وصف الانتحاريين الفلسطينيين الذين يستهدفون مدنيين إسرائيليين. وبخلاف ذلك، فإن «سوا» تلتزم بنقل الحقائق المجردة المتعلقة بقيام الفلسطينيين بقتل الإسرائيليين وقيام الإسرائيليين بقتل الفلسطينيين. ويقول هلال والصحافيون العرب الآخرون إن «سوا» ليست محايدة كما تدعّي. ويؤكدون ان اختيارها للأخبار يتأثر بشكل كبير بأهداف الدعاية الأميركية، دون إيلاء اهتمام يذكر بالأحداث التي قد تحرج إدارة بوش مثل الاحتجاجات الداخلية والدولية على الحرب في العراق. ويذهبون إلى القول ان مراسلي «سوا» يظهرون تحيزهم بتقديم القليل من السياق وتجنب استخدام عبارات مثل «المناطق المحتلة» في وصف الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967 بين العرب وإسرائيل. ويقول هلال الذي لا يعتذر عن تكريس اهتمامه بمعاناة المسلمين في جميع أنحاء العالم، سواء كان ذلك في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل أو في أفغانستان أثناء حملة القصف الأميركية أو في العراق نتيجة للعقوبات الملهمة من الولايات المتحدة ـ يقول إن «العواطف تعد جزءاً من القصة. وروح الخبر تكمن في العاطفة. والعاطفة هي الحقيقة الأهم». يوجد لكل من «سوا» و«الجزيرة» مراسلون داخل بغداد ينتظرون الهجوم الأميركي الرئيسي. وفي حين تملك «الجزيرة» مراسليها المتمرسين، فإن «سوا» تعتمد على مشعل، وهو شخصية عراقية تمت التوصية بها من خلال وسطاء. وهو ترتيب غريب، ولكنه ترتيب يقول حرب عنه إنه ضروري لإثبات أن «سوا» ليست «ناطقاً بلسان الحكومة الأميركية». ويقر حرب قائلاً: «إننا لا نعرف الظروف التي يعمل في ظلها. وهو دقيق ومحترف في وصف ما يجري في بغداد. ويقدم لنا وجهة النظر العراقية الرسمية، ولكننا نحتاج الى ذلك لموازنة تقاريرنا الأخرى». لقد كلّف حرب مراسلين لمرافقة الجنود الأميركيين الداخلين إلى العراق. أما «الجزيرة» فلديها مراسل واحد مع قوات المارينز الأميركية. وتم تكليف ثلاثة مراسلين آخرين لـ «الجزيرة» بمرافقة القوات الأميركية ولكنهم منعوا من دخول الكويت والبحرين من قبل السلطات المحلية، التي لا تروق لها تقارير المحطة التلفزيونية. إن كلا من «الجزيرة» و«سوا» تعلقان آمالاً كبيرة على الحرب. فـ «الجزيرة» تريد أن ترسخ مكانتها كنظير عربي لمحطة «سي.إن.إن» التي بنت شهرتها خلال حرب الخليج الأولى. و«سوا» تتنافس مع مؤسسات إذاعية راسخة باللغة العربية مثل هيئة الإذاعة البريطانية وراديو مونتكارلو الفرنسي. وإذا ما سارت الأمور على ما يرام، ووافق الكونغرس الأميركي على طلب باعتماد 75 مليون دولار، فإن حرب يأمل بإطلاق محطة تلفزيونية ناطقة بالعربية بحلول عام 2004.وبالاضافة إلى الترويج لراديو «سوا» كمصدر معتمد للأخبار في العالم العربي، فإن حرب يخوض معركة دفاعية مع المنتقدين من الداخل في صوت أميركا، التي ألغيت خدمتها باللغة العربية لافساح المجال أمام المحطة الاذاعية الجديدة. ويقول المعارضون ان وصفة «سوا» من الموسيقى الشبابية وعناوين الأخبار تقدم تحليلاً أقل من الخدمة التي حلت محلها. ويقول تيم شامبلي رئيس نقابة صحفيي صوت أميركا في ترديد للتذمرات الخاصة من قبل العديد من مراسلي صوت أميركا: «لا أدري ما الفائدة التي نجنيها من بث موسيقى البوب للعالم العربي» قد تكسب جمهوراً أكبر من المراهقين. وذلك أشبه بتقديم الحلويات للأطفال. ولكنني لا اعتقد اننا نتابع بذلك المهمة الملقاة على عاتقنا بموجب ميثاق صوت أميركا بتمثيل أميركا بصورة شاملة لبقية دول العالم». ويرفض حرب وباتيز هذا الانتقاد بقولهم ان الخدمة العربية لم تستحوذ على أكثر من 2% من المستمعين في الشرق الأوسط وفقاً لاستطلاعات رأي الجمهور، وهما يزعمان بأن «سوا» لديها انتشار أوسع، ولكنهما يمتنعان عن اعطاء التقديرات بالنسبة لاعداد الجمهور للمنطقة ككل مستشهدين بنقص الدراسات المفضلة. ويقول حرب: «قبل «سوا» لم تكن الولايات المتحدة جزءًا من الساحة الاعلامية في الشرق الأوسط، ويمكن ان تحمل أعظم الرسائل ولكن إذا لم يكن أحد يستمع إليك فإن ذلك لن يفيدك بشيء». ويقول العديد من أبناء الشرق الأوسط، ومن ضمنهم بعض من المستمعين بشكل منتظم لراديو «سوا» ان المحطة لا يزال أمامها طريق طويل قبل ان تبدأ بحصد التأثير الذي تتمتع به محطات اذاعية أخرى مثل القسم العربي بهيئة الاذاعة البريطانية، فما بالك بقناة الجزيرة. ويقول خالد مانع، محرر صحيفة انجليزية في مدينة جدة السعودية، حيث لا تتوفر «سوا» إلا على الموجة المتوسطة: «لا أعرف أحداً يستمع لـ «سوا». وفي المنطقة الشرقية من السعودية، حيث يمكن سماع «سوا» على الـ «اف ام» من البحرين المجاورة، تتمتع المحطة الاذاعية بشريحة أكبر من المستمعين، وبخاصة الشباب الذين يحبون الموسيقى الأميركية والعربية، ولكن حتى المثقفين العرب ممن يتعاطفون مع الولايات المتحدة يشككون بأن تتمكن محطة راديو «سوا» من كسب الكثير من الاتباع ما لم تغير واشنطن من سياساتها ازاء العالم العربي وبخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ويقول حسان أنصاري مدير الدراسات الخليجية في جامعة قطر: ان الصراع على كسب قلوب وعقول العرب لا يعتمد على تغييرات شكلية تجميلية، وإنما يعتمد على الجوهر». ترجمة: ضرار عمير عن «واشنطن بوست»