الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 من يتعقب المظاهرات المناهضة للحرب في العراق، يعرف ان كثيرين من المتظاهرين يكرهون جورج بوش اكثر من صدام حسين. وعليه فثمة اغراء شديد لتجاهل المتظاهرين وادعاءاتهم. بيد ان الحقيقة ، هي ان وراء المأساة التي تنطوي عليها كل حرب، والاخطار الكامنة في هذه الحرب، فان الخطوة الاميركية تثير دوامات اساسية قاسية ايضا. الحرب العادلة، كما عرفنا دائما، هي حرب يشنون فيها هجوماعليك، وانت تدافع (او تساعد دولة اخرى تعرضت للهجوم). الكثيرون يوافقون على انه حين تعرف أي دولة بيقين، انها على وشك التعرض لهجوم، فمن حقها توجيه ضربة استباقية. وحتى هذا الامر اشكالي ايضا: فالادعاء «انهم اعتزموا مهاجمتنا» قد يستخدم ذريعة للعدوان، او قد ينجم عن تقدير خاطئ. على اي حال ففي غياب تهديد واضح ومباشر، فمن الواضح انه لا يمكن تبرير الخروج الى الحرب بالاستناد الى شبهات فقط، من اجل ازالة خطر مستقبلي، والا لما كان للحروب في العالم من نهاية، بسبب مخاوف حقيقية او تخيلية. بيد ان هذه المباديء، وهي صحيحة قطعا بصورة عامة، لا يمكن تطبيقها على التهديد الناجم عن اسلحة الدمار الشامل. لا يمكن القول للدولة: « اولا تعرضوا (صيغة امر) لهجوم باسلحة غير تقليدية، وفقط بعد ذلك يكون مسموحا لكم ان تردوا». ولا يمكن القول: «اولا كونوا متأكدين تماما انهم على وشك ان يعتدوا عليكم بهذا السلاح، وفقط في مثل هذه الحالة من حقكم ان تحاربوا». حين يكون الخطر داهما فعلا، فقد تصبح مواجهته متأخرة جدا. والامر صحيح بشكل خاص حين يكون المقصود خطرا (ارهابيا) غير تقليدي: هذا الخطر من طبيعته الحدوث بصورة مفاجئة. في كل ما يتعلق بالاخطار غير التقليدية لا مفر اذن مع كل ما ينطوي عليه ذلك من اشكاليات من خفض سقف ما يعتبر تهديدا يبرر العمل العسكري، بصورة ملموسة. الى اي مستوى يكون الخفض؟ يمكن مناقشة ذلك الموقف الاميركي (المتأثر طبعا من تجربة الحادي عشر من سبتمبر ومن ذهول الجمرة الخبيثة).ثمة من يدعون بان الموقف الاميركي يعاني من اخلاق مزدوجة، فلماذا يعتبر السلاح غير التقليدي لدى شارون صالحا وحلالا، بينما هو في يدي صدام «دنس»؟ اخشى ما اخشاه الا يكون مفر في هذه النقطة، من ادخال عامل المنطق السليم الى هذا الجدال المبدئي ـ على الرغم من ان غير قليل من اصحاب المباديء من صنف معين، سيعارضون خطوة من هذا القبيل بصورة مبدئية. صحيح اننا كنا نرغب في بلورة قاعدة كونية في هذا الموضوع، ولكن الى ان نفلح في بلورتها، ينبغي القول ان السلاح غير التقليدي في يد شارون بيدو للبعض اقل خطورة.اذن من الذي يقرر متى تستخدم القوة ازاء خطر غير تقليدي؟ في عالم مثالي، فمجلس الامن هو المفترض ان يقرر. وفي عالم مثالي يكون مجلس امن مثالي ايضا، ويعمل بصورة مثالية او معقولة على الاقل. لكن في العالم غير المثالي الذي نعيش فيه فان القائلين بان من الخطورة، بمكان ترك القرار لبوش وبلير (دون موافقة شيراك وبوتين) - صادقون - لكن ربما كان عدم ترك القرار بيديهما اخطر بكثير. عن «معاريف» لا للحرب.. في كل مكان