الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 صور جنود الصيانة الاميركيين الذين سقطوا في الاسر هي صور مثيرة للدوار. وحتى في هذا العصر الذي تسيطر عليه وسائل الاعلام، من الصعب رؤية خوف من الموت، كهذا في عيون الناس. تعبير وجه شانا، المجندة الاميركية السوداء، هو نوع من التعبير لا يمكن لاي مريل ستريب ابدا ان تنجح في تمثيله. المشكلة هي أنه فضلا عن الاتفاق في ان شانا مذهولة، لا يوجد في الواقع اي تفاصيل حقيقية اخرى يمكن البحث فيها. وعمليا، كلما تقدمت الحرب في الخليج، يصبح واضحا أكثر أن عملية التعاطي الاعلامي تصل هذه المرة الى مستويات جديدة ليس لدينا أبدا الوسائل للتعاطي معها. ووراء كل الهذر الهائل في وسائل الاعلام، كل التحليلات والتقارير التي لا نهاية لها، بما في ذلك المراسلين الذين ينقلون تقاريرهم هذه المرة من الجبهة مباشرة (انظروا الى هذا الترفيع)، ليس لاي منا فكرة عما يجري هناك حقا. ومع قول مثل ''ماذا نعرف ابدا عما يجري في العراق؟''، هناك ميل الى التعامل كتعبير ساخر، كمخرج أخير لحديث قطع. ولكن أن المشكلة هي اننا، جميعا، لا نعرف شيئا حقا. أنا لا اعرف كيف اقول ذلك بشكل اكثر تطرفا. ولكن يكاد يكون كل الناس الذين يجلسون في التلفزيون ويعربون عن سيماء جدية مهمة، يخدعون بوقاحة او على الاقل يدورون الامور بشكل لا يتيح لك ان تفهم بانهم لا يعرفون شيئا. عمليا لا يوجد في هذه الاثناء سوى ثلاثة أمور يمكن فهمها من هذه الحرب، وثلاثتها اشكالية جدا. الاول: كل المفهوم وكأن الشعب العراقي يتوق للتخلص من صدام حسين وفقط ينتظر الاميركيين كي يصلوا، هو على ما يبدو هراء كبير. فهاكم مثلا التقطت صور لآلاف العراقيين الذين يركضون الى نهر الفرات كي يبحثوا عن طيارين أميركيين. وخلافا لمشاهد اخرى يبثها التلفزيون العراقي، والتي يصعب منها الفهم اذا كان الحديث يدور عن جموع كبيرة من الناس ام عن مجرد حفنة مدربة جيدا، ففي هذه الحالة كان واضحا ان الحديث يدور عن سباق شعبي. وعلى الجسر بدت الاف السيارات، والشباب الذين ركضوا نحو النهر بدوا اساسا كمحبي كرة القدم إثر فوز مهم. لم يبد هؤلاء مذعورين، لم يبدوا كمن لم يناموا جيدا في الليل، وبالاساس ليسوا كمن ينتظرون الان الخلاص الغربي. وما يطرح التخمين بانه ربما، كما ادعى الكثيرون الطيبون من قبل، الشعب العراقي حقا غير معني بالبادرة من جورج بوش. صحيح أنه في العيون الغربية صدام هو دكتاتور. ولكن الامر الثاني هو أنه من الواضح ان القنابل هي أمر فظيع يجلب الدمار الهائل. صحيح، وهذا يبدو ساذجا بعض الشيء، أنها تثير المشاهدين قليلا، ولكن هذه الصواريخ الجوالة التي تكلف ملايين الدولارات وتحدث دمارا فظيعا، كان يجدر بها منذ زمن بعيد ان تختفي من قائمة العالم المتنور. فهي لا تقدم اي هدوء، اي اخوة بين الشعوب. لا شيء. جورج بوش ورجاله هم عصابة من مثيري الحروب يسارعون الى القتال من أسوأ نوع موجود. ووصفهم كقوى سلام وتقدم، فيما هم يهدمون العراق، فان هذا ببساطة أمر سخيف. والامر الثالث والاخير هو انه لا يوجد اي سبيل لمعرفة ما هو وضع صواريخ السكود في غربي العراق واي رؤوس لها. ليس هذا لطيفا قوله، ولكن ليس لاحد اي فكرة عن مستوى التهديد الذي نوجد فيه في هذه اللحظة. هل صدام يوشك على ان يقتلنا؟ يسممنا؟ مجرد يخيفنا؟ لا توجد اجابة لدى أحد. ولكن لما كان هذا التهديد قد غدا مبسطا بعض الشيء، فلا مفر امامنا الا ان نكبته. فهذا هو السبيل الوحيد في هذه اللحظة للبقاء على قيد الحياة. عن « معاريف »