الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 سيل القنابل الذي نزل على بغداد وأرتال الدبابات والمدرعات التي تتوجه من الجنوب الى بغداد بدأ الحرب التقليدية الثانية في الألفية الجديدة. سنة ونصف فقط مرت منذ ان احتلت الولايات المتحدة وحدها افغانستان، الا ان تحديد ارض المعركة لم يتغير منذئذ. الدول وخاصة العظمى منها تفضل القتال ضد الدول وليست مستعدة أو جاهزة بعد لأن تواجه تهديدات من طراز جديد مثل الارهاب الدولي أو زعيم دموي واحد. العراق ليس عدوا جديدا ولا نمطا جديدا من التهديدات. الادارة الاميركية اعتبرت ان الخطر لا يكمن في الاسلحة الموجودة بحوزة العراق وانما بالقيادة العائلية المتمثلة بصدام حسين وأولاده. هذا كان السبب ايضا لعدم تمكن مفتشي الامم المتحدة من اعطاء حل للتهديد وفقا للرؤية الاميركية. بوش قال ان ابادة المفتشين للاسلحة ليست ضمانة لعدم قيام صدام لاحقا بشراء اسلحة جديدة اذا واصل زعامته للعراق. وفي الوقت الذي تدور المعركة لم تعد هناك جدوى كبيرة من تدارس المسألة التي هي في العادة من اختصاص لجان التحقيق والتي تسعى لمعرفة «ماذا كان سيحدث لو». والامر الأهم من ذلك هو دراسة افتراض كل واحد من الجانبين. اذا كان بوش محقا في رؤيته بأن زعامات الدول الخطيرة يجب ان تزول حتى تتيح المجال لعالم أكثر أمنا، واذا كانت درجة تصميم بوش على هذا المبدأ لا ترتكز على اعتبارات غريبة ـ مثل النفط أو تغيير وجه الشرق الاوسط ـ فمن الواجب ان نتساءل اذا كانت أمامنا الآن سنوات مقبلة من الحروب ضد الأنظمة الخطيرة والقائمة كما تعرفون ليست بالقصيرة. لا حاجة لحروب كثيرة كما يقول مؤيدو مبدأ بوش، وتكفي حرب «جيدة» واحدة ضد نظام خطير واحد حتى تلقن كل الباقين درسا وتزرع الخوف في قلوبهم. هذا افتراض يصعب قبوله لانه ينطوي على افتراض يقول ان دوافع كل الدول «الشريرة» وكل الزعماء «الشريرين» متماثلة وان هذه الدول تدار بنمط واسلوب واحد. الا ان الحكام من شاكلة صدام حسين ليسوا من هيكلية أو تركيبة واحدة. كل واحد منهم كان نتيجة لثقافة سياسية واجتماعية معينة قائمة على معتقدات وتصورات وظروف خاصة بكل دولة على حدة. الحرب الثانية ضد صدام حسين نفسه لا تؤكد فقط ان هذه الدول لم تتعلم درس الحرب الاولى وانما ان زعيم الدولة نفسها التي كانت عرضة للحرب الاولى قد اعتقد انه قادر على اجتياز الجولة الثانية من الحرب ايضا. الرسم البياني للقادة ـ خصوصا كل ما يتعلق بتاريخ شعوبهم ودولهم ـ لا يمكن ان يعزز الرؤية القائلة ان ازاحة نظام «شرير» واحد كافية لتطبيق مبدأ الدومينو. النتيجة قد تكون عكسية والحرب الحالية ضد العراق ستكون فقط حربا جديدة من الحروب القليلة المنعزلة عن سياقها الاقليمي أو الدولي، والنظام الجديد الذي سيظهر فيها لن يكون منيعا ومحصنا من تطلع زعيم واحد أو مجموعة قيادية من العمل في اللحظة المناسبة على تحقيق حلم صدام وتجسيده. ادارة بوش، وهذا حق يجب ان يقال، مدركة لهذه الاحتمالية، ذلك لانها طالبت المعارضة العراقية قبل ان تتنصل منها بأن توقع على تعهد لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 687 الذي يفرض على العراق عدم انتاج اسلحة دمار شامل. ذهول قادة المعارضة كان كبيرا ـ ألا يثق بوش بهم؟ وهم الذين يريدون استبدال صدام والحلول محله. الجواب هو ان بوش لا يصدقهم ولا يصدق أي زعيم عراقي مستقل سيأتي بعد صدام. والنتيجة هي انه لن يكون هناك مفر، حتى بعد سقوط صدام حسين، من فرض نظام رقابة على العراق بحيث يكون فعالا وأكثر قوة، أي نظام دولي مثل ذلك الذي طلب فرصة اخرى لمواصلة عمله وتفتيش صدام قبل اندلاع الحرب. عن «هآرتس»