الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 أجرت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» حواراً، مؤخراً، مع دكتور بطرس غالي، الامين العام السابق للامم المتحدة، تناول خلاله عدة قضايا منها وجهة نظره حول مدى شرعية الحرب الدائرة حالياً ضد العراق من عدمها، وطبيعة النظرة الراهنة لوضع القوات الاميركية والبريطانية، وما اذا لايزال هناك دور يمكن ان تلعبه الامم المتحدة في الحرب الحالية. وفيما يلي نص الحوار: ـ يقول الروس وآخرون في مجلس الامن ان الحرب الاميركية على العراق غير مشروعة، في حين يقول الاميركيون انها تأتي بموجب القرار رقم 1441 الصادر عن مجلس الامن وبمقتضى قرارات اخرى تسمح بنزع اسلحة الرئيس العراقي باستخدام جميع الوسائل اللازمة، فما هي وجهة نظرك في هذا الخصوص؟ ـ هذا التدخل غير مشروع وقد اخطأت الولايات المتحدة عندما قالت انه شرعي ويحظى بموافقة دولية. ولكن هناك سابقة في هذا الصدد، ألا وهي الحرب في كوسوفو، التي كانت هي الاخرى حرباً غير مشروعة غير ان النقاش حول هذه القضية ينبغي ان يترك للباحثين والعلماء من جيل الغد، والامر المهم الآن هو التفكير فيما ينبغي فعله بعد الحرب.في عامي 1940 ـ 1941 خلال أحلك فترات الحرب العالمية الثانية، اتفق فرانكلين روزفلت، الرئيس الاميركي آنذاك، وونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني في حينه، على الحاجة الى وجود مؤسسة للأمن الجماعي تعمل من اجل تجنب اندلاع حرب اخرى، وهو ما غرس بذور انشاء الامم المتحدة.ولذا فإننا بدورنا نحتاج الآن الى ان نركز على ما يجب فعله عندما تنتهي هذه الحرب. فتبعات هذا التدخل العسكري لا تنحصر في ما يجري في ساحة القتال وانما هي تمتد على الاقل الى تهميش كل المشكلات الاخرى الكبيرة في العالم، مثل الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي وقضية كوريا الشمالية وقضية الاحتباس الحراري، والايدز والارهاب. وعلى نحو ما اتصور فإن هناك اربع مشكلات ينبغي الوصول الى تصالح بين اطرافها: 1 ـ بين الامم المتحدة والرأي العام في الولايات المتحدة. 2 ـ بين العالم الغربي والعالم العربي، فبينما لا يفضل الرأي العام العربي الرئيس العراقي صدام حسين، فإن هذا الرأي قد جرح بشدة بسبب التدخل العسكري الاميركي ـ البريطاني. ولقد عانى الشعب العراقي بالفعل بشدة، حيث مر بثلاث حروب و12 عاماً من العقوبات وفوق ذلك كله عانى حكماً ديكتاتورياً. 3 ـ بين اوروبا والولايات المتحدة. فالآن هناك ازمة ثقة خطيرة للغاية بين فرنسا والمانيا وبلجيكا من جهة والولايات المتحدة من جهة اخرى. 4 ـ بين اعضاء الاتحاد الاوروبي، الذي يعاني انشقاقاً بسبب تأييد البعض داخله للحرب ومعارضة الآخرين. ـ ما مدى اهمية ان تكون الامم المتحدة وليست الولايات المتحدة بمفردها هي الطرف الذي يدير اوضاع عراق ما بعد الحرب؟ ـ هذا الامر مهم لسببين، فدور كبير للامم المتحدة في عملية اعادة الاعمار بعد الحرب سوف يدعم عملية التصالح بين الامم المتحدة والرأي العام الاميركي. فمن وجهة نظر الاميركيين فإن الامم المتحدة قد فقدت مصداقيتها لان الولايات المتحدة ارغمت على شن حرب على العراق من دون موافقة مجلس الامن، حتى على الرغم من انها في الوقت نفسه تدعي ان القرار 1441يمنحها حق شن الحرب. اما البعد المهم الآخر فهو ان دوراً رئيسياً للامم المتحدة سوف يساعد على ايجاد تصالح بين العالم العربي والولايات المتحدة لان هذا الامر سيظهر ان الولايات المتحدة لا تنوى الاستمرار كقوة احتلال في العراق. ولعلنا نتذكر ما حدث في كل من هاييتي وكوسوفو، حيث كانت الولايات المتحدة تقود عملية التدخل العسكري. ولكن حدث ان تولت القوات الدولية مقاليد الامور بعد ذلك بأسابيع قليلة بعد ان استتب الامن في المنطقة وحدث في كوسوفو ان تولى مسئول من الامم المتحدة مقاليد الامور هناك، وهو الامر الذي يجب ان يحدث في العراق. ـ هل يرى الشعب العراقي القوات الاميركية قوات محررة أم يراها اقرب الى قوات المغول عندما وقفت على بوابات بغداد عام 1258م؟ ـ ان الامر يعتمد على درجة ومستوى ما يلحق ببلدهم من دمار، فإذا كان هناك القليل من الدمار، فإن رد فعل العراقيين سيكون ايجابياً، وهنا سيكون من الصعب على كل البلدان العربية ان تقول اي شيء ضد التدخل الاميركي. ولكن اذا كان الدمار كبيراً، فربما يكون هناك مقاتلون مصممون على الموت من اجل الدفاع عن بغداد مثلما دافع الروس عن ستالينغراد، واذا حدث ذلك فإن المنطقة بأسرها ستكون على فوهة الانفجار. ـ هل يمكن ان يكون للامم المتحدة دور فيما يخص حل الصراع الحالي؟ أم انها تضررت الى الدرجة التي لا يمكنها معها فعل شيء؟ ـ الامم المتحدة لن تكون مجرد جزء من عمليات التصالح بعد الحرب، فالامم المتحدة هي بطل هذا التطور وينبغي احداث تصالح بينها وبين الشعب الاميركي. وتعتمد عملية اصلاح الدمار على ما اذا كانت هناك ارادة سياسية من قبل الولايات المتحدة والدول الكبرى الاخرى لمنح الامم المتحدة دوراً في هذا الصدد. وعليك ان تتذكر ان هناك الكثير من المشكلات تم علاجها خارج اطار الامم المتحدة، مثل حرب فيتنام والحرب الكورية قبلها، وقد تم التوصل الى اتفاقية السلام بين مصر واسرائيل من دون اشتراك الامم المتحدة ولم يحدث ان ادعت ابداً المنظمة الدولية انها تمتلك نوعاً من احتكار المساعي السلمية لحل النزاعات. ـ ما هو إذن دور الامم المتحدة؟ ـ سوف ترغم الامم المتحدة ان آجلاً أم عاجلاً على ادارة شئون العولمة لانه لا توجد هناك منظمة دولية اخرى، فالتدفقات المالية والتدهور البيئي والتقنيات الحديثة والامراض الناشئة كلها تحديات عالمية تبحث عن رد مؤسس عليها، وهنا يكمن دور الامم المتحدة في ايجاد هذا الرد في المستقبل. ترجمة: حاتم حسين خدمة « لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»