الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 جورج بوش الرئيس المكرس لاستكمال ما بدأه والده في المكتب البيضاوي نفسه عام 1991 والمرشح الذي وصل إلى الرئاسة بأصوات اقل من منافسه، سوف يترك الرئاسة بشعبية متدنية، لكن بعد ان يستولي على بغداد. والرئيس جورج بوش هو كذلك القائد العام للقوات المسلحة الأميركية، لقد تحول هذا الدور إلى موقع للسيطرة خلال الاشهر الطويلة التي كان يعد خلالها البيت الأبيض الهجوم على بغداد. «هناك حيث يجب ان تكونوا في الخدمة ويمكنكم ان تكونوا على يقين من ان اميركا تقدركم وان قائدكم الاعلى يثق بقدراتكم وهو فخور بكم» هذه هي الكلمات التي اطلقها جورج بوش في شهر يناير الماضي بين قواته المسلحة في تكساس. وبذلك يكون الرئيس قد تحول خلال عامين من كونه حديث العهد في موضوع العلاقات الدولية ليصبح المسئول عن عملية عسكرية تورط اكثر من 250 الف جندي وتتوعد بشطب الزعيم العراقي صدام حسين من الخارطة. لقد شاب شعره ويبدو وجهه اكثر نحولاً مع ان جورج بوش بسنوات عمره الـ 56 لديه عشر سنوات اقل من والده عندما قاد هذا الاخير عام 1991 معركة الخليج ضد البلد نفسه. حاكم تكساس السابق، المعروف بشبابه الحافل بالفضائح ـ من وجهة النظر الاخلاقية المحافظة الجمهورية ـ وبكونه طالباً دون الوسط وملتصقاً بالصناعة النفطية وبلعبة الـ «بيسبول» اكثر من الدبلوماسية.. لعب دور البطولة في عملية انسلاخ ـ عامة على الاقل ـ ليتسلق مقاعد السياسة وصولاً إلى ما هو عليه اليوم من كونه رئيساً زاهداً يكال له المديح من كل حدب وصوب. يؤكد انه لا يتعاطى الكحول ويصلي كل يوم، ويطلب من معاونيه في البيت الابيض ان يعملوا في «جو منعزل» كما انه يتظاهر في الآونة الأخيرة بكونه مشبعاً بهدوء راحة بال قارنتها مجلة «نيوزويك» بتلك التي بدت على محيّا غيري كوبر عندما لعب دور الشريف في فيلم «القطار يطلق صفارته ثلاث مرات». ولا يخفى على احد تلك الفضائح التي اشتهر بها والملتصقة إلى حد كبير بنطقة السيء وسيطرته البائسة على اللغة وكذلك نقص ثقافته. كما يتصنع الرئيس ايثار التبسيط، اذ ظهر بوش مؤخراً، محاولاً نشر مفهوم الـ «نحن» ومفهوم «الآخرون» وهو يقول: «في اللعبة هناك اكثر بكثير من امن اميركا. فالحرية موجودة في اللعبة أيضاً وانا اعتبر ان ذلك شيء جدي جداً». يجدُّ ما امكن من الوقت الذي يتعين عليه قضاءه في المقر الرئاسي وكلما تمكن من ذلك يلجأ إلى مقره الرسمي الصيفي في «كامب ديفيد» حيث يجري ويقرأ ويشاهد أفلاماً بين اجتماع واجتماع مع معاونيه. من بين هؤلاء المعاونين، تبرز كوندوليزا رايس، مستشارة الامن القومي وكارل روف، المستشار السياسي وآندرو كارد السكرتير العام للبيت الأبيض، بدون نسيان نائب الرئيس ريتشارد تشيني، الرجل القوي في الظل الذي يتناول طعام الافطار مرة في الاسبوع مع بوش. لكن المكان الذي يختلي فيه رئيس الولايات المتحدة مع نفسه ما هو إلا مزرعته «كراوفورد» في سهول تكساس حيث يستقبل بوش حلفاءه المفضلين واعوانه الاكثر اخلاصاً. انه هناك حيث شعر جورج بوش وبعض حكامه الاوروبيين الاوفياء مثل البريطاني توني بلير والاسباني خوسيه ماريا ازنار بأنهم مشبعون بالبيئة ويضعون احذيتهم على الطاولة بينما يحتسون الجعة ويتحدثون اللغة نفسها، على الرغم من عدم معرفة ما هي هذه اللغة بحيث سينتقل التكيف البيئي اللغوي الصبياني والارعن الذي تبناه ازنار إلى التاريخ الصغير لمسئول الحكومة الاسبانية الحالي. لقد اشرنا إلى انه كطالب كان دون الوسط ومن المعروف أيضاً ان مستشاريه قد شاهدوا ثغراته ورغبوا بتغطيتها والتستر عليها في الحملة الانتخابية لعام 2002 حين كان اعتيادياً سماع كيف كان يخلط بين البلدان أو كيف كان عاجزاً عن تحديد موقعها على الخارطة. والشيء نفسه حدث عندما سألوه عن رؤساء الدول «ليسوا معروفين كثيراً». لكن يببدو ان هذا لم يهم الاميركيين الذين صوتوا له، أي اولئك القلة من الاميركيين الذين اعطوه أصواتهم والذين كانوا في كل الأحوال أقل من الذين صوتوا لمنافسه آل غور ـ القليلين أيضاً ـ على الرغم من ان ذلك لم يخدم كثيراً المرشح الديمقراطي. ثمة رد منتشر أكثر مما ينبغي لشرح السبب الذي يجعل الولايات المتحدة تعتمد على رئيس مثل جورج بوش. فالأميركي الوسط، حسب هذه المحاكمة العقلية، ـ التي تبدو تبسيطية بكل تأكيد ـ بماثل أو يحدد هويته مع شخص يشبهه، وهم يرونه كـ «واحد منا». هذا التفسير لا يساوي شيئاً عظيماً، من بين اشياء اخرى لأنهم قليلون جداً، هم الاميركيون الذين يحضرون للادلاء بأصواتهم. اليس ذلك هو الأميركي الوسط؟ استطلاعات الرأي لا تساوي كثيراً كذلك، فهذه تعكس ان الرئيس الاميركي يفقد شعبيته تدريجياً، وهذا يحدث على هذا النحو حسب المحللين، لأن اقتصاد بلادهم لا ينتهي من رفع الرأس ـ والبطالة تزداد من دون توقف. والاقتصاد وحل عقدة «الحرب» سيسجلان بصورة حتمية المستقبل السياسي لجورج بوش. والأمر الواضح أيضاً هو ان حل عقدة الهجوم الأميركي سوف يحدد مستقبل قضايا اخرى كثيرة في العالم، لكن فيما يخص ما يشغلنا في هذا المقال، يكفي القول انه اذا اعطينا مصداقية لاستطلاع حديث للرأي، فإن جورج بوش سوف يخسر السلطة امام مرشح ديمقراطي ـ بغض النظر عن من يكون ـ لو حدثت الانتخابات الرئاسية اليوم في الولايات المتحدة، وذلك الاستطلاع يمثل بدون شك خبراً آخر سيئاً بالنسبة للحكومة العراقية الحالية. ترجمة: باسل أبو حمدة عن «ريبليون ـ اسبانيا»