الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 قبل فترة تعدّ بالأشهر، وليس بالسنوات، كانت أغلبية المحللين والمراقبين السياسيين الفرنسيين ترى ان المغامرة السياسية لجاك شيراك على وشك ان تصل الى نهايتها، لكنه ها هو يبدو اليوم أحد أكثر رؤساء الجمهورية الفرنسيين قوة وسلطة، إذ منذ عهد الجنرال شارل ديغول لم يلعب أحد دوراً حاسماً مثل الدور الذي لعبه على المسرح الدولي، بل لقد بدا بمثابة الرئيس الوحيد في العالم الذي استطاع أن يحتج ويعارض بالقوة والحزم ذاتهما إرادة القوة الأميركية الجبارة. لقد عرف جاك شيراك كيف ينتفض باستمرار من «رماده» ويعود أكثر قوة وأشد بأساً في وجه خصومه. هنا نلقي نظرة على محاولة المؤلفين الكشف عن الطبيعة الحقيقية للرئيس الفرنسي وأسرارها. جميل هو تعبير «العالم المغلق الصغير» الذي استخدمه ريمون بار، رئيس وزراء فرنسا الاسبق، للدلالة على اولئك الذين يشكلون دوائر القرار في فرنسا. ان هؤلاء جميعا من رجال سياسة ورجال أعمال واداريين كبار واعلاميين كانوا قد «قرروا» في فترة غير بعيدة انه قد حان الوقت للتخلص من «الدخيل» وهذا «الدخيل» لم يكن سوى جاك شيراك لكنهم لم يقبلوه ابدا في واقع الامر في عالمهم، ولاسباب غير مقنعة كثيرا يمكن تلخيصها بجملة كتبها ذات يوم جان ماري كولومباني، مدير صحيفة «لوموند» الفرنسية الشهيرة ووصف فيها شيراك بأنه يعاني من قدر كبير من عدم الثقة. ما قاله كولومباني لم يكن سوى نموذج من كم كبير من الجمل القاتلة، التي استهدفت جاك شيراك منذ ان كان مستشارا لدى الرئيس الفرنسي الاسبق جورج بومبيدو، ثم نائبا في البرلمان عن منطقة كوريز فسكرتيرا للدولة فوزيرا لرئيس وزراء واخيرا رئيسا للجمهورية الفرنسية. ومن المثير للدهشة ان اصحاب تلك الجمل كانوا من معسكره، معسكر اليمين، كما من معسكر اليسار. ذات يوم قال الرئيس الفرنسي الاسبق بشكل لاذع عن شيراك: «تنبغي مساعدة هذا الفتى الشجاع»، وجاء على لسان فيليب سيفان رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية الاسبق، واحد الذين تولوا رئاسة حزب التجمع من اجل الجمهورية، الديغولي، قوله متسائلا عن شيراك: «السخيف الآخر» بينما وصفه شارل باسكوا، وزير داخليته واحد اركان حزبه بأنه «شبح قصر الاليزيه» ان هؤلاء جميعا هم من معسكر اليمين فما بالك بما تردد لدى اصحاب اليسار، ومن الامثلة الكثيرة قول جان بيير شوفنمان، وزير داخلية فرنسا الاسبق ووزير دفاعها اثناء حرب الخليج الثانية، والذي استقال بعد بداية العمليات العسكرية ما يلي: «انني شديد الدهشة من شيراك». لكن على الرغم مما قاله عنه خصومه ومنافسوه فان جاك شيراك قد اثبت انه رجل دولة كبير يعرف كيف يزن الامور ويحسبها جيدا ويستقريء الاحداث بعين المراقب الخبير، لقد عرف كيف يتصدى اثناء الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2002 لجميع اولئك الذين كانوا يعتقدون انه سوف يخسرها حتما، حيث كان الامر قد وصل بشخصية مثل اوليفييه شارماك، مدير مكتب ليونيل جوسبان عندما كان رئيسا للحكومة والمنافس الاكبر ـ آنذاك ـ لجاك شيراك على رئاسة الجمهورية، الى القول لمؤلفي هذا الكتاب ذات يوم: «شيراك؟ ربما انه خلف هذا المظهر الرائع ليس سوى قطعة اثاث نخرها العت، وانها سوف تتحول الى غبار عندما سيهزها ليونيل جوسبان. لكن شارماك اردف قائلا: «لكنني لا اقلل من قدراته على الانتفاض من جديد، ولولا رباطة جأشه، فانه ما كان له ان يجتاز المحن القاسية التي مر بها» هذه القدرات لم تكن تعني في ذهن القائل بها سوى قدرات شيراك البدنية، وليس الفكرية هذا فضلا عن اتهامه بعدم الاستقامة. ورثة الامبراطور ان مثل هذه الاحكام تثير السخرية اذا تم النظر اليها في ضوء ما جرى في الواقع فيما بعد، حيث ظهر ان التحليلات لدى انصار يونيل جوسبان في فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية كانت تحليلات مشوشة وتبسيطية، وان اصحابها لم يفهموا شخصية جاك شيراك بكل ابعادها العميقة وبما فيها من نقاط ضعف ومواطن قوة جعلته محبوبا من قبل الشعب، هذا ما لم يستطيعوا فهمه، لقد اعماهم غرورهم باعتبارهم ورثة فرانسوا ميتران، الرئيس الفرنسي الاسبق، والذي كان يتصرف في شئون الحكم وكأنه «امبراطور». عن هزيمة ليونيل جوسبان رئيس الوزراء الاشتراكي السابق، امام جاك شيراك في الانتخابات الرئاسية الاخيرة، لا يقول اليساريون ان شيراك قد فاز، وانما جوسبان هو الذي خسر، وذلك على اساس انه قد حصل ـ اي شيراك ـ في الدورة الانتخابية الرئاسية الاولى على نسبة ضئيلة من الاصوات، لكن هؤلاء اليساريين ينسون او يتناسون ان جوسبان قد اقصي من «السباق الرئاسي» من قبل جان ماري لوبن، زعيم اليمين المتطرف، هذا على الرغم من الدعم الكبير الذي لقيه المرشح الاشتراكي من شرائح كثيرة من البورجوازية ولكن ايضا من العديد من الصحف الكبرى مثل «لوموند» و «ليبراسيون» ومن اغلبية الصحفيين، اليساريين منهم واليمينيين. لكن المثير للانتباه هو ان «الصدمة الانتخابية» الكبرى التي تلقاها اليسار الفرنسي عبر هزيمة مرشحه ليونيل جوسبان لم تؤد الى جعل قادة هذا اليسار اكثر ادراكا والى ازالة الخلط العقلي والغطرسة، التي اظهروها قبل الحملة الانتخابية الرئاسية، اذ حتى بعد فوز شيراك الساحق على جان ماري لوبن، صرح فرانسوا هولاند، زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي الحالي، قائلا: ما كان لشيراك ان يفوز بل كان يفترض ان يخسر»، ان مثل هذا الاصرار على العداء البدائي لشيراك «يدل على مدى تأصله الى درجة لا يمكن معها اقتلاعه، ويبدو ان هؤلاء المصرين عليه لم يدركوا ان مثل هذا الموقف كان احد الاسباب العميقة لهزيمتهم وهزيمة معسكرهم لكنهم لم يكونوا وحدهم في مثل هذا الموقف. ومن الملفت للانتباه هو أن الرئيس جاك شيراك يثير غالبا الكثير من سوء الفهم مع المحيطين به من اصدقائه هذا ما تدل عليه شهادة قدمها «فرانسوا بايرو، رئيس حزب الاتحاد من اجل الديمقراطية في فرنسا، والمقرب من شيراك، حيث يقول: «ان السياسة بالنسبة لجاك شيراك ليست مجرد افكار، وذات يوم قال بالحرف الواحد حيث كان رئيسا للحكومة: لاتشغلوا بالكم كثيرا بالافكار فمهمة رئيس الحكومة هي ان تسير الامور بشكل افضل اما مهمة رئيس الجمهورية فهي ان يمثل فرنسا» ويضيف بايرو قوله: «ان مثل هذا المفهوم غريب عني، لقد فهمت ديغول وفهمت ميتران .. اما شيراك فانه يبقى سرا بالنسبة لي» وهو سر لم يجر ابدا توضيحه الى درجة ان العالم السياسي الفرنسي كله يبقى حائراً امامه. هذه الحيرة كانت وراء الكثير من الآراء القاسية جدا حيال جاك شيراك .. «المغامر» و «المندفع» كما وصفته فرانسواز جيرو الوزيرة الفرنسية السابقة في ظل رئاسة فاليري جسكار ديستان والتي لم تكن تخفي كرهها له، ولم تتردد في ان تصفه بكل النعوت التي تنم عن ذلك، لكن فرانسواز جيرو لم تقدم بذلك اي تحليلات تلقي بعض الضوء على شخصية جاك شيراك، وانما اكتفت بتكديس الادانات، الواحدة فوق الاخرى، وهذا ما فعله ايضا اولئك الذين قلدوها مثل الوزير الاشتراكي جان لوك ميلونشون عندما قال: «انني لا آخذ شيراك على محمل «..» وفرنسا ليست بحاجة الى جد طاعن في السن يثير احساسا من الطمأنينة». ان مثل هذه الآراء كلها تثير اليوم نوعا من السخرية بعد ان اثبت الرئيس جاك شيراك انه رجل دولة يشار له بالبنان على المسرح السياسي العالمي كله، انه الرجل الذي كان المفكر اليميني المعروف في سورمان «قد تحدث عن ثقافة الريدرز دايجست» التي يحملها: وكان النائب الاوروبي اليميني ايضا قد اطلق حياله حكما يمكن ان يعادل حكم «المقصلة» على الصعيد السياسي عندما وصفه بأنه رجل محدود جعل السياسة ادنى كي تصبح على مستواه». بالمقابل كانت نادرة تلك العقول التي امتلكت قدرا كافيا من الصفاء الذهني الذي جعلها لا تنساق مع الموجة العارمة لاولئك الذين غشي على عيونهم، والذين لم يترددوا في ان يهزأوا من الصحفي جوزيف ماسي ـ سكارون، عندما دافع عن جاك شيراك، كذلك لم يترددوا في ان يقابلوا بازدراء وهمشوا الكاتب دونيس تيليناك، عندما تجرأ واصدر كتابا في عام 2002 عن موقع شيراك المتميز في التاريخ السياسي الفرنسي الحديث، واعادوا تأليفه لهذا الكتاب الى واقع كون انه ينتمي الى منطقة الـ «كوريز»؟ اي الى منطقة الرئيس الفرنسي جاك شيراك، ولم يكن يوجد في الاجواء الفكرية الباريسية الكثير من انصار شيراك على الاقل من الذين كانوا يعلنون منهم ذلك، على اعتبار ان «الشيراكية ـ من شيراك ـ مرض يثير الخجل». ولم تكن النخب الباريسية الثقافية نفسها تتردد في ان تلوك بالالسنة اولئك المصابين بذلك المرض او ربما أنها كانت «تنصحهم بعملية استشفاء فكري حقيقي» وكانت عملية الاستشفاء هذه تتطلب مثلا وصفه دوائية: «قراءة جزء من الاعمال الكاملة للجنرال شارل ديغول ومجلدين من اعمال اندريه مالرو، الكاتب الكبير ووزير الثقافة في ظل ديغول ومذكرات الان بيرفيه وهو وزير ديغولي آخر». الخطأ الكبير ان الكثير من المفكرين والمحللين السياسيين الفرنسيين يأخذون على جاك شيراك خطأه الكبير، «القاتل» عندما قام في عام 1997 اي بعد انتخابه للمرة الاولى رئيسا للجمهورية الفرنسية عام 1995 بحل الجمعية الوطنية الفرنسية التي كان معسكر اليمين، اي معسكره، يتمتع فيها بأغلبية كبيرة، حيث جاءت الانتخابات الجديدة ـ بعد قرار الحل ـ بأغلبية مغايرة ـ يسارية ـ وبحكومة تولى رئاستها ليونيل جوسبان لتعرف فرنسا مرحلة اخرى من «التعايش» بين رئيس جمهورية ورئيس حكومة لا ينتميان الى المعسكر السياسي نفسه . وكانت تلك هي المرة الثالثة، اذ عاشت فرنسا مرحلة تعايش «اولى ما بين عام 1986 و 1988 بين رئيس يساري هو فرانسوا ميتران ورئيس حكمة يميني هو جاك شيراك» ومرحلة تعايش، «ثانية ما بين 1993 و 1995 بين ميتران نفسه ورئيس الحكومة اليميني آنذاك ادوار بالادور»، وكان العديد من اصدقاء جاك شيراك نفسه قد اتهموه بانه قد «سلم السلطة لليسار» بعد ان فاز بها مباشرة، وهذا ما جلب موجة من النقد ضده، ووصل الامر الى حد ان رئيس الوزراء الفرنسي الاسبق آلان جوبيه والمقرب جدا من الرئيس، لم يدافع مرة واحدة عن الذكاء السياسي لمعلمه، وانما كان يكتفي بالحديث عن شخصيته المحبوبة، الامر الذي يعني ضمنا اعتقاده بأنه اكثر ذكاء منه، وهذا هو موقف الكثيرين ممن يحيطون بالرئيس شيراك والذين يعتقدون بأنهم يستطيعون التأثير عليه وتوجيه السياسة الفرنسية حسبما يطيب لهم. لكن الى متى تعود حملة التشكيك بقدرات الرئيس جاك شيراك؟ اذا كان من الصعب تقديم اجابة دقيقة على مثل هذا السؤال، فانه من التأكيد بأنها بدأت واستمرت وتسارعت مثل «فيروس» عمت اعراضه واتسعت، من المعروف ان جاك شيراك هو خريج المدرسة العليا للادارة في فرنسا، اي المدرسة التي خرج من صفوفها عدد كبير من اصحاب القرار الفرنسيين على مختلف المستويات لكنه لم يتطلع ابدا الى ان يكون موظفا كبيرا في السلك الحكومي او في القطاع الخاص، وانما اهتم منذ بداياته بالعمل السياسي، ومنذ ان كان مرشحا لعضوية الجمعية الوطنية الفرنسية كنائب ظهر بوضوح اهتمامه الكبير بالتطلع الى السلطة قبل كل شيء، لقد كان هذا هو هدفه الاولي وليس «النظريات الكبرى»، هذا ما دفعه ايضا الى ان يتدخل في كل شيء وبقدر كبير من الحيوية، كما يشهد رفاق شبابه. وقد بدت حيويته هذه للكثيرين محاطة بالصرامة الاخلاقية التي كانت تتطلبها المرحلة «الديغولية»، اذ كان يمكن لاي قضية «اخلاقية» ان تنهي المسيرة السياسية لصاحبها، وحيث كان الرئيس الفرنسي الاسبق جورج بومبيدو على وشك ان يفقد مستقبله السياسي بسبب اشاعات مدسوسة كان بعض خصومه قد لفقوها عن أسرته، وهي القضية المعروفة بقضية «ماركوفيتش» الذي كان يعمل بخدمته ووجدوه مقتولاً. وفي السياسة «الحمقى وحدهم يسمحون لنفسهم بفعل كل شيء». إن الكثير من الشخصيات الفرنسية المعروفة والتي لعبت دوراً في الحياة السياسية للبلاد خلال العقود الثلاثة المنصرمة حاولت ان تنافس جاك شيراك على قيادة معسكر اليمين وليس أقلها شهرة جاك شابان دالماس، الذي بدا لفترة من الزمن بمثابة الوريث الأوفر حظاً للرئيس الفرنسي الاسبق جورج بومبيدو عندما تم الاعلان عن مرضه العضال، وفاليري جيسكار ديستان الذي حاول ان يستعيد مركزه القيادي بعد ان هزمه فرانسوا ميتران في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 1981، وادوار بالادور الذي كان صديقاً لجاك شيراك مدة ثلاثين سنة ثم «خانه» وأصر على ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة الفرنسية عام 1995 على عكس ما كان قد تم الاتفاق بين الرجلين. تجدر الاشارة هنا الى أن جميع استطلاعات الرأي التي أجريت بمناسبة تلك الانتخابات كانت قد أعطت ادوار بالادور حوالي 30% من أصوات الناخبين، لكنها لم تعط شيراك سوى ما بين 7% الى 10%. ثم جان ماري لوبن الذي ركز هجماته في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الاخيرة ضد جاك شيراك شخصياً، حاول ان يلصق به جميع النعوت. لكن جاك شيراك عرف كيف يخرج منتصراً من كل المعارك السياسية التي خاضها، واحتفظ بأسرار قوته لنفسه غير آبه بكل ما يقال عنه ومن أي جهة جاء. بل وبدا ان ذلك يثير سخريته، ويبعث الهدوء في سريرته، ذلك لأنه كان يجب أن يبدو كتوماً ومحاطاً بالأسرار. إن شيراك قد أخفى ولسنوات عديدة معرفته العميقة للحضارات الآسيوية وللحضارات الجنوب اميركية وحبه للشعر وللآداب اليابانية والصينية. وفي مقابل هذا كله قد يمنعه أن يمارس لعبة «التغابي» في الصالونات. ولا يأبه كثيراً بـ «القواعد الصارمة» التي تفرضها شكليات السلوك التي حددها المجتمع الباريسي «الراقي». لكن هذا كله لم يمنع شعب باريس من انتخابه واعادة انتخابه. وبتاريخ 14 يوليو 2002، أي يوم الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي، أطلق أحد اليمينيين المتطرفين الفرنسيين واسمه مكسيم برونوري النار باتجاه الرئيس جاك شيراك الذي كان يستقل سيارة مكشوفة ويهم لاجتياز شارع الشانزليزيه الشهير للوصول الى المنصة الرئاسية وحضور العرض العسكري الذي يقام سنوياً بهذه المناسبة، وبعد مرور أيام عن هذا الحادث كتبت صحيفة «ليبراسيون» تقول انه ينبغي ان تكون الشخصية المستهدفة بمحاولة الاغتيال السياسي في بلد ديمقراطي ذات بعد تاريخي، هكذا يمكن فهم محاولات الاغتيال التي جرت ضد جان جوريس الزعيم الاشتراكي الذي عارض نشوب الحرب العالمية الأولى أو ضد الجنرال شارل ديغول، ولكن محاولة اغتيال شيراك ليست مفهومة. هكذا أراد خصوم شيراك اخراجه من التاريخ، لكن بالمقابل هناك عدد ضئيل جداً من أولئك الذين لم يسقطوا في الفخ وفي جوقة المشككين بشخصية الرئيس جاك شيراك، وقد كان الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران في عداد هؤلاء، وإذ كان في كل مرة يطرح عليه اصدقاؤه اسئلة حول رأيه بجاك شيراك يجيب دائماً ومن دون ان يغيّر أبداً اجابته بالقول: «عليكم بشكل خاص ألا ترتكبوا الخطأ القاتل الذي اقترفه فاليري جيسكار ديستان، عليكم ألا تقللوا من كفاءات شيراك ولا تعتبروه بمثابة رجل غير موهوب. ففي معسكر اليمين هو الأكثر صلابة والأكثر قدرة على المجابهة، أما الآخرون فهم ذوو كفاءة متواضعة». وبعد فرانسوا ميتران ردد بعض الاشتراكيين الشباب آراء مشابهة مثل النائب جوليان دراي الذي يعتبر بأن المحاولة الدؤوبة لاظهار «المحدودية الثقافية» للرئيس شيراك إنما كانت بمثابة «خطأ لا يمكن غفرانه». كذلك أكدت ماري نويل لينمان الوزيرة الاشتراكية السابقة بأن الرئيس جاك شيراك يمثل المفتاح الأساسي للسياسة في عصره بفرنسا. لعبة الأكثر ذكاء إن شيراك لم يقبل أبداً الدخول فيما يسميه البعض لعبة «من هو الأكثر ذكاء؟» كما انه تجنب باستمرار الدخول في مهاترات مع الآخرين ويظهر في الوقت نفسه قدرة كبيرة على تحمل الضربات التي يوجهونها له. لقد عرف كيف يقترب من آراء غالبية الفرنسيين. هذا ما لم يستطع الاشتراكيون فهمه. يقول رئيس الوزراء الفرنسي الحالي جان بيير رافاران ما مؤداه ان «الاشتراكيين المزعومين في الحياة السياسية لم يفهموا الشيء الكثير عن الفرنسيين. ولم يستطيعوا ايضاً أن يدركوا ظاهرة فريدة وهي ان جاك شيراك يعيش السلطة كحرية وليست كعملية استلاب». لقد خاب أمله من النظريات والمنظومات والاحكام المسبقة. ان حظه كبير إذ ان الفرنسيين يقاسمونه هذا الرأي. وبكل الاحوال وفي مواجهة «اصدقائه» الذين حاولوا استخدام سلاح «تواضعه الفكري» وعلى رأس هؤلاء الاصدقاء ادوار بالادور الذي خانه ورشح نفسه لرئاسة الجمهورية ضده عام 1995 وايضاً في مواجهة خصومه الذين ذهبوا أكثر في «المزايدة»، أصر شيراك على ان يحتفظ بصورة الانسان المتواضع. وبقي محافظاً على موقع متميز في الحياة السياسية الفرنسية، الأمر الذي عبر عنه «باتريك ديفيدجيان» الوزير الحالي وأحد المقربين من شيراك بالقول: «انه قوي جداً، لأنه فهم عنصراً جوهرياً في الحياة الفرنسية وهو ان الثقافة السياسية في فرنسا إنما هي ثقافة شفهية سرية وانه يتم تناقلها عبر الافعال.. انه يعرف هذا ويفعله. وقد أدرك جاك شيراك ايضاً ان الغطرسة الفكرية هي أكثر ما يمكن أن يسيء لصورة رجل السياسة، وهذا ما عبر عنه كلود اليفر وزير التربية الفرنسي في الحكومة اليسارية التي تولى رئاستها ليونيل جوسبان، بعد فوز اليسار في الانتخابات التشريعية الفرنسية لعام 1997 بالقول: «لقد تمت هزيمة فاليري جيسكار ديستان عام 1981 لأنه أصبح بمثابة رجل عالي الكفاءة ومفرط الذكاء، وهكذا تم التقليل من قيمة الآخرين كلهم، لأنه كان يمتلك اجابة عن كل شيء». وكان جاك شيراك قد راقب بدقة سلوكية فاليري جيسكار ديستان المتعالية وأسرّ للبعض بأنه هو نفسه قد عانى من سطوته وقال ذات يوم: «لو تعرفون مدى الاضطهاد الذي مارسه حيالي». ان جيسكار ديستان فقد الى حد كبير تعاطف الفرنسيين معه بسبب «دماغه المتفوق ـ السوبر» ولذلك حرص جاك شيراك طيلة مسيرته السياسية على ألا يقع في المأزق نفسه، وان يجد نفسه في زاوية تسد أمامه الآفاق الانتخابية. ومن المثير للانتباه الطريقة التي مارس بها جاك شيراك تجربة «التعايش» مع رئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان والتي استمرت منذ شهر يونيو 1997، أي بعد فوز اليسار بالانتخابات التشريعية آنذاك، إن الجناح اليميني في معسكره السياسي عاب عليه بقوة انه تبنّى نمطاً «لطيفاً» من التعايش مع جوسبان، لكن جاك شيراك كان واعياً جداً لما يفعله، إذ ان موقفه كان يقوم على أساس انه لابد أن يحترم «الشرعية» التي انتجتها ادارة الشعب الفرنسي، لقد كان هذا هو خياره، وهو خيار يلقى الكثير من التعاطف معه. ويُنقل عن نيكولا سركوزي وزير الداخلية الفرنسي قوله حول مزاج رئيس الجمهورية: «لقد قيل دائماً عن جاك شيراك انه كان محدودا ومؤدباً وكريماً، انه تماماً عكس ذلك، فهو ذكي ومركب الشخصية ومهتم بحساب أبسط الدقائق». لكن ومهما يكن من أمر فقد عرف جاك شيراك كيف يخط مسيرته السياسية، ويتقدم بعناد وتأن، منذ ان تخرج من المدرسة العليا للادارة وإلى أن أصبح رئيساً للجمهورية الفرنسية.