الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 قبل بضع ساعات من اندلاع الحرب، تحدثت مع مسئول رفيع في الإداة الأميركية حول المسيرة التي اتخذتها الأمور حتى وصولها هذه اللحظة. قال لي هذا المسئول: قبل 11 سبتمبر لم يكن هناك اجماع داخل الإدارة حول موضوع العراق. ولم تحتل هذه القضية الأولوية، وكانت هناك وجهات نظر متعددة داخل أوساط الإدارة تجاهها. فقد كان هناك من يريدون تغيير النظام وكان هؤلاء موجودين في معظمهم في البنتاغون، وربما مكتب نائب الرئيس ديك تشيني. أما التركيز الذي كان سائداً في وزارة الخارجية فكان على التشديد على احتواء النظام تحت ما يسمى العقوبات الذكية. وفي مجلس الأمن القومي لم تكن هناك وجهة نظر محددة. لكن هذه القضية عموماً لم تكن تخضع لجدل حقيقي حينها. وأضاف «في الأيام التي تلت 11 سبتمبر مباشرة لم يتغير شيء كثير من هذا الموقف. فالتركيز كان منصباً على أفغانستان وأسامة بن لادن والقاعدة. ولم تنجح المحاولات الأولية التي بذلها بول ولفويتز نائب وزير الدفاع وغيره لإقحام العراق في التقدم لأن العلاقة بين العراق والهجمات كانت غير موجودة مهما كانت النوايا والأهداف من وراء البحث عنها. لكن هذا كله تغير في أواسط عام 2002. فقد أعطى الرئيس فكرة تغيير النظام في العراق أولوية سياسية. أما ما لا أستطيع أن أشرحه لك بدقة فهو العملية الدقيقة التي أخذت من تلك المواقف الأولية بعد 11 سبتمبر مباشرة والتي كانت تركز على القاعدة وأفغانستان إلى جعل العراق في رأس قائمة أولوياتنا عقب ذلك بحوالي تسعة أشهر تقريباً. وذلك سر لم يكتشفه أحد بعد. من الواضح أنه شيء يتعلق بهجمات 11 سبتمبر، وهو من الواضح أيضاً أنه يتعلق بحديث الرئيس جورج بوش عن أسلحة الدمار الشاملة الموجودة بأيدي الدول المارقة والشعوب ذات التاريخ الإرهابي من نوع ما. لكن مرة ثانية أقول إني أتمنى لك التوفيق في محاولة حله ومعرفة ما الذي حدث بالضبط وما الدور الذي كان لتشيني تحديداً من بين آخرين في تنفيذ هذه العملية». وسألت هذا المسؤل كيف تبدو الحرب في أوساط الدبلوماسيين الأميركية، فأجاب: «أعتقد أن من الصعب التعميم. شعوري هو أن الجدل حول المضي للحرب قوي بما فيه الكفاية ليشعر الناس بالراحة. هناك قضية جيدة وراء الحرب. كما أن الدعوة المعارضة لها قوية أيضاً. لكن قوة دعوة الحرب كافية لجعل معظم المسئولين الكبار يذهبون إلى النوم من دون الخوف من النظر في المرآة. وهذا في جانب كبير منه يعود إلى ما تحسه من إلحاح الخطر الذي يمثله العراق علينا. الكل يتفق على أن الرئيس العراقي صدام حسين سياسي شرير. والكل يجمع على أنه يمتلك أسلحة دمار شامل. والكل متخوف مما يمكن أن يفعله بها. ولهذا فإن السؤال هو هل علينا أن نفعل شيئاً في الحال بالقوة العسكرية؟ الكثيرون قد يجيبون عن هذا السؤال بالنفي، لكني أعتقد أن الحجج التي دفعت بالرئيس الأميركي للوصول الى هذه المرحلة قوية بما يكفي حتى لجعل أولئك الذين يميلون لمعارضتها يعترفون بمصداقيتها، والاستنتاج بالفعل أن أولئك الذين يريدون الحرب الآن يمكن أن يكونوا محقين أيضاً». إن الكثير فيما يتعلق بمستقبل الدبلوماسية الأميركية يعتمد على تطور الحرب. ويقول: «إذا لم تأخذ الأمور مسلكاً مناسباً، فإن الثمن الذي سندفعه قبل أي شيء في حسابات ما بعدالحرب سيكون باهظاً أكثر، وأعني بذلك كم سنبقى في العراق وكم من القوات سنبقي. سيكون الأمر أصعب لو أننا ورثنا عراقاً مدمراً. ثانياً قد نجد الاقتصاد العالمي وهو يمر في منعطفات أكثر قسوة. فلو سادات الفوضى وطالت فقد نجد حكومات صديقة وقد أطيح بها، أو على الأقل غدت في حال أسوأ بكثير. كما أن سمعة الولايات المتحدة ستتعرض لضير كبير. فتحدي الرأي العالمي وإثبات أنّنا كنا على صواب شيء، وأن نتحدى الرأي العالمي ويثبت هو انه كان على صواب شيء آخر. شيء آخر مختلف كلياً. وربما قد نجد أنفسنا أيضاً ونحن نواجه مزيداً من العمليات الانتحارية، لأننا نكون قد صورنا أنفسنا على أننا لسنا أولئك الذين لا يقهرون، وأننا انكسرنا. تلك ستكون ضربة قاسية علينا». هناك شيء غريب ساد في أوساط السياسة الخارجية الأميركية خلال الأشهر القليلة الماضية وهو تراجع الحماس العام للحرب داخل الحكومة مما يعتقد البعض وحماس أكثر لها خارجها حيث يوجد اخصائيو السياسة الخارجية الديمقراطية حالياً. ديمقراطيو السياسة الخارجية هم أقرب الى النصف اليميني في حزبهم لأنهم يحسون بأنه أكثر تردداً بشأن استخدام القوة العسكرية الأميركية وجمهوريو السياسة الخارجية (باستثناء الصقور) هم أقرب الى النصف الأيسر من حزبهم لأنهم يرون أنه يقلل من شأن الدبلوماسية. والنتيجة هي أن رجال السياسة الخارجية من الحزبين يشكلون رأياً متجانساً (مرة ثانية باستثناء القصور) على الرغم من العرف الذي يحظر على أولئك الذين تسلموا مناصب وزارية في حكومة لأحد الحزبين من تسلم مناصب في حكومة للحزب الآخر. وكان الرأي السائد بعد رحيل مفتشي الأسلحة عن العراق عام 1998 هو أن الرئيس العراقي صدام حسين هو سياسي سيئ لكن سلوكه لا يرقى إلى مستوى أزمة دولية خطيرة. وعلى الجانب الآخر، قلة من وزراء حكومة كلينتون أرادت الرد عليه بقوة أكبر مما فعلته الولايات المتحدة فعلاً حينها وهو أربعة أيام من القصف الجوي سُميت ثعلب الصحراء. وقد قال لي جيمس شتاينبرغ الذي كان الرجل الثاني في مجلس الأمن القومي في عهد كلينتون ورئيس قسم السياسة الخارجية في معهد بروكنغر حالياً انه كان يفضل محاولة استجماع جهد دولي أكبر لنزع أسلحة العراق. لكن المشكلة حينها كانت، كما اليوم، إقناع الفرنسيين والروس. ويقول: «كنا سنحاول أن نذهب للأمم المتحدة ودعمها بموقف أكثر قوة بما في ذلك تحريك قوات إلى المنطقة. لكن مجموعة من العوامل منعتنا من ذلك». ويعدد شتاينبرغ أزمة كوسوفو وتفجير القاعدة للسفارتين الأميركيتين في شرق أفريقيا باعتبارها قضايا شتتت التركيز عن العراق وبالطبع كانت يد كلينتون مغلولة نوعاً ما لأنه كان يواجه دعوى عزلة عن الرئاسة. ثم حين عاد العراق ليكون قضية ذات أهمية رئاسية، أصبحت واشنطن تحت قيادة جورج بوش. وتحول اجتماع أوساط السياسة الخارجة من رؤيتها للرئيس العراقي كمشكلة من مستوى ثان إلى قضية تستحق شن حرب لأجلها، لكن بشروط أن يكون ذلك ضمن عمل دولي، شأن حرب الخليج السابقة. واعتقد معظم هؤلاء أن هذا ما سيحصل حالما يوافق بوش على مطلب وزير الخارجية كولن باول بالذهاب إلى الأمم المتحدة. وبالتأكيد اعتقد معظم هؤلاء أن العالم كله سيلتف حول الموقف الأميركي الجديد بمن فيهم الروس والفرنسيين. يقول ستيفن ستانوفيتش وهو مسئول رفيع سابق في إدارة كلينتون ويعمل حالياً في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن: «إن الموقف المناهض لأميركا شيء معتاد من قبل فرنسا، وهو ليس موقفاً خبيثاً في مجمله ولا موقفاً مبدئياً في مجمله. وهم يعرفون متى يتخلون عنه. فبعد أن يكونوا فرنسيين لفترة يعرفون متى يكفون عن أن يكونوا فرنسيين. اعتقد الناس انهم يعرفون حدود اللعبة وانها ستنته في وقت ما. لكن هذا لم يحدث. وتبين أن الروس مستعدون ليكونوا فرنسيين بقدر ما كان الفرنسيون فرنسيين. قبل أيام اجتمعت بريتشارد هاس مدير مكتب التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية. وربما يكون هاس هو أبرز منظري الخارجية المعتدلين. وقريباً سيصبح هاس مدير مجلس العلاقات الخارجية. وبرحيله عن الوزارة سيصعب إيجاد من يمكن تسميته بمنظر معتدل في إدارة بوش. وصلت وزارة الخارجية في اليوم الذي ألقى بوش خطابه الذي اعطى فيه الرئيس العراقي مهلة يومين للرحيل عن العراق. سألت هاس عما اذا كانت هناك لحظة معينة ادرك فيها ان الحرب آتية لا محالة. قال: «كانت هناك لحظة من هذا النوع كانت في أول اسبوع من يوليو الماضي خلال اجتماع مع كوندوليزا رايس. نجتمع انا وكوندوليزا كل شهر تقريباً. خلال ذلك الاجتماع اثرت معها السؤال حول ما اذا كنا راغبين حقاً بوضع القضية العراقية في مركز سياستنا في هذه اللحظة بالنظر إلى الحرب على الإرهاب وغيرها من القضايا. فقالت لي من الناحية الجوهرية فإن القرار قد اتخذ فلا تضيع جهودك سدى. كان ذلك اوائل يوليو لكن قبل ذلك وفي الشهور التي سبقته كانت هناك اشارات مختلفة لحتمية الحرب فيما يقوله المسئولون وكيف يتصرفون خلال الاجتماعات. كنا نجتمع بخصوص هذه القضايا منذ ربيع 2002 وكان مساعدي يعودون منها ليقولوا لي في تقاريرهم ان هناك شيئاً ما في الاجواء. لهذا كنت ادرك انهم يجمعون الزخم لتلك النقطة لكن لم اعرف متى تأتي. ولهذا حينما اجتمع باول مع الرئيس على الغداء اوائل أغسطس واقنعه خلاله ان يمضي بالقضية للأمم المتحدة، كان جدول العمل هو ليس ما اذا كان العراق هو القضية ولكن السؤال كيف. ـ اذن هل بدأ الجدل في الأمم المتحدة مضيعة للوقت بالنسبة لهاس؟ ـ هذا تقويم سلبي جداً. القرار 1414 كان انجازاً استثنائياً. فقد اعاد المفتشون إلى العراق بشروط اشد صرامة. كما انه لم يقيد أيدينا. اننا لم نلزم انفسنا بالحصول على قرار آخر. وقد اعطانا سلطة قانونية وسياسية واخلاقية هائلة لاي شيء نفعله لاحقاً. لا اعرف كيف يمكن لأي كان ان يعيب هذا. بل ان أي مشكلة نواجهها اليوم كانت ستبدو هزيمة لو لم نحصل على القرار 1414. صحيح اننا تعرضنا لمشاكل، لكن السؤال هو لماذا. إلى حد ما، كنا نقترب من الحرب شيئاً فشيئاً وبالتالي اخذت كل المشاعر المتباينة المناهضة للحرب تظهر. الفرنسيون وغيرهم ممن صوتوا للقرار 1441 ليسوا مخلصين في اعتراضهم. فعندما صوتوا له كانوا يعرفون تماماً أي عواقب وخيمة سوف تحدث. وما يفعلوه هو الانصات للرأي العام عندهم وليس قيادتهم له. ويقول هاس ان هناك اسباباً اخرى إلى جانب المعارضة الفرنسية، وراء الفشل الأميركي في الأمم المتحدة: «الكثير من الاستياء من السياسة الخارجية الأميركية قد تراكم خلال السنتين الاخيرتين. واصبح الامر يشكل كماً كبيراً من الاستياء. اعتقد انه ربما كنا سنتضرر بتبنينا سياسة تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ينظر اليها في الشرق الأوسط ومعظم اوروبا على انها منحازة لإسرائيل. وفي أي حال، انتهى بنا الحال ونحن نبحث عن قرار ثان، بصراحة تامة، ليس لاننا نحتاجه. بل لأننا كنا ننظر إليه على انه سيكون جميلاً ان نحصل عليه، وكان مرغوباً.. لكنه كان يمثل لتوني بلير وغيره شيئاً يحتاجونه جداً ليتمكنوا من التعامل مع سياساتهم الداخلية. لكن بعد شهور من الحديث عن الاطاحة بصدام حسين هل كانت الولايات المتحدة ستقبل فعلاً ببقائه في السلطة لو انه تعاون بالكامل مع مفتشي الأسلحة؟ يقول هاس: «هذا كلام نظري. لقد قلنا اننا سنتعايش معه. حدسي لو اننا حصلنا على تعاون كامل من قبل العراق وقضينا بما يرضينا على تهديد أسلحة الدمار الشامل، فإن السؤال المنطقي حينها هو هل يستطيع صدام حسين البقاء بعد هذا؟ حد سي ان صدام حسين استنتج انه غير قادر على البقاء بعدها وهو أحد الأسباب لما نجد انفسنا فيه الآن. كانت ستكون اهانة كبيرة له. لكن حتى لو افترضنا ان ذلك لن يؤدي لتغيير في النظام من الداخل، اعتقد اننا كنا نستطيع مع ذلك ان نشن حرباً حتى في تلك الظروف. لو تجاوز صدام حسين قضية الأسلحة لكانت هناك أدوات أخرى لاحداث تغيير في النظام. ولهذا السبب توجد الدبلوماسية والدعاية والعمليات السرية والعقوبات. ستبقى لدينا باقي الأدوات. شخصياً كنت سأنصح في مثل هذه الحال بمحاولة تغيير النظام عبر قضية محاكمته لجرائم الحرب. لكني اعتقد انه يجب ان نحتفظ بالخيار العسكري اما لقضية أسلحة الدمار الشامل أو للحصول على دليل دامغ على دعمه للإرهاب. الآن يقول الناس ان الولايات المتحدة بقرارها التخلي عن مجلس الأمن قد احدثت ضرراً لا يمكن اصلاحه لموقف الأمم المتحدة. يقول هاس عن ذلك: «لم يحدث هذا الضرر. فكل ما حدث في هذه الحالة هو اننا تعلمنا من جديد الدرس القائل ان الأمم المتحدة لا تستطيع العمل الا حين اتفاق القوى الكبرى فيها. لم يكن الهدف من وراء الأمم المتحدة ان تعمل كحكومة مستقلة. ولا ان تستخدم قوة كبرى ضد قوة كبرى أخرى. ولهذا حين لا تستطيع القوى الكبرى ان تتفق فعليها ان تخرج من الأمم المتحدة. والا فانهم سيدمرون هذه المنظمة. ونحن بحاجة اليها للعمل حين تكون الخلافات بين هذه القوى منخفضة الحدة أو ان تكون متفقة فعلياً.وقال أخيراً «لو أننا ذهبنا إلى مجلس الأمن من اجل قرار ثان، وفشل بالفيتو حتى لو حصل على الأغلبية، لكان الوضع اخطر. كنا حينها سنعمل ضد الأمم المتحدة. اما الآن فنستطيع الجدال بأننا ننفذ القرار 1441. وبهذه الطريقة اعتقد بصدق أننا حفظنا مستقبل الأمم المتحدة ولم ندمرها، بل اعترفنا بأنها لا تستطيع فعل كل شيء حين تكون القوى الكبرى مختلفة. عن «نيويوركر»