الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 لم تكن كلمتا الصدمة والرعب من بين الكلمات التي تستحضرها للذهن الجمل الافتتاحية للتقرير النهائي للمجموعة الدراسية للهيمنة السريعة، وهو تجمع غير رسمي لسبعة رجال، ومعظمهم من العسكريين السابقين الذي امضوا منتصف التسعينيات في الاجتماع للحديث عن القضايا الدفاعية في ضواحي واشنطن الخضراء. ولقد بدأوا تقريرهم بالقول ان «الهدف من هذه الدراسة هو البحث في مفاهيم بديلة في هيكلة رزم قدرات للمهام يمكن تصور القوات العسكرية الاميركية المستقبلية في اطارها». احد افراد المجموعة الدراسية ساهم في تأليف رواية مع توم كلانسي، ولكنهما لم يركزا على السوق الجماهيري في ذلك الوقت. ويقول مؤلفها الرئيسي، وهو طيار متقاعد في البحرية الاميركية يبلغ من العمر 62 عاماً، ويدعى هارون اولمان، ان الدراسة «كان القصد منها حقاً ان تستخدم داخل البنتاغون فقط». ولكن اي فرصة لحصول ذلك تبخرت مع نهاية الشهر الماضي، حيث لم يعد بالامكان بحلول ذلك الوقت ان يتم تجنب عبارة «الصدمة والرعب»، وهي العبارة التي تشير إلى النظرية العسكرية التي ابتكرها اولمان بشكل اساسي، لم يعد بالامكان تجنبها في التغطية الاخبارية للحرب. وعشية يوم الجمعة قبل الماضي، لم تعد نظرية بعد ذلك في بغداد. ويقر اولمان الذي ينتقل بين المقابلات التي تجري معه في فيرجينيا خارج واشنطن بأن «العبارة، كما يتم استخدامها من قبل البنتاغون الآن، لم تكن مفيدة. فقد اوجدت نهجاً مرعباً ـ فكرة ارهاب الجميع ـ وفي الحقيقة ان ذلك ليس هو النهج الذي تدعو اليه. والبريطانيون لديهم عبارة افضل لوصف العمليات وهي: عمليات قائمة على التأثيرات». ولكن عبارة «الصدمة والرعب» هي التي تنبتها التغطيات التلفزيونية والصحافية للحرب وبالاجماع لوصف القصف الجوي الشديد بصورة غير مسبوقة الذي اطلق العنان له على بغداد ومدن اخرى إلى الشمال منها منذ يوم الجمعة قبل الماضي وبصورة منقطعة بعد ذلك. كما ان عبارة «الصدمة والرعب» هي التي لخصت وبسرعة، في اوساط المعارضين للحرب، كل اشكال الدمار العشوائي والمثير للرعب الذي يرونه في الآلة العسكرية للتحالف. وهو الامر الذي يصر اولمان اليوم على انه: «خاطيء كلياً، فالفكرة هي احداث الحد الادنى من الضرر وايقاع الحد الادنى من الخسائر باستخدام الحد الادنى من القوة، مع ان ذلك قد يكون قدراً. ان العبارة قد جردت من سياقها». وعلى الاقل في الدهاليز الفكرية لكلية الحرب الوطنية، حيث كان يدرس اولمان، فإن «الصدمة والرعب» لم يكن يفترض ابداً ان تكون عن الابادة، وانما عن قوة الارادة: صعق العدو بحمله على الادراك لحقيقة ان قوتك هائلة جداً، ولا يمكن الحاق الهزيمة بها، وان القتال محسوم في الواقع. ويقول اولمان: «السؤال هو: كيف تؤثر على ارادة العدو وتصوره، وكيف تجعله يتصرف بالطريقة التي تريدها؟ وبالتالي، فإنك تركز على الاشياء التي تجعل قدرته على المقاومة تنهار». ولا يحتاج هذا بالضرورة إلى استخدام القصف المكثف. ففي ليلة الاربعاء قبل الماضي، وبعد ان اصدر القادة الاميركيون أوامرهم بشن هجوم صغير بصواريخ توماهوك على اهداف اعتقدوا انها تضم مقر الرئيس العراقي صدام حسين، بدأت محطة «سي.أن.أن» على سبيل المثال بعرض تحذير على الشاشة يقول: تم تأجيل «الصدمة والرعب». ويقول اولمان الذي يعمل الآن استاذاً مساعداً للاستراتيجيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «تلك كانت استراتيجية كلاسيكية للصدمة والرعب. فإذا قضيت على الامبراطور تكون الامبراطورية معدة للسقوط. ولو اننا قتلناه، لكان ذلك تطبيقاً كلاسيكياً للنظرية: ذخائر بقيمة 50 مليون دولار وتنتصر في الحرب». وبعد ذلك يبدأ الجدل باتخاذ نهج غير مباشر: فتأجيل الصدمة والرعب كان بمثابة «صدمة ورعب» ايضاً، كما يقول اولمان، وذلك «لاننا كنا نعرض (الصدمة والرعب) للخطر». ولكن سبب ظهور النظرية في هذا الوقت يعتبر واضحاً: فهي الرفيق الفلسفي للتفوق التقني الاميركي المذهل في الحرب. ومحاولة احداث الصدمة لدى العدو ليست جديدة، ويقول اولمان: «لكن الامر الجديد هو الجمع بين التقنية والفلسفة. وحتى قبل رامسفيلد، وقبل 11 سبتمبر، رفضها البنتاغون كما تعلم. وقالوا: نحن لا نفهمها. وفضلوا عقيدة باول ـ قوة ساحقة سريعة لتدمير العدو، ولكن بخسارة كبيرة محتملة، على الصعيد البشري وخلافه، في كلا الجانبين. وعلى الرغم من اصرار اولمان على ان النظرية مصممة لكسب الحروب بحد ادنى من الخسائر البشرية، الا ان «الصدمة والرعب» لم تكسبه اصدقاء كثر في الحركة المناهضة للحرب، حيث تم تفسيرها على نطاق العالم تقريباً كوصفة لاحداث تدمير هائل. ان جانباً من هذا يعود إلى الطريقة التي عرضها بها البنتاغون، وكان احد المسئولين قد اخبر شبكة «سي بي إس» التلفزيونية، مؤخراً، بأنه «لن يكون هناك مكان آمن في بغداد... ان حجم هذه الحملة لم يسبق له نظير، ولم يخطر ببال احد من قبل». والجانب الاكبر منه له علاقة بالسمة المميز «للمثقفين العسكريين»: ابتعاد معين عن الاخبار اليومية الكئيبة الصادرة عن جبهات المعارك الحقيقية، وفي حالة اولمان افضلية للحكايات الاسطورية، مثل الحكايات التي يستمتع بسردها عن صن تزو، المفكر الصيني القديم الذي اشتهر بكتاب «فن الحرب». ويقول اولمان: «تم توظيف صن تزو من قبل الامبراطور كقائد حربي، وبدلاً من اجراء مقابلة معه، طلب منه الامبراطور ان يعلم محظياته ان يسرن في مشية عسكرية منتظمة. لانه اذا استطاع ان يفعل ذلك، فبامكانه فعل اي شيء. ولهذا قال صن تزو: هل املك سيطرة كاملة؟ فقال له الامبراطور: نعم. وهكذا طلب منهن ان يسرن في هذه المشية العسكرية المنتظمة، فما كان من المحظيات الا ان ضحكن. ثم استدعى رئيسة المحظيات وقطع رأسها. فسرن بعدها بالشكل الذي اراده». غير انه بالنسبة للكثيرين، فإن اصعب شيء يمكن استيعابه بشأن اولمان هو المثال التاريخي الذي يورده للصدمة والرعب وهو: اسقاط القنبلة النووية على هيروشيما وناغازاكي. ومن الصعب المجادلة مع رأيه بأن هذا كان «الحالة القصوى لتغيير السلوك». ومن السهل مجادلته بالاستنتاج بأن هذا العمل انقذ ارواحاً لا حصر لها. ويقول اولمان: «لكن الق نظرة على اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية. اعداد كبيرة من المدنيين كانت تنتحر، وكنا نقصف الجزر بالقنابل التي تحرق، في ليلة واحدة 100 الف ياباني ـ تحرقهم في الليل. وكان هذا رعباً لا يصدق. لقد كنا نجوع اليابانيين، لاننا كنا نفرض حصاراً عليهم. وتنبأ الجنرال جورج مارشال بأن الغزو كان سيفرض حوالي مليون جندي من الخسائر البشرية الاميركية، وكان يمكن ان نبيد شعب اليابان، بحيث لا يعود هناك يابانيون، فأسقطنا قنبلتين نوويتين فاستسلموا». ويضيف اولمان: «لقد كانوا نزاعين إلى الانتحار إلى اقصى حد. وكان بمقدورهم ان يستوعبوا وجود الف طائرة قاذفة وسقوط 100 الف ياباني، ولكنهم لم يستطيعوا استيعاب طائرة واحدة وقنبلة واحدة وفقدان مدينة واحدة. ولاولئك الذين يقولون ان ذلك لم يكن انسانياً.. فانني اقول انه لم يكن غير انساني اسقاط القنبلة الذرية اذا كنت تؤمن بانقاذ الارواح على المدى البعيد. والآن، هل يمكنك ان تفعل ذلك بالقدر الادنى من القوة اليوم؟ نعتقد ان بامكانك فعل ذلك». ويؤكد اولمان على ان تقدم التحالف في الحرب الحالية كان مثيراً للاعجاب على حد تعبيره فالناس لا يدركون ان الحرب بدأت يوم الاربعاء قبل الماضي. والامر اشبه بالقول لأيزنهاور بعد اربعة ايام من انطلاق الحرب العالمية الثانية، لماذا لم نصل الى برلين حتى الان؟». ويقول: اننا سنعلم في غضون اسبوع او ربما 10 ايام، ما اذا كانت استراتيجية الصدمة والرعب قد نجحت» مع انه من غير الواضح بالضبط ما الذي سيشكل «النجاح». وكل هذا لا يعني القول ان اولمان يدعم الحرب. فربما لا يؤيدها على نحو يثير الدهشة. ويقول بهذا الخصوص: «وصلنا الى المكان الذي وصلناه، وهذا ليس انتقاداً ولا نكتبه على هذا النحو، ولكن لو ترك الامر لي، لانتظرت شهوراً، ربما لأحصل على قرار ثان، عندما يتضح ان العراق لديه اسلحة دمار شامل. وانا لا اتفق مع وجهة نظر الادارة القائلة ان العراق يشكل تهديداً واضحاً ومباشراً وخطراً وشيكاً. ولكن كما نقول في الطيران، فإن الاشياء الثلاثة عديمة النفع للطيار هي المجال الجوي فوقه والمدرج خلفه والوقود الذي لم يبق منه في الخزان شيء». ترجمة: ضرار عمير عن «جارديان»