الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 يذهب البعض في واشنطن إلى القول انه في حال مضى الغزو الاميركي للعراق كما هو مخطط فإن الحرب يمكن ان تؤدي إلى تحسن حياة عدد كبير من العراقيين. ولكن ادعاء من هذا النوع يشكل في جوهر الامر، تجاهلاً متعمدا للسياق الذي تحدث خلاله. فهذا السياق محاولة صريحة وواضحة من قبل القوة العظمى الوحيدة في العالم لإعادة تشكيل وتنظيم العالم بما يخدم مصالحها.مؤخراً، كتب الصحافي دافيد أرونوفيتش بجريدة «الاوبزرفر» يقول انه قبل احداث سبتمبر كانت ادارة بوش «غير مبالية نسبياً بطبيعة الانظمة الحاكمة في الشرق الاوسط.. على حد قوله، وان هذه الادارة اضطرت إلى الاهتمام بما يجرى في العالم بعد مهاجمة اميركا. واذا كان ارونوفيتش يعتقد ذلك، فإنه سيفعل خيراً اذا ذهب لتفقد موقع «مشروع القرن الاميركي الجديد» على شبكة الانترنت، والذي اقامه كدمن ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وجيب بوش وبول ولفوتيز ولويس ليبي واليوت ايرامز وزالماي خليل زادة وجميعهم باستثناء شقيق الرئيس بوش يحتلون مناصب كبرى في الحكومة الاميركية حالياً. فإعلان المباديء الخاص بهذا المشروع والذي تم توقيعه من قبل هؤلاء الاشخاص وغيرهم في 3 يونيو عام 1997 يؤكد ان التحدي الرئيسي الذي تقابله الولايات المتحدة هو «صياغة قرن جديد يوافق مباديء ومصالح اميركا». وان هذا التحدي يتطلب «آلة عسكرية قوية ومستعدة لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية وسياسة خارجية تدعم بقوة وجرأة المباديء الاميركية بالخارج وقيادة وطنية تقبل مسئوليات الولايات المتحدة العالمية». وفي 26 يناير 1998، قام هؤلاء الاشخاص بالكتابة إلى الرئيس الاميركي آنذاك بيل كلينتون يحثونه على «تبني استراتيجية جديدة» تقوم على التخلص من نظام الرئيس العراقي صدام حسين. وقد حذروا من انه اذا لم يتحرك كلينتون في هذا الاتجاه، فإن «امن القوات الاميركية وسلامتهافهي المنطقة، وكذلك سلامة اصدقائنا وحلفائنا مثل اسرائيل وجانب كبير من الثروة النفطية في العالم ستتعرض جميعها للخطر»، حسب نص الرسالة التي ارسلها هؤلاء إلى الرئيس كلينتون. وقد اعترف هؤلاء بأن هذا الاتجاه يمكن ان يتم الاعتراض عليه ولكن على حد قولهم فإن «السياسة الاميركية لا يمكن ان تستمر فهي تقيدها بهذا الاصرار الخاطيء على الحصول على اجماع في مجلس الامن الدولي». وفي العام الماضي حصلت صحيفة «صنداي هيرالد» على نسخة من تقرير سري اصدره القائمون على المشروع انف الذكر يقترحون فيه ان الانتهاء من الرئيس العراقي لا ينبغي ان يمثل نهاية استراتيجيتهم بل بدايتها. وقد جاء في هذا التقرير: «بينما يعطي الصراع غير المحسوم بعد مع العراق مبرراً فورياً للحاجة إلى وجود عسكري قوي للولايات المتحدة في الخليج، فإن هذه الحاجة تفوق قضية التخلص من النظام العراقي». وأصر واضعو التقرير على ان الهدف الاستراتيجي الاكبر هو «الحفاظ على الهمينة الاميركية على العالم». ودعت وثيقة اخرى للمشروع حصلت عليها الصحيفة نفسها الولايات المتحدة إلى «عدم تشجيع الدول الصناعية المتقدمة على تحدي قيادتنا او الطموح إلى ان يكون لها دور اقليمي او عالمي اكبر». وعند توليها السلطة كانت ادارة بوش حريصة على الا تثير قلق حلفائها. ففي بداية توليه الحكم، تكلم الرئيس فقط عن الحاجة إلى «اظهار قوتنا بشكل صريح وبقدر من التواضع» على حد قوله، والعمل على «ايجاد سبل جديدة للحفاظ على السلام». غير انه مع مرور الاسبوع الاول له في الحكم، بدأ الرئيس الجديد ليس في بناء الدولة بقدر ما هو بدأ في بناء كوكب الارض. ان الهدف الظاهر لمشروع بوش الخاص بالدفاع الصاروخي هو اسقاط اي صواريخ نووية توجه ضد الولايات المتحدة. اما الهدف الحقيقي فهو تقديم مبرر للخطط الطموح بشكل غير عادي الموجودة في تلك الوثيقة الخاصة بالبنتاغون والتي حملت عنوان «رؤية للعام 2020»، وهي الخطط التي تهدف إلى تحويل الفضاء إلى مسرح جديد من مسارح الحرب، وتطوير انظمة اسلحة مدارية بوسعها تدمير اي هدف على سطح الارض بشكل فوري. وعن طريق ايجاد انطباع بأن هذا البرنامج له هدف دفاعي فقط، يمكن لبوش ان يبرر سعيه إلى امتلاك ما يصفه هو بأنه «هيمنة مطلقة» على الامن في جميع ارجاء كوكب الارض. ومباشرة بعد الهجوم على نيويورك، بدأت الحكومة الاميركية في تشييد «قواعد متقدمة» في آسيا. وكما اشارت مساعدة وزير الخارجية الاميركية اليزابيث جونز، فإنه عندما «ينتهي الصراع من افغانستان فإننا لن نغادر آسيا الوسطى فنحن لدينا خطط طويلة الاجل ومصالح في هذه المنطقة». فالولايات المتحدة لديها حالياً قواعد في افغانستان وباكستان واوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وجورجيا. وقد ادى هذا الوجود العسكري في الواقع إلى تدمير منظمة تعاون شنغهاي التي اقامتها كل من روسيا والصين في السابق في محاولة لتطوير بديل اقليمي للقوة الاميركية. وفي يناير الماضي، تحركت اميركا نحو جيبوتي في محاولة ظاهرية لتوسيع نطاق حربها على الارهاب، بينما هي في الواقع تقوم بكسب تحكم وسيطرة استراتيجية على مضيق باب المندب، الذي يعد احد اهم ممرين لشحن النفط في العالم، حيث تسيطر الولايات المتحدة حالياً بالفعل على الممر الثاني وهو مضيق هرمز. ومؤخراً وتحت ادعاء محاربة الارهاب نفسه، ارسلت اميركا 3000 هندي إلى الفلبين. وفي العام الماضي دخلت واشنطن في مفاوضات لانشاء قاعدة عسكرية في ساوتومي وبرنسيب، يمكن لها من خلالها اذا ارادت ان تسيطر على حقول النفط الرئيسية في غرب افريقيا. ومن ثم فإن الحكومة الاميركية الآن تتمتع بسيطرة استراتيجية على جميع مناطق انتاج النفط وممرات شحن النفط الرئيسية في العالم تقريباً. كما استغلت واشنطن مأساتها القومية كمبرر لتطوير اسلحة نووية وبيولوجية جديدة، وفي الوقت نفسه تقوض الاتفاقيات الدولية التي من المفترض انه تم التوصل اليها لاحتواء مثل تلك الاسلحة. وكل هذا يسير وفق مشروع القرن الاميركي الجديد. ومن بين السياسات الاخرى التي اتبعتها في هذا النطاق قيامها بالدعوة إلى تطوير جيل جديد من الاسلحة البيولوجية تهاجم اناساً ذوي خصائص جينية معينة. لماذا يجد هؤلاء الذين يدعمون هذه الحرب صعوبة في ادراك ما يحدث؟ لماذا لا يغضب وينفعل هؤلاء المحافظون، الذين استشاطوا غضباً عندما يحاول الاتحاد الاوروبي تغيير محتوى قوالب الشيكولاتة الخاصة بنا، عندما تحاول اميركا انزالنا إلى مرتبة الدول الذليلة الخاضعة؟ لماذا يرفض هؤلاء الليبراليون الذين يخشون من ان يقوم الرئيس العراقي صدام حسين باستخدام سلاح من اسلحة التدمير الشامل في يوم ما ان يروا ويدركوا ان جورج بوش يهدد باستخدام السلاح نفسه ضد عدد متزايد إلى ما لا نهاية من الدول؟ هل هذا يرجع إلى انهم لا يستطيعون مواجهة حجم التهديد وحجم المقاومة الضرورية لمواجهة هذا التهديد؟ هل هذا يرجع إلى ان هؤلاء القادة الشجعان لا يستطيعون ان يحدقوا في عين الارهاب الحقيقي؟ ترجمة: حاتم حسين عن «جارديان»