الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 صدر مع مطلع هذا العام، وما زال يلقى اهتماماً من المحللين والنقاد، كان مؤلفه واحداً من كاتبي خطب الرئيس جورج بوش، مما أتاح له الاطلاع عن قرب على بواطن الأمور في كواليس البيت الابيض: خصوصيات الرئاسة، صراعات القوى ذات النفوذ، سلوكيات المعاونين والمستشارين المؤثرين على الرئيس الأميركي . المؤلف ديفيد فروم كاتب صحافي من أصل كندي استخدموه في الرئاسة الأميركية ربما اعترافاً بأفكاره المعبرة عن القوى المحافظة في السياسة الأميركية. ويعزى إليه ابتكار التعبير الشهير الذي تحدث فيه جورج بوش عن «محور الشر» والكتاب هو خلاصة تجربة 13 شهراً في البيت الأبيض. «أرض الميعاد».. عنوان الفصل الثالث عشر، وهو في رأينا أهم فصول الكتاب الذي نناقشه عنا، لقد وضعه المؤلف لا بوصفه كاتباً ولا صحافياً ولا موظفاً في البيت الأبيض ولا حتى باعتباره مواطناً كندياً. في سطور هذا الفصل تتجسد ـ لا نقول تتجلى ـ هوية المؤلف السيد ديفيد فروم يهودياً، صهيونياً وشارونياً إن صح التعبير. يبدأ الفصل بداية أقرب الى التحليل الرصين حين يعرض بمنهج المقارنة لشخصيتي الرئيس كلينتون والرئيس جورج بوش. والمقارنة تدور حول الهوى الاسرائيلي والنظرة الشرق أوسطية عند كل من الرجلين، وكلينتون في رأي المؤلف كان يمثل في سلوكه السياسي رأس الذئب الطائر، بمعنى انه النموذج الذي ينبغي أن يحرص بوش على تجنبه من حيث معالجته مشكلة الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، وكذلك من حيث ان الرئيس الأميركي السابق بدد كثيراً من رصيده السياسي حين انغمس إلى حد كبير في التعاطي مع القضية الجوهرية في الشرق الأوسط على نحو ما تبدى في محادثات عرفات ـ باراك بحضور كلينتون وأركان حربه في منتجع كامب ديفيد. في معرض التحليل في معرض التحليل يعزو المؤلف اهتمام كلينتون بالقضية إلى عاملين أساسيين: ـ الأول، كان عاملاً استراتيجياً يتمثل في صورة تأمين امدادات النفط المستوردة لاستهلاك السوق الأميركية. وفي هذا يقول مؤلفنا: كان كلينتون يأمل في انه بتسوية القضية الفلسطينية يصبح في استطاعته التخفيف من غلواء النزاعات الراديكالية (الرافضة والمتمردة سياسياً) في العالم العربي مما يفضي من ثم الى تعزيز أمن منتجي النفط من حلفاء الولايات المتحدة ممن لا يأخذون بأسباب الديمقراطية. ـ الثاني، كان سبباً شخصياً، إذ كان كلينتون في اعتبار مؤلفنا، يهودي الهوى على نحو لم يتصف به رئيس آخر في تاريخ أميركا: أقرب أصدقائه وأكثر من يثق بهم كانوا يهوداً، وادارته كانت مفعمة بعناصر يهودية، والقاضيان اللذان قرر تعيينهما في المحكمة العليا كانا من اليهود، حتى الفتاة اياها ـ كما يغمز المؤلف ـ التي كانت شديدة القرب من قلبه كانت بدورها يهودية. ومن ناحيتهم لم يقصر اليهود في حق كلينتون، بل بادلوه هذا الهوى الشغوف. أما بوش فكان على خلاف ذلك تماماً، فهو في مجال النفط كان يرى أهمية الاعتماد على بترول المكسيك أو روسيا بدلاً من نفط الشرق الأوسط والخليج، وكان يراهن على امكانية التوصل في نهاية المطاف الى سيارات كهربائية تسير بالطاقة النووية. وعلى المستوى الشخصي كانت في بوش صفات لا تروق ليهود الولايات المتحدة، كانوا يرونه أميركياً قحّاً، أقرب الى التعصب، وكانوا يعرفون نزعته إلى التدين والتقليب في الكتاب المقدس، وكانوا يعرفونه فتى مدللاً لا يأبه كثيراً للثقافة ولا لفكر الاستنارة، بل قصاراه ان انحدر من أسرة تنتمي الى الطبقة الوسطى العليا الموسرة، ويعبر أفرادها عن فكر اليمين المحافظ السياسي. الأحداث تتوالى عندما دخل بوش الى البيت الأبيض لم يعين في ادارته شخصاً يهودياً، ولا كان في ادارته سوى قلة من اليهود. لكن ها هي الأحداث تترى، وعجلة الزمن تدور، وسبحان مغير الأحوال، والأفراد ايضاً، وهنالك يتحول مؤلفنا من لهجة التحليل الى لهجة التهليل حين يقول (ص248): على ذلك فقد انطوى الأمر على تغيير مذهل في مسيرة التاريخ عندما وجدنا ان جورج دبليو بوش قد تحول ليصبح واحداً من غلاة مؤيدي اسرائيل ممن شغلوا يوماً مقعد الرئاسة في المكتب البيضاوي. وكان طبيعياً أن يجتاز هذا التحول مراحل متعددة ومحطات شتى. كان أولها محطة سبقت يوم 11 سبتمبر، وكان موقعها اللجنة الأميركية ـ اليهودية في لوس أنجلوس، حيث اختار بوش القاء خطاب في احتفال أقامه ودعيت الى التكلم فيه عدة شخصيات شهيرة مثل فسنت فوكس رئيس المكسيك وشيمون بيريز وكان وزير خارجية اسرائيل، ويوشكا فيشر وزير خارجية ألمانيا. وكانت مصادفة سعيدة بالنسبة لمؤلف كتابنا، فقد كلفوه بأن يكتب خطاب السيد الرئيس، وطبعاً شمر صاحبنا عن ساعد الكلمات الحلوة وعبارات المؤازرة الحارة التي أجراها على لسان بوش من قبيل: أنا مسيحي، ولكنني أؤمن مع مرتل مزامير داوود بأن الله سبحانه لا يغفل ولا ينام. ومن هذه النغمة التي تبدو وئيدة هادئة، انتقل الخطاب (ص 252) الى حيث أعرب بوش عن اشفاقه ورثائه لحال اسرائيل لأن رقعتها قبل عام 1967 كانت صغيرة ومحدودة ضيقة، كانت بلداً صغيراً يعيش تحت سيف التهديد طيلة الوقت. ثم مضى الخطاب الى حيث الجوهر الذي قال فيه بوش: وهكذا، ففي أول اجتماع لمجلس الأمن القومي التابع لي أبلغتهم ان أسبق أولويات السياسة الخارجية لادارتي هي سلامة اسرائيل وأمنها، ولسوف تقف ادارتي بكل حزم موقف التأييد لاسرائيل ضد الارهاب والعنف من أجل تحقيق السلام الذي يصلي من أجله جميع الاسرائيليين. كانت تلك هي البداية، ولم تكن بداية سيئة في كل حال بمقاييس كل ادارة تحكم في البيت الأبيض، بل أعقبتها مبادرة ايجابية تمثلت في ان بوش أحال ملف القضية الفلسطينية الى الجنرال كولن باول في وزارة الخارجية ومعها وكالة المخابرات المركزية «سي.آي.ايه». ولم يعجب ذلك مؤيدي اسرائيل وأركان اللوبي الصهيوني في أميركا. والسبب يرويه المؤلف قائلاً: كان معنى ذلك اطلاق يد الموظفين البيروقراطيين العاملين في السياسة الخارجية والحريصين كل الحرص على ممالأة الدول النفطية العربية وكسب ودّها (المقصود بهؤلاء الموظفين خبراء الشرق الأوسط والمختصين بالشئون العربية أو من يعرفون باسم المستعربين في الخارجية والسلك الدبلوماسي الأميركي وهم أقرب لفهم أحوال المنطقة وفيهم عناصر تتعامل مع الشأن الفلسطيني ـ الاسرائيلي بمنطق أقرب الى الموضوعية أو الانصاف، ولم يكن ذلك يعجب أحداً من مؤيدي اسرائيل). وعندما جاء شهر أغسطس 2001 كان الجنرال باول يجهز خطاباً كان منتظراً ليعلن فيه جدولاً زمنياً من 3 سنوات يقضي باقامة دولة فلسطينية تحميها قوة عسكرية دولية (ص 254). رياح التغيير لكن كل شيء ما لبث أن تغير من النقيض إلى النقيض، وكان السبب هو أحداث 11 سبتمبر التي يصفها المؤلف بأنها «جاءت لتغير كل شيء». وحين وقعت أعمال فدائية في الأرض الفلسطينية المحتلة، لاسيما بعد اغتيال وزير السياحة الاسرائيلي في 17 اكتوبر، بدأت مدافع الاتهامات توجه الى السيد ياسر عرفات الذي اتهمته اسرائيل وقتها بأن السلطة الفلسطينية التي يترأسها ما هي سوى «دولة تدعم الارهاب». لم يكن مصطلح «دولة» يساق بوصفه مجاملة أو تبرعاً من جانب ارييل شارون لصالح عرفات، بل كان الأمر مقصوداً من أجل أن تتدرج السلطة ضمن الدول التي تدعم الارهاب، وهي التي تقع تحت طائلة وعيد بوش بالتصدي لها، بل محاربتها بعد واقعة سبتمبر. اكتملت الدائرة الجهنمية عندما أمر شارون بتحريك قواته الى أراضي السلطة، في الوقت الذي أرسل بوش قواته الى أراضي أفغانستان، ومن ثم كان السؤال الصعب المطروح أمام جورج بوش هو: هل استطيع ادانة اسرائيل لأنها تفعل في الضفة الغربية ما أفعله أنا بالضبط في أفغانستان؟ وسط هذه الحيرة بدأ سلوك بوش يتحرك ضمن مسارين متعارضين تماماً: ـ مزيد من الأحاديث الهاتفية تفضي الى مزيد من التفاهم مع شارون. ـ قطيعة مع عرفات ظلت تتنامى الى حد أن وقف الحرس الخصوصي لبوش يحولون بين عرفات وبين محاولة تحية رئيسهم في الأمم المتحدة، وكانت تلك اهانة للزعيم الفلسطيني يعبر عنها المؤلف بجملة واحدة يقول فيها: لقد تم شطب عرفات.وبعدها توالت الاهانات التي انهالت معها الأوصاف على عرفات تتهمه بالكذب واللصوصية والقتل وحماية القتلة، بل بلغ الأمر الحد الذي وضعوا عنده عرفات بأنه من أعداء الحضارة (!) بصفة عامة ومن أعداء الولايات المتحدة على وجه الخصوص. هكذا اختار الرئيس بوش موقف الانحياز الى اسرائيل وإلى الفكرة الصهيونية، وكان في هذا يستند ولاشك إلى قاعدته في الحزب الجمهوري. سؤال مهم هنا يثور السؤال المهم: لماذا أصبح الحزب الجمهوري صهيونياً الى هذا الحد؟ يجيب مؤلفنا (ص 260) موضحاً: ان المرء يرتبط ـ يقيناً ـ بتأثير المسيحيين الايفانجيليين، فكثير منهم يرون عودة اليهود الى اسرائيل علامة على قرب العودة الثانية (للسيد المسيح)، لكن هذه الطائفة ليست كل الحزب الجمهوري، بل تكاد تشكل ثلث قواعد الحزب، والحاصل ان الجمهوريين (في أميركا) يؤيدون اسرائيل لأنهم أدركوا بالفطرة ان الذين يكرهون اسرائيل ـ الديمقراطية الوحيدة التي قامت حسب تصورهم في الشرق الأوسط ـ هم ايضاً الذين يكرهون أميركا، وكل ما يوجه لاسرائيل من نقد من جانب الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة يمكن في الوقت نفسه أن يوجه الى أميركا، لأنها انتقادات تساق وكأنها تعريض بالحالة الاميركية، انتقادات تلخصها التساؤلات من قبيل: كيف تجسرون على أن تعيشوا في أرض شغلها قوم قبلكم؟ لماذا تلجأون إلى القوة دائماً من أجل حماية أنفسكم؟ هل يتوجب عليكم أن تثقوا بأنفسكم إلى هذا الحد المفرط؟ وهكذا رسمت ادارة بوش موقفها، عناصر شتى كانت تراهن على نتائج هذا الموقف: هل يفضي به الحال إلى تأكيد قيام دولة فلسطينية برئاسة عرفات ـ بكلمات المؤلف مستظرفاً.. هل ينشيء عرفاتستان في الضفة الغربية؟ هنالك يشعر المحلل بمدى البغض الواصل درجة التحريم الذي باتت تكنّه عناصر مختلفة في دوائر عديدة بأميركا ازاء ياسر عرفات، ربما لأنه ما برح رمزاً لكل نضالات ومعاناة شعبه. بل يشعر القاريء المتمعن للكتاب كيف ان القوم يفضلون الجحيم دون ان يتيحوا لعرفات أن يترأس دولة فلسطينية ما برحت في علم الغيب.ليس غريباً إذن أن يجانب المؤلف منطق الموضوعية، بل منطق الحصافة حين يقول (ص 262): إن انشاء دولة ياسر عرفات في الضفة الغربية جدير بأن يأتي أشبه بتشرشل يبدأ حربه ضد النازي بأن يفصل قطعة من ايرلندا الشمالية لتنضم الى اتحاد الفاشيست البريطاني (!) أو أقرب الى ما قد يفعله الرئيس الأميركي ترومان، يبدأ الحرب الباردة بدعوة الحزب الشيوعي السوفييتي الى استلام مقاليد السلطة في مدينة نيويورك! آفاق المجهول كان مثل هذه المقولات والطروحات تمهيداً للساحة أمام الرئيس بوش وأركان ادارته كي ينشدوا أو يرتادوا تخوماً جديدة ومجهولة ايضاً في سياسة الشرق الأوسط، لهذا جاء خطاب بوش المرتقب حول القضية الفلسطينية وقد ألقاه في عصر 24 يونيو عام 2002 في حديقة الورود بالبيت الأبيض، وكان يحف به كل من كولن باول وزير الخارجية وكوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي. في الخطاب قال الرئيس بوش: إنني أدعو الشعب الفلسطيني إلى أن يختار قادة جدداً، قادة لا يتعاونون مع الارهاب، أدعوه الى بناء ممارسة ديمقراطية تقوم على أساس التسامح والحرية، وإذا ما تحرك الشعب الفلسطيني بنشاط نحو هذه الأهداف، فإن أميركا والعالم سوف يؤازران بفعالية ما يبذله من جهود، وإذا ما بلغ هذه الأهداف فلسوف يتمكن من التوصل الى اتفاقات مع اسرائيل ومصر والأردن بشأن الأمن وغير ذلك من الترتيبات التي تفضي إلى الاستقلال. يصل بنا المؤلف إلى خواتيم الكتاب، يهمنا في هذا السياق التوقف عند نقطتين: ـ الأولى، اجتماع تم في البيت الابيض، والثانية رسالة على البريد الالكتروني يمكن ان تكون هي السبب الأساسي أو الأصلي في تأليف هذا الكتاب. ـ الاجتماع تم في أحد أيام شهر سبتمبر من عام 2002، وهي المناسبة التي استعادت فيها أميركا كل الذكريات الصعبة والمؤلمة والمريرة لأحداث سبتمبر من عام كان قد مضى وشهد تحولات في سياستها وفي اجراءات أمنها، ثم ـ وهذا هو الأهم ـ في توجه رئيسها الذي كان مستجداً وقتها.. جورج دبليو بوش. في ذلك اليوم السبتمبري، دعا بوش فريقاً يمثل الأديان السماوية الثلاثة الى لقائه في البيت الأبيض.. اجتمع الى قادة المسيحيين واليهود والمسلمين في المكتب البيضاوي. كان يريدهم ـ كما يقول المؤلف ـ ان يعرفوا ان الحرب التي شنها على الارهاب لم تكن قد وضعت بعد أوزارها، بل ان ثمة معارك، بل أشرس المعارك، ما برحت كامنة عند منعطف الطريق. بعدها سأل كل منهم الدعاء أو الصلاة من أجله، ربما كانت لحظة صدق، أو كانت لحظة مصارحة، المهم ان جورج بوش أدهش زائريه المسلم والمسيحي واليهودي حين بادرهم قائلا: شوفوا!.. لقد كنت أعاني مشكلة ادمان الخمر، بصراحة كان ينبغي أن يكون مكاني الآن حانة في تكساس وليس في المكتب البيضاوي، لكن هناك سبب وحيد هو الذي أدخلني إلى مكتب الرئاسة وليس الى البار في تكساس، هذا السبب هو انني وجدت الدين، وجدت الرب، وأنا هنا بفضل بركة الدعاء وقوة الصلاة.هذه النغمة الايجابية صدرت في غمار ذكريات الحادي عشر من سبتمبر، والمشكلة ان الرئيس الأميركي استقى منها ـ على ما يبدو ـ شحنة من العزم على مواصلة ما أسماه بالحرب على الارهاب، وليس من لوم على حرب الارهاب، لولا ان ادارة بوش قد حصرته في الشرق الأوسط، وبالذات بين شعوب العرب والمسلمين، في هذا يقول المؤلف (ص282): من أجل هزيمة الارهاب، انغمست الولايات المتحدة في غمار حملة طموح من أجل تفكيك ثم اعادة تركيب أو اعادة تكوين الأوضاع الراهنة القائمة في منطقة الشرق الأوسط، وهي أوضاع قمعية وغير متسامحة، وإذا ما نجحت الحملة ـ يضيف مؤلفنا ـ فلسوف تأتي بحرية جديدة واستقرار جديد إلى أسوأ وأعنف بقعة في العالم (!) بل ستجلب ازدهاراً جديداً إلينا جميعاً عندما تكفل الأمن لأكبر مخزون نفطي عالمي، وسواء عليه نجح أم لم ينجح في حملته، فإنها هي التي ستحدد معالم ومصائر رئاسته، بل ومصائر هذه الحقبة على السواء. حكاية محور الشر ونفارق صفحات هذا الكتاب على حكاية شخصية غيرت مسار حياة مؤلفه ديفيد فروم. لقد مضى السيد فروم أيامه في البيت الأبيض متمتعاً بمرتب مجز، ومنصب مهم، وحيثية استمدها ولاشك من اقترابه الى أكبر مواقع صناعة القرار، وحين جاء دوره للمشاركة في تدبيج خطاب «حالة الاتحاد» الذي يلقيه رئيس الدولة الأميركية حسب الدستور مع مطلع كل عام، أراد كاتب الخطب الرئاسية الهمام أن يجري على لسان الرئيس بوش قولاً جديداً مبتكراً يصلح شعاراً لمرحلة وعنواناً لحقبة رئاسية. ربما شرع في تأمل تراث من سبقوه من حيث ملاحقة واشنطن لدول بعينها في العالم بعين الخصومة وعبارات العداء. لقد سبق للرئيس ريغان، وهو عميد اليمين المحافظ في أميركا، أن وصف الاتحاد السوفييتي بعبارة شهيرة هي «امبراطورية الشر والظلام». وسبق للرئيس كلينتون أن وصف خصوم أميركا بعبارة أخرى وهي «الدول المارقة». وجاء الدور على الرئيس بوش، وقد تفنن كاتب خطابه إلى أن اهتدى إلى شتيمة دول ثلاث هي العراق وايران وكوريا الشمالية بالعبارة التي ما لبثت أن ذاعت على كل لسان وهي «محور الشر». ولأنها ذاعت على كل لسان، فقد استخف الطرب بمدام ديفيد فروم اعجاباً بعبقرية الزوج العزيز، جلست السيدة أمام جهاز الحاسوب، وأرسلت الى سائر الأقارب والمعارف، وربما الجيران هنا وهناك بريداً الكترونياً تشير فيه إلى ان شعار «محور الشر» المذكور أعلاه هو من ابداعات العزيز ديفيد، ولأن اللصوصية الالكترونية مباحة عندهم، فقد مارست القرصنة مجلة «سليت» الصادرة على شبكة الانترنت وأعادت نشر الرسالة التي وزعتها الزوجة على سائر الأهل وعموم الأحباب. ولما كان من صفوف المحللين والمعلقين من رفض هذا الشعار فقد كتبوا يصبون جام غضبهم على ذلك الصحافي صقوري النزعة والمنتمي الى جناح المحافظين (الرجعيين) الجدد الذي قاد الرئيس بوش بكلماته الى حيث لا ينبغي لرئيس أميركا أن يقاد. وانفجرت القضية في وجه السيد فروم بالبيت الأبيض، وكانت فيها نهاية وجوده في المنصب الحيوي، كاتباً مشاركاً في وضع وتدبيج وتحرير فخامة الرئيس. هكذا جاء اليوم الأخير من خدمته في سلك الحكومة الأميركية، كان اليوم هو 25 فبراير من عام 2002.