السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 عهد الرئيس العراقي صدام حسين اوشك على النهاية. فهو سيمضي سريعاً، لكن ليس وحده: فالمفارقة هي انه سيأخذ معه الامم المتحدة ايضاً. ليس كل الامم المتحدة. اذ ان جزء «الاعمال الطيبة» منها سيبقى وبيروقراطيات حفظ السلام منخفضة المخاطرة ستبقى واماكن الثرثرة فيها ستبقى. اما ما سيختفي فهو الفانتازيا القائلة ان الامم المتحدة هي اساس النظام الدولي الجديد. وفيما نبدأ بتفحص الركام بعد الحرب سيكون من المهم لنا ان نحتفظ والافضل ان نفهم الحطام الفكري للخداع الليبرالي القائل بالأمن من خلال قانون دولي تديره منظمات دولية. وفيما يتطور الموقف في العراق بعد ان امتد ربع قرن من الزمان، دعونا لا ننسى من الذي اصر على القول بأن السلطة الاخلاقية للمجتمع الدولي كانت مقدسة في طلب مزيد من الوقت للمفتشين والذين وقفوا ضد «تغيير النظام»: فعلى الرغم من مصالحات ما بعد الحرب التي دائماً ما يكون الدبلوماسيون تواقين لاجرائها، يجب الا نتصالح مع الفكرة التي تقول ان النظام العالمي يتطلب من ان نتساهل مع الدول المارقة التي ترهب مواطنيها، وتهدد مواطنينا. قبل بضعة ايام، فندت شيرلي وليامز فكرة استخدام تحالف الراغبين القوة ضد العراق. كان لابد لها وهي النزيهة والمفكرة والذكية ان تأخذ جانب المعارضة بفعل جدال مقنع جداً افرط في تعزيز الدعوى الاخلاقية الواضحة للاطاحة بصدام حسين. وبالنسبة لوليامز (وغيرها كثيرون) يتمثل المحك في الحكم على هذه الحرب بفكرة ان مجلس الامن الدولي وحده هو الذي يستطيع اضفاء الشرعية على استخدام القوات العسكرية. ولا يهم اذا كانت هذه القوات تستخدم فقط لفرض مطالب الامم المتحدة فقط. اما تحالف من الديمقراطيات الليبرالية فليس كافياً. واذا ما استخدمت القوة اي مؤسسة او تحالف غير مجلس الامن الدولي، حتى ولو كان الخيار الاخير، فإن «الفوضى» وليس القانون الدولي هي التي ستسود مدمرة اي أمل بنظام عالمي. ان هذه فكرة خطرة جداً ستؤدي بنا لتمكين امثال سوريا والكاميرون وانغولا وروسيا والصين وفرنسا من اكتساب المقدرة على اتخاذ قرارات اخلاقية كبيرة بل وحتى قرارات سياسية عسكرية. واذا ما ووجهت بالقول انه حين تكون السياسة منسجمة مع قرارات مجلس الامن، فكيف يمكن تخطيئها لمجرد ان الصين الشيوعية او روسيا او فرنسا او عصابة من الدكتاتوريات الصغيرة لاتدعمها، نجدها تعود لتعتمد على فكرة سيادة «النظام» على «الفوضى». لكن هل مجلس الامن قادر على ضمان النظام وانقاذنا من الفوضى؟ التاريخ يقول لا، لقد ظهرت الامم المتحدة من رماد الحرب التي لم تكن عصبة الامم قادرة على منعها. انها ببساطة لم تكن قادرة على مواجهة الغزو الايطالي للحبشة واقل قدرة ـ بعد ان نجت من تلك المشكلة ـ على التعامل مع المانيا النازية. وفي عجالة ما بعد نصر الحلفاء، تجسد الامل بالمقدرة على تحقيق الامن جماعياً بمجلس الامن الدولي ـ بنتائج بائسة. خلال الحرب الباردة كان مجلس الامن مشلولاً بلا حول ولا قوة. ولكن الاتحاد السوفييتي خسر هذه المصارعة بتثبيت الكتفين واوروبا الشرقية تحررت، ليس بفضل الامم المتحدة بل بأم الاحلاف، الناتو. وبجانب بضعة مناوشات وعمليات حفظ سلام، كانت القضية الامنية الوحيدة التي حلها مجلس الامن الدولي خلال الحرب الباردة هي استخدام القوة لوقف الغزو الذي تعرضت له كوريا الجنوبية ـ وهذا حصل فقط لأن الاتحاد السوفييتي لم يكن قادراً على استخدام الفيتو ضده. وكان ذلك خطأ لم يكرروه ابداً بعدها.وفي مواجهة اعتداءات ميلوسيفيتش المتعددة، لم تكن الامم المتحدة قادرة على وقف حروب البلقان او حتى حماية الضحايا. وتطلب الامر تحالفاً للراغبين لانقاذ البوسنة من الانقراض. وحينما انتهت الحرب، تم صنع السلام في دايتون بأوهايو وليس في الامم المتحدة، انقاذ مسلمي كوسوفو لم يكن ايضاً عملاً قامت به الامم المتحدة: قضيتهم لم تحصل على موافقة مجلس الامن الدولي. كما ان المملكة المتحدة وليس الامم المتحدة هي من انقذ فوكلاند. ان القرن الجديد يتحدى الان الآمال بنظام عالمي جديد بطرق مختلفة. اننا لن نهزم او حتى نحتوي الارهاب المجنون مالم نكن قادرين على نقل الحرب الى الاراضي التي يأتينا منها. وهذا سيتطلب منا احياناً استخدام القوة ضد دول تأوي الارهابيين مثلما فعلنا مع نظام طالبان في افغانستان الذي دمرناه. اما اخطر هذه الدول فهي تلك التي تمتلك اسلحة دمار شامل ايضاً. العراق هو احدها، لكن هناك اخرى، ان اي امل قد يكون لدينا باقناعها على سحب دعمها وحمايتها للارهابيين يعتمد على الحتمية والفعالية التي نواجههم بها. والفشل المزمن لمجلس الامن في فرض قراراته واضح جداً: انه ببساطة غير كفء، لهذه المهمة، لقد تركناه ومعنا تحالف الراغبين. وهؤلاء الابعد ما يكونون عن ان ننعتهم بالتهديد للنظام العالمي الجديد، يجب علينا ان نعترف انهم بحكم الواقع افضل امل متاح لهذا النظام والبديل الحقيقي للفوضى والفشل الكبير الذي تمثله الامم المتحدة. عن «اندبندنت»