السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 دور الدركي العالمي هو السبب الذي يقف وراء شن الولايات المتحدة الحرب ضد العراق. هذا ما يقوله جاك أتالي، ، الذي يعد احد ابرز المثقفين الفرنسيين واكثرهم جسارة والذي تعتمد وجهة نظره على نسق من الافكار. لا تخضع بالضرورة لتصورات الاغلبية، ويعتقد جاك اتالي، مستشار الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران والكاتب في مجلة «اكسبريس».. ان الحرب على العراق لن تكسر الوحدة الاوروبية، ولن تؤدي إلى اضمحلال منظمة الامم المتحدة، لكنه لا يشك بأن نية الولايات المتحدة تتعدى النفط وصولاً إلى جعل نفسها الدركي الجديد للعالم. في منزله الواقع على اطراف العاصمة الفرنسية، باريس، استقبل اتالي صحيفة «كلارين» الارجنتينية لمناقشة الحرب وعواقبها فكان هذا الحوار. ـ هل تعني هذه الحرب نهاية المنطق؟ ـ لم يشكل المنطق في اي لحظة الاساس الذي يفسر التاريخ. فالتاريخ ليس منطقياً في الاصل، حيث يمثل تعارض الأنا البشرية وتعارض المعايير. وإذا اردنا التحديد بشكل اكبر في هذا السياق فإننا نجد ان ثمة مستويين. الاول يعكس نوعاً من الميل اللاعقلاني الاميركي والثاني يعكس ميلاً للعنف في الشرق الاوسط. لكن هذا لا يعني عدم وجود منطق وصواب في كلا المعسكرين. فهناك باعث عراقي واضح للغاية، والباعث الاميركي هو كذلك ايضاً يتمثل في تثبيت ديمقراطية عملاقة كونية، تكون فيها الولايات المتحدة دركي العالم. ـ ما الذي يقف وراء هذه الحرب؟ ـ اعتقد ان التعليل الحقيقي يكمن في رغبة الولايات المتحدة في ان تجعل من نفسها دركيا للعالم، شرطي الكرة الارضية الساهر على تثبيت نظام عالمي جديد. فهذه هي المرة الاولى في التاريخ التي لا توجد فيها قوة اخرى عسكرية عظمى. من هذا المنطلق فإن الاميركيين لا يستطيعون التحمل او التساهل او لا يسمحون بأن توجد قوة عسكرية اخرى او ان تضع منظمات ارهابية او دول قوتها ضمن دائرة الخطر. ـ هل تعتقد ان التوصل إلى خارطة جديدة في الشرق الاوسط امر ممكن؟ ـ اعتقد ان هذه الظاهرة مطروحة تماماً. وان الشيء المهم هو ارادة تنصيب شرطي عالمي، تلك الارادة الاميركية، تجد جذورها في ايجاد الظروف لنظام مستقر في العالم العربي. والعراق هو بوابة الدخول باتجاه المملكة العربية السعودية. ـ يحط بوش من قيمة القبول العالمي من جانب ويستخدم شرعية الديمقراطية من الجانب الآخر. ـ كان يتوجب الوصول إلى وضع حكومة عالمية بشكل تدريجي، وبهذا المعنى فإن السلوك الاميركي قابل للفهم من الوجهة التاريخية. فهم يريدون ان يكونوا السلطة في الحكومة العالمية، من هنا يأتي القول بانهم سوف يضمنون ترسيخ الديمقراطية العالمية عن طريق الحرب.. لم لا؟ فنحن كنا بحاجة اليهم من اجل اخراج هتلر وربما لو لم يحتجز الاميركيون فرانكو لما كان مات في فراشه. اما فيما يتعلق بالديمقراطية، فأنا ما كنت لاضعها في اي معسكر. ذلك ان واقع ان الاميركيين قد بدأوا الحرب ضد مجلس الامن هو فضيحة. لكن مجلس الامن مكون من بلدان ليست ديمقراطية اصلاً. وهكذا فإن فكرة طلب الاتفاق من طغاة لفرض الديمقراطية هي فكرة سيريالية إلى حد ما. ـ هل تعتقد ان الامم المتحدة مهددة؟ ـ على العكس، اعتقد انهم سيخرجون معززين بالقوة، لأن الجميع يدرك اننا نعيش في عالم يحتاج إلى مكان للسلطة وان الامم المتحدة قد كانت، منذ اشهر، ولاول مرة منذ عام 1945، بشكل حقيقي قلب نقاشات السلطة. ومع اننا لا نعرف ما الذي سوف يحدث لاحقاً، بيد اننا نعرف نفترض انه اذا بلغنا بأن الرئيس العراقي وولديه اصبحوا في عداد الاموات وان الحرب انتهت فسيكون الاميركيون قد حققوا نصراً لا يصدق. وذلك سيكون كارثة بالنسبة للذين كانوا مناهضين للحرب، لكني لا اعتقد ان ذلك سيكون سيئاً بالنسبة لمنظمة الامم المتحدة، التي ستكون الممثل الشرعي لعملية اعادة البناء. ـ ماذا ستكون تأثيرات هذه القوة الاميركية المفرطة على مستقبل اميركا اللاتينية؟ ـ لا اعتقد بأن اميركا اللاتينية مهددة اليوم. فلقد مرت تلك المرحلة التي سادت فيها الانقلابات العسكرية والحكومات المستبدة. مشكلة اميركا اللاتينية تكمن في الهوية ومعرفة ما اذا كانوا سيتمكنون من بناء هوية على الطراز الاوروبي، او انهم سوف يبتلعون من جانب اميركا الشمالية. ـ بعد ان جعلت الولايات المتحدة من فرنسا دولة شيطانية، كيف ستطور العلاقة بينهما؟ ـ ستكون صعبة جداً. لكن يتعين عدم الوقوع في الاثارة. فإذا انتصر الاميركيون في الحرب على وجه السرعة، فإن من الممكن الانتقال فوراً إلى شيء آخر، لكن اذا غرقوا في هذه الحرب، فستكون المسألة اشد صعوبة. ترجمة : باسل أبو حمدة عن «كلارين» ـ الارجنتين