الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 الموضوع الذي يشغل بال المفكرين ويلح على خواطر المصلحين والمربين والمدرسين والمدربين هو تربية الشباب، والسؤال الذي يثور بين الحين والآخر، هو كيف نربي شبابنا تربية صحيحة تقيهم عوامل الانحراف الفكري والخلقي والعاطفي؟ وبداية فنحن لا نستطيع ان نتجاهل الجهود التربوية المبذولة في مدارسنا ومعاهدنا وانديتنا ولا نستطيع في الوقت نفسه ان نتغافل عن نتائج الاساليب المتبعة حاليا في مجالات التربية وهي نتائج في اجمالها لا تحقق ما نطمح اليه بل انها تعطينا عكس ما نطلبه في غالبية الاحوال ومن هنا ظل موضوع التربية شاغلا اساسيا وظل البحث عن اسلوب التربية الامثل مثارا للتساؤلات، وفي اطار البحث عن هذا الاسلوب الامثل يطيب للمرء ان يعاود التنبيه الى اننا كمسلمين لا يمكن ان نجد عن التربية الاسلامية بديلا، ان البذور في غير تربتها لا تثمر، والزهور في غير اوانها لا تزدهر والاسماك في غير بحارها وانهارها لا تعيش وكذلك المسلم لا يمكن ان يعيش انسانا سويا متكاملا اذا كانت تنشئته على غير قواعد الاسلام في التربية، ولقد عجزت جميع النظريات والفلسفات الخاصة بالتربية عن ان تمنح المجتمعات البشرية انسانها المنشود وبقيت التربية الاسلامية وحدها على هذا الثغر تحمي وتمنح، تعطي وتخصب ذلك انها هبة الخالق للمخلوقين وسر الحياة لمانح الحياة، لقد جعل الاسلام للعقل السلطات الاعلى ووضع الاقناع اسلوبا من اساليب التربية والتعليم وجعل حرية الانسان حقا طبيعيا وضروريا في الفكر والحركة ووضع اساليب تربية الضمير وجعل له بعد العقل المرتبة الاولى في طرق الالزام ونصب منه في داخل الانسان حارسا عليه ورقيبا. ووضع الاسلام اعظم اساليب تربية النفس ومكونات الضمير في الرقابة الالهية في الصلاة والزكاة والصوم والكفارات والحج والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والصبر والرحمة والصدق والامانة والتحكم في العادات وسد الذرائع وعني الاسلام ايضا بالتربية الجسدية فشرع تقوية الابدان وشرع الطهارة والوضوء والغسل الى جانب الصلاة والصوم والحج، وفي اطار التربية الاسلامية الاجتماعية التي تقوم على تعاون الجماعة ووحدة الامة اوصى الاسلام بالتعاون على البر واتقاء الفتنة ومقاومة الافراط في الترف وكل ما يحط في سلم الوجود والزم الاسلام اهله بكل هذه الاحكام والفرائض والاساليب الزاما عميقا وكاملا وسلط طرق هذا الالزام على عقل المؤمن ثم على قلبه وضميره ونفسه وغرائزه وطباعه وجسده وشمل بهذا الالزام الكبائر والصغائر والاخلاق والادب وجعل الفرد رقيبا على نفسه وعلى المجتمع والمجتمع رقيبا على الفرد وأعد المسلم لمعركة الحق والخير في عقله ونفسه وصراع الحياة في جسده ولا جدال في اننا نحاول تطبيق مناهج التربية الاسلامية في المدارس والجامعات والمعاهد والاندية ولكن اساليب التطبيق لا تنهض بتحقيق الهدف. لماذا؟! لاننا في كلمة واحدة لم نستطع حتى الآن ان نتجه بتلك المناهج الى عواطف النشء واخلاقهم وانما اتجهنا بها كلية الى عقولهم وافكارهم واننا نلجأ الى شرح العقائد والعبادات والاحكام والاخلاق.. ثم نقف عند هذا الحد، وبذلك فاننا نعطي النشء فكرة عن العبادة ولكننا لا نربي فيه خلق العبادة.. نعلمه الصلاة والصوم والزكاة ولكننا لا نضع فيه اساس عادة الصلاة والصوم والزكاة ولا ننشيء في نفسه عواطف خلقية تهيمن على نفسه وتسيطر على سلوكه، ان التربية الاسلامية لكي تربي المسلم يجب ان تتجه الى تكوين العادات والعواطف لا ان تتجه فقط الى فكر المتعلم تحشد فيه المعلومات والتعريفات وتترك الجوانب العلمية والعاطفية من السلوك، ان التربية الاسلامية ليست تربية عقلية مماثلة للتربية العلمية فقط انها الى جانب المعرفة والعلم تشتمل ايضا على الاعمال وتكوين الاخلاق والعواطف والعادات، ان تربية العقيدة ضرب من التربية الفكرية، وان العنصر الاساسي فيها هو المعرفة فالمطلوب في ميدان العقيدة هو الاهتمام بأن يصل الناشيء الى قضايا خاصة قضايا تقرر وجود الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وان يكون موقفه ازاءها موقف من يتصورها بوضوح ويؤمن بها ايمانا مستنيرا مستندا الى الحجة والبرهان لا الى محض التفكير فاذا تم له هذا فقد بلغت هذه التربية تمامها واما التربية على العبادات فالامر فيها مختلف فهي لا محالة تحتاج الى معرفة تفصيل العبادات المفروضة وما تشتمل عليه من حركات وسكنات وقيام وقعود واقوال وتلاوة ولكن المعرفة هنا لا تكفي كما هو الحال بالنسبة للعقيدة فالمطلوب هنا هو العمل لا مجرد المعرفة، المطلوب القيام بالعبادة بصورة دقيقة منظمة طبقا لاحكام الشريعة، المطلوب في الواقع تكوين عادة علمية فاذا اقتصر الامر على الالمام بشروط العبادة واركانها وواجباتها وسننها دون اداء للعبادة نفسها فان التربية في هذه الدائرة تكون قد تغافلت عن هدفها الصحيح وقصرت في تحقيقه، واجمال القول ان وظيفة المعرفة هنا هي قيادة العمل وتوجيهه واعطاؤه طابعه الصحيح ولكنها هنا ليست هدفا او غاية فاذا انتقلنا الى التربية الخلقية القينا انفسنا في موقف مماثل فمعرفة حقيقة الخلق المطلوب امر لا غنى عنه ولكن التربية الخلقية لا تتم بمجرد معرفة طبيعة الخلق، فمن الممكن هنا كما هو ممكن دائرة العبادات ان تتحقق المعرفة ويهمل جانب العمل، من الممكن مثلا ان نعرف طبيعة الصدق معرفة تامة ثم لا نلتزم به في حياتنا اليومية فالتربية الخلقية الحقيقية هي التي لا تكتفي بالمعرفة بل تتجه الى ناحية العاطفة وتعلم حق العلم ان مهمتها الحقيقية هي تكوين عاطفة عاملة وايجاد احساس قوي متأصل في نفس الناشيء بحب الصدق وعادة قوية تصدر عن هذا الحب فتحمل الناشيء على احترامه وجعله دستورا له في حياته اليومية وبعد.. فان المشكلة التربوية الكبرى في مجال التربية الدينية هي اننا نقصر هذه التربية على ناحية الدراسة والمعلومات فقط.. وهي ناحية لا تنهض وحدها باعداد الاجيال اعدادا تربويا سليما ومن الواجب الحتمي ضرورة الاسراع باتخاذ الوسائل الكفيلة بسد النقص القائم في الناحية العملية في التربية الدينية والا فاننا نرتكب افدح الاخطاء في حق اجيال هذه الأمة. الشباب في كل امة عماد قوتها واساس صلابتها وساعدها القوي واملها الباسم وأمل الامة وذخيرة الوطن للغد وعلماء المستقبل ورياضييه تظهر على وجوهم بسمة المستقبل لانهم رجال الغد في كل اتجاه وسنضع نموذجا عمليا ليكون عنوانا للشباب يهتدي به يقول الله تعالى «قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون». وفردوس الدنيا التربية السليمة وراحة البال وهدوء القلب واستقرار النفس.. وفي هذا القدر الكفاية. بقلم: عبدالكريم صقر